قطر تدخل 2018 بخطوات واثقة نحو "الاكتفاء الذاتي"

تمكّنت قطر، خلال الأشهر الستة الماضية، من تحقيق تقدم في معدل الاكتفاء الذاتي وتطوير صناعتها المحلية بنسب جيدة، في محاولة جادة لتحقيق طموحاتها الاقتصادية وتعزيز نموّها وتوسيع مصادر مواردها، خاصة الغذائية منها، لمواجهة الحصار الذي فرضته عليها عدة دول خليجية، منذ منتصف العام الجاري.

وحددت الدوحة 2018 موعداً لتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعات واسعة من الصناعات، خاصة الغذائية والدوائية. ووضعت خطة كاملة في موازنتها للسنة المقبلة لدعم الصناعات المحلية والقطاع الخاص.

واعتمد أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الثلاثاء 12 ديسمبر، قانون الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2018، وتوقعت وزارة المالية وصول إجمالي قيمة النفقات على المشاريع الرئيسية إلى 93 مليار ريال (25.5 مليار دولار).

وفي 5 ديسمبر الجاري، أعلن وزير المالية القطري، علي شريف العمادي، أن موازنة بلاده لعام 2018 ستركّز على تطوير الصناعات المحلية والقطاع الخاص لتحقيق الاكتفاء الذاتي ومواجهة الحصار.

وقال الوزير العمادي في تصريحات صحفية: إن "الحكومة ستستخدم الدعم لتطوير بعض القطاعات الاقتصادية وتعزيز النموّ".

وتوقع أن تتمكن الدوحة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الغذائية، بحلول الرابع من يونيو المقبل.

ولم تنتظر قطر حلول العام 2018 لتبدأ تطبيق خطتها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل بدأت منذ الأزمة الخليجية وفرض الحصار عليها، في 5 يونيو الماضي، مساعيها للاستغناء عن منتجات الدول المُحاصِرة، التي كانت تشكّل نحو 90% من واردات الدوحة الغذائية.

وبعد نحو شهر على الأزمة، أعلنت شركة "حصاد" الغذائية التابعة لجهاز قطر للاستثمار (الصندوق السيادي)، في يوليو الماضي، إطلاق مبادرة "اكتفاء"، التي تستهدف المزارع المحلية غير المنتجة في البلاد.

اقرأ أيضاً :

أول موازنة لقطر بعد الحصار.. صمود مالي وإصرار ينهض بالصناعة

وذكر بيان صادر عن الشركة، التي تعمل في الاستثمار في القطاع الزراعي والغذائي داخل قطر وخارجها، أن المبادرة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي المحلي.

وأوضحت أنها ستوفّر الدعم التقني للمزارعين وشراء إنتاجهم السنوي من الخضراوات والفاكهة، ثم تسويقها وبيعها في السوق المحلية، مستهدفة إنتاج 5 آلاف طن من المحاصيل الزراعية، ضمن المرحلة الأولى.

وحصاد الغذائية إحدى شركات جهاز قطر للاستثمار، تهدف إلى دعم الاقتصاد القطري، وتملك استثمارات في قطر وأستراليا وباكستان وعمان.

كما أعلنت "غرفة قطر" التجارية والصناعية، في يوليو الماضي، اكتمال الترتيبات لإنشاء أكبر مشروع زراعي في البلاد بأحدث تكنولوجيا.

وقال عضو مجلس إدارة غرفة قطر، أحمد العبدلي، في تصريح صحفي، إن المشروع سيكون الأول في العالم بمجال الأمن الغذائي، والإنتاج الزراعي، والصناعات الزراعية، والمنتجات الحيوانية والألبان واللحوم البيضاء والحمراء، والأسماك.

وأشار إلى أن المشروع سيحقق مخزوناً استراتيجيّاً لقطر، إضافة إلى تدوير النفايات المرتبطة بالمدينة الزراعية والمدينة اللوجستية، والتي ستقوم على الطاقة المتجددة.

وفي أكتوبر الماضي، أعلنت الدوحة إطلاق أول مشاريع القطاع الخاص لاستزراع الأسماك، بطاقة استيعابية تناهز ألفي طن سنوياً.

وذكرت وكالة الأنباء القطرية الرسمية أن المشروع يأتي ضمن مشاريع مماثلة في مختلف القطاعات تخطط قطر لإطلاقها؛ سعياً للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية.

اقرأ أيضاً :

عمره 3 أعوام.. هل سيكون "مطار حمد الدولي" الأفضل بالعالم؟

- قرار شجاع ونقلة نوعية مهمة

وحول التوجه القطري لتحقيق الاكتفاء الذاتي، يقول الخبير الاقتصادي منير سيف: إن "الاعتماد على الذات في الصناعة والزراعة يعتبر على قمة أولويات الدول التي تبحث عن استقلال ذاتي وامتلاك زمام أمرها بيدها".

ويضيف سيف، في حديثه لـ "الخليج أونلاين"، أن "القرار (الاكتفاء الذاتي) الذي اتّخذته قطر كان شجاعاً ويعتبر نقلة نوعية وخطوة مهمة".

ويرى أن القرار "كان ناتجاً عن العقلية الوطنية الحكيمة التي تقود البلاد؛ فالدوحة تعدّ من الدول العربية القليلة التي تسعى جاهدة إلى تطوير التعليم والبحث العلمي".

وأشار المستشار الاقتصادي إلى أن الحصار المفروض على قطر منذ عدة أشهر، جعلها تتجه نحو هذه الخطوة التي تدعم اقتصادها المحلي وتجعله أكثر استقلالاً، اقتداءً ببعض الدول التي عانت من الحصار في الماضي والحاضر وتمكّنت من الاستغناء عن الخارج.

وحول الآليات المطلوبة لتحقيق الخطوة، يقول سيف: إن "صنع اقتصاد قوي وبتقنيات حديثة وتدريب أعضاء فنيين في البلاد يعتبر من أهم متطلّبات نجاح هذا القرار، وهو أمر لا غنى عنه لبناء اقتصاد وطني مستقل".

ويضيف: "يجب حشد الموارد والتركيز على القطاعات الأكثر حيوية، ولدى قطر القدرة على تطويرها بشكل أسرع وأضمن؛ كقطاع الصناعات التحويلية، وأيضاً على قطاع الزراعة، فهي الأكثر أهمية في عملية الاكتفاء الذاتي".

وباستطاعة الدوحة، وفق المختصّ الاقتصادي، أن تجلب أحدث التقنيات في عملية الزراعة والرعي والتقطير، وتركيزها على هذا القطاع سيكون له أهمية قصوى في الاكتفاء الذاتي للغذاء، ما سيخلق لها قدرة على تحمّل أي حصار كان.

ودعا سيف إلى استغلال العقول العربية والأجنبية القادرة على تقديم الحلول الاقتصادية والصناعية العملية التي ستكون المحرك الأساسي في التطوير والتنمية.

وأشار إلى أن امتلاك قطر مصادر مستقلة للمواد الخام والوقود يزيد من فرص نجاح تنفيذ خططها الاقتصادية.

ويؤكد سيف ضرورة وجود إرادة سياسية قوية ورؤية اقتصادية واضحة لتحقيق الهدف المعلن، لأنه ليس من السهل الاستغناء عن الخارج.

ويعتقد الخبير الاقتصادي أن قطر ستنجح في خطتها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، في حال توفرت الإرادة السياسية والاستمرارية في تنفيذ المشروعات المحلية.

وكان رئيس الوزراء القطري، الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني، قد أعلن الشهر الماضي، أن حكومة البلاد تركز حالياً على مشاريع الأمن الغذائي والمائي والدوائي ورفع الاكتفاء الذاتي منه.

اقرأ أيضاً :

"السياحة العالمي" يخترق حصار قطر ويفتح آفاقاً للتنمية

ولفت إلى أن قطر كانت تستورد 90% من الألبان من دول الحصار، وقد تمكّنت اليوم من تغطية 40% من احتياجات السوق المحلي.

وأشار إلى أنه مع بداية العام المقبل ستصل نسبة الاكتفاء الذاتي من منتجات الألبان إلى 90%.

وعلّق رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، على الجهود الحكومية القطرية لتحقيق الاكتفاء الذاتي بالقول، في تصريح صحفي، إن القطاع الخاص في البلاد يتطلّع لدعم توجهات الحكومة في التركيز على مشاريع الأمن الغذائي والمائي والدوائي، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وأشار بن محمد إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة القطرية في الفترة الأخيرة، أثّرت بشكل مباشر في تعزيز الاستثمار وزيادة ثقة المستثمرين الأجانب.

وأكد أن القطاع الخاص سيسهم في توطين الصناعات في قطر بدلاً من الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

وكان وزير المالية القطري قد أعلن، في نوفمبر الماضي، في لقاء مع قناة "الجزيرة"، أن بلاده ستكون على موعد مع تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المنتجات التي تتعلّق بالأمن الغذائي والدوائي واللوجستي، في 5 يونيو 2018.

وقال العمادي: إن "5 يونيو 2017 (بدء الأزمة الخليجية) كان نقطة تحوّل مهمّة للاقتصاد القطري الذي أصبح يعتمد على النفس، على خلاف السابق".

وأضاف أن الاقتصاد القطري كان يعوّل في بعض المنتجات الغذائية على عدد من دول الحصار، بنسبة وصلت إلى 90% في بعض المنتجات الحيوية، أما اليوم فقد بلغت نسبة الإنتاج المحلي في 6 أشهر 40%".

وذكر أن تركيز حكومته ينصبّ اليوم على تحقيق الاكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية والصحية والخدمات اللوجستية.

يشار إلى أن قطر كانت قد حددت عام 2023 للوصول إلى تأمين ما نسبته 70% من احتياجاتها الغذائية محلياً، وعام 2030 لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل.