• العبارة بالضبط

بعد أن قضى ترامب على "أوسلو".. عباس يبحث عن وسيط نزيه

تقف السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس في مفترق طرق حاسم وهام في تاريخ القضية الفلسطينية والمشروع الوطني؛ بعد القرار الصادم الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعترف بموجبه بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، وأمر بنقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى المدينة المقدسة.

ويمكن القول حالياً إن السلطة الفلسطينية في موقف لا تحسد عليه؛ فخيارات عباس ليست كثيرة وقد لا تكون مؤثرة، خاصة بعدما أطلق ترامب رصاصة الرحمة على اتفاق "أوسلو"، منهياً بذلك 23 عاماً من الركض وراء سراب المفاوضات مع "إسرائيل"، والتي كانت الولايات المتحدة وسيطها المحاط بالشكوك والاتهامات من كل جانب.

وبحسب سياسيين ومراقبين، فإن الرئيس عباس سوف يتخذ خطوات "حاسمة" في المرحلة المقبلة جميعها محاطة بالمخاطر، وسيكون على رأسها البحث عن وسيط بديل لعملية السلام والتهديد بحل السلطة والتحلل من مظلة أوسلو، التي كان يتستر بها طوال السنوات الماضية.

اقرأ أيضاً :

صحف أمريكية: الشرق الأوسط على حافة الخطر بعد قرار ترامب

- خطوات السلطة

والأربعاء (6 ديسمبر 2017) أعلن ترامب من واشنطن اعتراف بلاده رسمياً بالقدس عاصمة لـ"دولة إسرائيل"، وأمر بنقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إليها، وهو ما اعتبره عباس، في كلمة متلفزة، "إعلان انسحاب أمريكي من رعاية عملية السلام".

صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أكد أن القيادة "لن تقف مكتوفة الأيدي" تجاه التصعيد الأمريكي "الخطير" ضد القضية والمشروع الوطني، مضيفاً: "سيكون لنا خطوات ورد فعل كبير وقوي في كل اتجاه ممكن ضد ترامب وإدارته".

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، أكد عريقات أن مؤتمر ترامب الذي أعلن فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، "تجاوز خطير ولا يمكن القبول به أو السكوت عليها"، مضيفاً: "ستكون لنا تحركات بكل جانب لضمان حق الفلسطينيين بعاصمتهم".

وأوضح عريقات أن ترامب "أعلن رسمياً نهاية عملية السلام في المنطقة وأطلق رصاصة الرحمة عليها، خاصة بعد الدور الأمريكي المشبوه طوال السنوات الماضية في رعاية العملية السياسية وملف المفاوضات مع إسرائيل، ووصوله في النهاية للفشل والطريق المسدود".

ولفت عريقات إلى أن واشنطن "لن تبقى وسيطاً صالحاً للعملية السلمية بعد الآن"، مشيراً إلى أن خطاب ترامب الأخير "أنهى دورها بشكل رسمي".

وتابع: "قد يكون من حق الفلسطينيين البحث عن وسطاء جدد أكثر إنصافاً وجديّة في التعامل مع الملف بأكمله، دون أي انحياز للمحتل الإسرائيلي على حساب الحقوق والثوابت الفلسطينية".

ووصف عريقات ما جاء في خطاب ترامب بأنه "كارثة". وقال: إنه "ستكون له عواقب خطيرة للغاية"، مشدداً على أن القدس "ستبقى عاصمة أبدية لفلسطين، ولن يغيرها أي خطاب أو قرارات أمريكية".

وجدد عريقات تأكيد أنه "لم ولن تقوم دولة فلسطينية دون القدس"، مرجحاً أن تحمل المرحلة المقبلة "صراعات وخلافات سياسية كبيرة بين واشنطن ورام الله".

بدوره أكد أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن السلطة "تملك ثلاثة مسارات حاسمة للتعامل مع التصعيد الأمريكي الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء".

وقال مجدلاني لـ"الخليج أونلاين": "سنسلك ثلاثة مسارات هامة؛ أولها التحرك السياسي عبر الأمم المتحدة، وتفعيل خطوات الانضمام للمؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية لتعزيز مكانة دولة فلسطين نحو العالم".

أما المسار الثاني، بحسب مجدلاني، فيتمثل في "تفعيل التحرك في محكمة الجنايات الدولية لملاحقة إسرائيل وقادتها ومحاسبتهم على جرائمهم بحق شعبنا الفلسطيني، ومن بينها ملفا الحرب على قطاع غزة والمستوطنات والقدس".

وسيخصص المسار الثالث لـ"تحريك المقاومة الشعبية ضد المحتل، وتنشيط حملة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل وإدارة ترامب"، بحسب مجدلاني.

أما رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إسماعيل هنية، فأكد أن حركته "ستعمل على إطلاق انتفاضة فلسطينية تكون الجمعة (8 ديسمبر 2017) بدايتها"؛ مشيراً إلى أن قرار ترامب "قبر عملية التسوية" وأنه "لا يوجد هناك صفقة قرن".

وفي كلمة الخميس 7 ديسمبر 2017، أوضح هنية أن هذا الاعتراف "يبدأ مرحلة سياسية جديدة في المنطقة"، وأن القضية الفلسطينية "تمر بمنعطف تاريخي خطير"، ووصف ما يجري بأنه "تحالف شيطاني" مع الاحتلال الإسرائيلي.

ودعا رئيس المكتب السياسي لحماس الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس المحتلتين إلى النفير؛ استعداداً لمتطلبات المرحلة الفاصلة في تاريخ الصراع مع الاحتلال، مجدداً تأكيد أن "سلاح حماس وقوتها موجهة فقط صوب الاحتلال".

من جهتها طالبت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين منظمة التحرير الفلسطينية بسحب اعترافها بإسرائيل.

ودعت الحركة في بيان تلاه مسؤول المكتب الإعلامي، داود شهاب، الخميس 7 ديسمبر 2017، إلى "إعلان فشل مشروع التسوية وإغلاق اتفاق أوسلو ورفض العمل بما يترتب عليه من التزامات، وخصوصاً فيما يتعلق بالتنسيق الأمني مع العدو بكل أشكاله".

وفي العام 1993 وقعت منظمة التحرير الفلسطينية مع حكومة الاحتلال، في واشنطن، اتفاقاً كان نتاجاً لمباحثات سرية بين الفلسطينبين والإسرائيليين في مدينة أوسلو النرويجية عام 1991.

وارتكزت اتفاقية أوسلو على "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي" للجانب الفلسطيني، وأبرز ما جاء في نصوص الاتفاق أن تعترف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية على أنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، شريطة أن تعترف منظمة التحرير بـ"دولة إسرائيل"، المقامة على 78 بالمئة من أراضي فلسطين، (أي كل فلسطين ما عدا الضفة وغزة).

وتنص الاتفاقية أيضاً على انسحاب الاحتلال خلال خمس سنين من أراض في الضفة الغربية وقطاع غزة على مراحل، وأن تقرّ إسرائيل بحق الفلسطينيين في إقامة حكم ذاتي، وليس دولة مستقلة، على الأراضي التي تنسحب منها في الضفة الغربية وغزة.

كما نصت أوسلو على إقامة مجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وإنشاء قوة شرطة من أجل حفظ الأمن في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

- البحث عن وسيط

وفي السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي المقدسي راسم عبيدات، إن ترامب "أعلن الحرب رسمياً على الفلسطينيين، وكشف قناع إدارته الحقيقي تجاه إسرائيل، وأظهر المساندة الكبيرة واللامتناهية للمشروع الصهيوني الممتد في المنطقة وتغذية القتل والتشريد ضد الفلسطينيين".

وأضاف عبيدات لـ"الخليج أونلاين": "يجب على السلطة أن تكون لها كلمة قوية في مواجهة هذا القرار الخطير من قبل الإدارة الأمريكية المتطرفة؛ بتحقيق المصالحة الداخلية، وتفعيل مواجهة إسرائيل في المحاكم الدولية، وتعزيز مكانة الدولة الفلسطينية، والبحث عن وسيط آخر أكثر نزاهة لرعاية العملية السلمية، وقد تكون روسيا الخيار المناسب لها".

- غضب

وشهدت الأراضي الفلسطينية حالة غضب وغليان شديدين إزاء قرار الرئيس الأمريكي الأخير، وسط تحذيرات من اشتعال الأوضاع خلال المرحلة المقبلة.

وعمّ إضراب شامل في كل الأراضي الفلسطينية، وخرجت مسيرات غضب في مدينة غزة بدعوة من القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية تنديداً بالقرار الأمريكي.

وشارك في المسيرات مئات قاموا بإحراق الأعلام الأمريكية والإسرائيلية، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ولافتات كتب عليها "القدس عاصمتنا الأبدية" و"إلى ترامب القدس خط أحمر"، و"سنحمي القدس بأرواحنا وأجسادنا".