"الجزيرة" وقنوات دول حصار قطر.. تغطية تكشف المواقف من فلسطين

ما إن أصدر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قراره باعتبار مدينة القدس المحتلة عاصمةً لدولة الاحتلال، حتى اشتعلت الأراضي الفلسطينية بين الغاضبين من أصحاب الأرض وقوات الاحتلال، ومعها اشتعلت شاشة قناة "الجزيرة" وموقعها الإلكتروني بالأخبار التي تغطي الأحداث لحظة بلحظة، عكس قنوات أخرى عربية اكتفت بتغطية تبدو باهتة قياساً بالحدث.

هذه التغطية من "الجزيرة" ليست جديدة على تعاملها مع القضية الفلسطينية التي تعطيها القناة مساحة خاصة من الاهتمام، خاصةً في وقت الاشتباكات أو بالحروب التي يشنها جيش الاحتلال على قطاع غزة من حين لآخر، لكن الجديد هو تناول وسائل إعلام عربية أخرى للحدث، وفي مقدمتها القنوات التابعة لدول حصار قطر (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر)، كقناة "العربية" السعودية أو "سكاي نيوز" الإماراتية.

ومنذ اندلعت المواجهات في عموم أرض فلسطين، الجمعة 8 ديسمبر 2017، يمكن القول إن شاشة "الجزيرة" هي المصدر الأكثر والأسرع نقلاً لما يجري على الأرض؛ إذ تقوم القناة بتغطية شبه مباشرة لكل ما يجري، في حين تكتفي قنوات دول الحصار بالمرور على أخبار فلسطين بنشراتها فقط، في تهوين يبدو متعمَّداً للأوضاع على الأرض.

وخلال الأيام القليلة الماضية، حظيت صفحة "القدس" على موقع "الجزيرة" الإلكتروني بأعلى نسبة مشاهدة، بالنظر إلى تغطيتها المستمرة للمواجهات، في حين حوَّلت القناة موقعها الإلكتروني للونين الأسود والأبيض بعد صدور قرار ترامب.

ومنذ انطلاقها مطلع تسعينيات القرن الماضي، اهتمت القناة بشكل كبير بنصرة القضية الفلسطينية والحديث عن المآسي في الأراضي المحتلة، وأعادت القضية إلى صدارة اهتمامات المواطنين العرب.

- مطالب إسكات "الجزيرة".. عربون صداقة لتل أبيب

ومن ثم، لم يكن مستغرباً أن ينخرط رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في صفوف دول حصار قطر التي طالبت بإغلاق "الجزيرة"، التي يرى (نتنياهو) في فضحها جرائم دولته المزعومة، جريمة لا تغتفر.

وعلى مدار أسبوعين كاملين، كانت "الجزيرة" هي القناة الأكثر وجوداً في الأحداث، عندما قررت سلطات الاحتلال، في يوليو الماضي، إغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين، ووضعت بوابات إلكترونية لتفتيش الداخلين؛ ما أدى إلى اندلاع اشتباكات واسعة، بعدما رفض المقدسيون الخضوع لإجراءات الاحتلال.

اقرأ أيضاً:

الإعلام المموّل سعودياً.. بداية حقيقية للتطبيع مع إسرائيل

ولاحظ متابعون لوسائل الإعلام السعودية الرسمية وغير الرسمية، خلال اليومين الماضيين، أنها لم تعطِ اهتماماً لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، في حين اكتفت الرسمية منها بتلاوة بيان الديوان الملكي الذي ندد بهذه الخطوة، وتناولها بالنشرات.

ويربط ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي ضعف الاهتمام، إضافة إلى الرد الرسمي الخجول لدول حصار قطر، مع ما قاله الكاتب البريطاني ديفيد هيرست، في مقال بموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، مساء الخميس الماضي، من أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم يكن ليقْدم على قراره بشأن القدس لولا الدعم الغريب والطارئ الذي تلقاه من "محور الطغاة العرب"، ومن ضمنهم حكام السعودية والإمارات والبحرين ممَّن وصفهم بـ"الصِبية العابثين"!

كما يشير شادي حميد، الباحث لدى معهد بروكينغز بواشنطن، في مقال له نُشر بمجلة "ذا أتلانتك"، إلى أن "السعوديين، وضمنهم ولي العهد نفسه، لو كانوا مشغولين بشكل خاص بوضع القدس، لاستخدموا وضعهم المميز كحليف كبير لترامب، وضغطوا على الإدارة للامتناع عن مثل هذه الخطوة المسمومة التي لا داعي لها".

وأضاف، بحسب وكالة "رويترز": "كان من المستبعد أن يمضي ترامب قدماً لو وضع السعوديون شيئاً يشبه الخط الأحمر".

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية كشفت في الرابع من الشهر الجاري، أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عرض على الرئيس الفلسطيني "خطة سلام جديدة تتضمن اختيار ضاحية أبو ديس، المجاورة لمدينة القدس المحتلة (شرقيها)، لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية بدلاً من القدس".

- عداء إسرائيلي

وفي أغسطس الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مكاتب القناة في القدس المحتلة، وسحبت تصاريح طاقمها، وهو ما نددت به الشبكة القطرية، مؤكدةً أنها ستتخذ الإجراءات القانونية والقضائية المناسبة بهذا الشأن.

وقال وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا، إن حكومته قررت إغلاق مكتب شبكة الجزيرة في القدس، وسحب اعتماد صحفييها العاملين ووقف بثها هناك؛ لأن الشبكة "تحرّض على الإرهاب ولا تقدم صحافة مهنية".

واعتبرت "الجزيرة" أن القرار جاء ضمن حملة بدأت بتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اتهم فيها القناة بالتحريض على العنف خلال تغطيتها الأحداث التي شهدها المسجد الأقصى، بعدما أغلقت حكومة الاحتلال المسجد وقررت وضع بوابات إلكترونية عليه.

وكان وزراء آخرون ومسؤولون في حكومة الاحتلال وجَّهوا الاتهامات نفسها لـ"الجزيرة"، كما حاول مستوطنون يهود اقتحام مكاتب الشبكة في القدس، قبيل إغلاقها.

- توافُق مع دول مقاطعة قطر

ولعل التوافق الكبير في الاتهامات التي وجهتها دول الحصار للشبكة القطرية، وتلك التي وجّهتها حكومة الاحتلال، يكشف بعض أسباب التناول الباهت لقنوات هذه الدول لما يجري على أرض فلسطين، عكس ما تقوم به "الجزيرة".

وطوال سنواتها العشرين الماضية، احتلت القناة القطرية مكانة الصدارة في تغطية الحروب والأحداث الهامة، ولا سيما في فلسطين وبعدها الثورات العربية، ودائماً ما تكون في طليعة من ينقلون الخبر من قلب الحدث بغضّ النظر عما يحيط به من خطر.

وفي يوليو 2014، كانت "الجزيرة" الناقل الوحيد تقريباً للمجازر التي نفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة، وكانت طواقمها تعمل على بُعد أمتار من مواقع القصف، في حين كانت قنوات أخرى تعمل بمناطق آمنة لا تعرّضها لأي خطر.

ولم يقتصر تفوُّق تغطية "الجزيرة" على فلسطين وحدها، فقد كانت حاضرة في قلب معارك سوريا واليمن وليبيا، ومن قبلها في العراق وأفغانستان، وفقدت عدداً من مراسليها خلال هذه الحروب.

- عدو استراتيجي

في عام 2010، كشفت دراسة لباحث إسرائيلي أن واشنطن، ومنذ أحداث 11 سبتمبر 2001، تتعامل مع "الجزيرة" كـ"عدو"، وتعتبرها "شمّاعة" للتغطية على فشلها في العراق وأفغانستان. وأوضحت أن المحطات التلفزيونية الأمريكية "تسعى لشيطنة هذه القناة، ضاربةً عرض الحائط بمعايير الزمالة والمهنية رغم عدم ثبوت التهم الموجهة لها بمعاداة الغرب واليهود ورعاية الإرهاب".

وأكد الباحث والمُحاضر في معهد "هرتزليا" للدراسات الأكاديمية، البروفيسور طال عزران، في كتاب "الجزيرة وتغطية الحرب الأمريكية"، أن الولايات المتحدة والمحطات التلفزيونية الأمريكية الكبيرة "دأبت على حجب معلومات (الجزيرة) بشتى الوسائل القانونية والسياسية عقب حادثة استهداف برجي التجارة في نيويورك عام 2001".

ويقول عزران في كتابه الذي صدر باللغة الإنجليزية عن دار النشر "بيتر لانغ" بمانهاتن الأمريكية: إن الجزيرة "تحوّلت إلى لاعب مركزي دولي بعد 2001، خاصة بعد تغطيتها الحصرية للحرب على أفغانستان".

ولفتت الدراسة إلى أن هذه القناة "وضعت تحدياً أمام القنوات الغربية، ليس فقط من ناحية الشكل والمضمون، وإنما أيضاً لدخولها الفضاء الإعلامي العالمي، وهذا ما ازداد بعد إطلاق "الجزيرة" نسختها الإنجليزية، التي يشاهدها أكثر من 310 ملايين مُشاهد في 100 دولة، بحسب موقعها على الإنترنت.

وتجاوز الباحث الفترة التي يتمحور فيها بحثه (2001-2004) ليشير إلى أن "الجزيرة" الإنجليزية تنافس اليوم، وبقوةٍ، شبكات التلفزيون الأمريكية، لافتاً إلى أنها "أكثر نعومة من شقيقتها (العربية) في مضامينها ومصطلحاتها".

ويمكن فهم حالة الغضب التي تعتري بعض الحكومات، ومن بينها الأمريكية، من هذه القناة الفتيّة، بالرجوع إلى قول الصحفي البارز في شبكة "سي بي إس" الأمريكية، دان راذير، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، في أحد برامجه من أن "الجزيرة هي أمل الديمقراطية في الشرق الأوسط"، قبل أن يعود بعد عام 2001، ويتساءل محرّضاً: "هل يموّل أسامة بن لادن الجزيرة؟".

اقرأ أيضاً:

دعا التحالفَ لقصفها.. "الجزيرة" كابوس يلاحق "ضاحي"

- قصف مكاتب "الجزيرة"

ومنذ انطلاقها عام 1996، تعرضت "الجزيرة" لسلسلة لا تنتهي من المضايقات، وتنوعت هذه المضايقات بين إغلاق مكاتب القناة واعتقال العاملين بها والحكم عليهم أحياناً بالسجن، وصولاً إلى قصف مكاتب للقناة.

في عام 2003، قصفت القاذفات الأمريكية مكتب "الجزيرة" في العاصمة الأفغانية (كابل)، فحوّلته إلى حطام، لكنها لم تُوقِع خسائر بشرية في صفوف العاملين، وهو الأمر نفسه الذي حدث لمكتبها في بغداد عام 2003، لكنه قُتل هذه المرة مراسلها الراحل طارق أيوب.

في 22 نوفمبر 2005، أوردت صحيفة "ديلي ميرور" البريطانية، في صفحتها الأولى، مقتطفات من وثيقة بريطانية سرية تؤكد إطلاع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، رئيسَ وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، خلال اجتماعهما في البيت الأبيض 16 أبريل 2004، على خطة لضرب مكاتب محطة الجزيرة الإخبارية في قطر وخارجها بالصواريخ أو المتفجرات.

- تآمر إماراتي ضد "الجزيرة"

ومع اندلاع الأزمة الخليجية، أعاد موقع ويكيليكس نشر برقية دبلوماسية سرية، تكشف أن ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، طلب من واشنطن قصف مكتب "الجزيرة" في أفغانستان.

وتتطرق هذه الوثيقة بالتفاصيل إلى مضمون محادثات أُجريت في 15 يناير 2001، أي قبل غزو الولايات المتحدة العراق، بين محمد بن زايد، والدبلوماسي الأمريكي، مدير مكتب التخطيط السياسي في وزارة الخارجية آنذاك، ريتشارد هاس.

ونقلت البرقية عن الجنرال المتقاعد حالياً، تومي فرانسيس، الذي كان يدير آنذاك العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط بصفة رئيس القيادة المركزية للقوات المسلحة للولايات المتحدة، أن ولي عهد أبوظبي، المسمى بـ"MBZ" في الوثيقة، حثّ الولايات المتحدة على بسط سيطرتها على التغطية الإعلامية للحرب في العراق، وشدد على أهمية كبح جماح فضائية الجزيرة، قبل تنفيذ أي عمليات عسكرية.

وثيقة

وفي يوليو 2014، وخلال العدوان على غزة، دعا وزير خارجية الاحتلال آنذاك، أفيغدور ليبرمان، إلى وقف عمل قناة الجزيرة في إسرائيل؛ عقاباً لدولة قطر، التي عدَّها الممول الرئيس لما وصفه بالإرهاب في الشرق الأوسط، كما تعرّض مكتب القناة في غزة لإطلاق رصاص من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وحالياً، وفي حين تتفرغ قنوات خليجية للهجوم على دولة قطر، أو الترويج الواضح للتطبيع مع الكيان المحتل، تُواصل "الجزيرة"، وبلا توقُّف، نقل المواجهات الدائرة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال.

ويمكن القول إن الفضائية القطرية، وفي الظرف الراهن تحديداً، قد تفوقت وبقوة على مثيلاتها في الخليج خصوصاً وفي الوطن العربي عموماً، بعدما باتت النافذة الوحيدة تقريباً التي تضع المواطن العربي أمام ما يحدث لفلسطين وللفلسطينيين، غير مكترثة بحصار ولا بخسائر ولا تضييقات.