• العبارة بالضبط

القدس لا شيء وكل شيء

في قضية القدس لن نتعرض لترامب، فقد كفانا ذلك كيسنجر بالقول: إن "التاريخ يعاقب العبث الاستراتيجي عاجلاً أم آجلاً". أما مترنيخ داهية السياسة الأوروبية في القرن الـ19، فقال: "لا تذهب المفاوضات بك لأبعد مما يمكن لمدفعيتك أن تصل له".

وحالياً، تمرّ المنطقة العربية بمنخفض أخلاقي حاد، يتمثل في أن الكثيرين أخذتهم الغيرة على القدس حتى تعدد المحبون لقدس واحدة. لكن الكل عاجز عن القيام بعمل يغيّر رأي ترامب؛ ما يدفعنا لأخذ نصيحة مترنيخ، لا تنفعلوا فلن يتعدى غضبكم الرد على تغريدات ترامب؛ في حين أن فريق ترامب يهيّج علينا قطيع التطبيع، ليدفعنا للمنحى الاحتوائي، ما يفرض سؤالاً مهماً هو: ماذا تعني القدس للمنفعلين من التنظيمات والأنظمة؟

لو بدأنا بالهياكل العسكرية الشريرة، لوجدنا أن تنظيم القاعدة، وعلى لسان بن لادن، قد أشار إلى القضية الفلسطينية في جميع بياناته، لكنني لم أتذكر -أو يتذكر معي صديقي "جوجل"- أية عمليات لتنظيم القاعدة لتحرير القدس، غير تهديد الزرقاوي الأجوف بقصف تل أبيب، وتفجير المعبد اليهودي في تونس، ثم عملية مومباسا، رغم أن "القاعدة" قرب القدس تضم مجموعات، منها مجلس شورى المجاهدين، وأنصار بيت المقدس، وجيش الإسلام، وجيش الأمة، وجماعة التوحيد والجهاد، وأنصار الله، وتدّعي جميعها أن أهدافها الأساسية تتمثل في تحرير فلسطين.

أما داعش، فتحرير فلسطين ليس من "أولويات الجهاد المقدس"، كما قال البغدادي، رغم أنه نفسه قد هدد في نهاية 2016، بتحويل فلسطين إلى "مقبرة لليهود". هذا على جانب الهياكل العسكرية الشريرة السنّية، أما على جانب الهياكل العسكرية الشريرة الشيعية، فقد صرح حزب الله بأن لا وجود الآن لأي مشروع متكامل لدى المقاومة لتحرير القدس أو فلسطين! وحتى يظهر المشروع، فقد ظهر بوضوح في خطاب نصر الله تغيُّر التصعيد بلهجته، كما في خطبه المعتادة تجاه تل أبيب أو أمريكا.

وعلى النسق نفسه، خاض فيلق القدس الإيراني معاركه في كل مكان إلا القدس، فقد قام لتنفيذ المهمات الخارجية لزعزعة استقرار الدول العربية حصرياً، ومثله "الحشد الشعبي"، باستثناء التهديدات التي أطلقها قرب الجولان، الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي، لأهداف دعائية للظهور بأن "الحشد" يعادي إسرائيل وأمريكا. ونحشد مع "الحشد"، في العداوة للصهاينة وأمريكا، جماعة الحوثيين، الذين شعارهم "الله أكبر.. الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل"، ثم تراجعوا وخففوا جرعة الموت عن اليهود وأمريكا لاستخدامها في صنعاء!

- بالعجمي الفصيح

في آخر مشهد من الفيلم الشائق "مملكة النعيم-Kingdom of Heaven"، يدمر صلاح الدين (يمثله غسان مسعود)، حصون الصليبيين، وقبل أن يغادر يسأله البطل الصليبي (يمثله Orlando Bloom)، قائلاً: ماذا تعني لكم القدس؟

يردّ صلاح الدين وهو مدْبر: لا شيء، ويسير خطوات ثم يتوقف ويستدير ناحيته ويجيب عن السؤال نفسه: كل شيء.

وهذا هو حال التنظيمات والأنظمة والأحزاب الدينية والمدنية بعد قرار ترامب، فالقدس تعني لا شيء؛ لكنها تعني في الوقت نفسه كل شيء كقيمة ذرائعية.

صحيفة (العرب) القطرية