"الحوت الأزرق" يستنفر العائلات الجزائرية قبل انتحار أبنائها

"أضمُّ صوتي إلى الذين لم يُسمع صوتهم من الأمهات والآباء؛ لحماية أبنائنا من هذه اللعبة القاتلة، راجياً من السادة الأئمة ومن رجال الإعلام أن يسهموا في نشر هذا التوجيه؛ حتى لا تتسبب هذه اللعبة في وفاة طفل آخر".

بهذه الكلمات، طالب وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري، محمد عيسى، الآباء والأمهات بمراقبة هواتف أبنائهم الذكية؛ لحمايتهم من الموت، بإزالة ما وصفه بلعبة "الحوت الأزرق الفتاكة" من هواتفهم، بعد أن تسببت في مقتل خمسة مراهقين بأقل من شهر.

آخر حادثة، شهدتها محافظة بجاية (230 كم شمال شرقي العاصمة الجزائر) نهاية الأسبوع الماضي؛ حينما أقدم مراهقان، يبلغان من العمر 16 سنة ويدرسان بالثانوية نفسها، على الانتحار شنقاً بعد تدرُّجهما -حسبما أشيع- في تحديات لعبة "الحوت الأزرق".

وقبل ذلك، شهدت محافظة سطيف (400 كم شرقي العاصمة الجزائر) انتحار ثلاثة أطفال بين 9 و15 عاما شنقاً، في حين نجت تلميذة من موت محقق بعد قطع أحد شرايين يدها.

الظروف الغامضة التي طبعت حالات الانتحار المسجلة، أمر أثار خوف وقلق العائلات الجزائرية من تسجيل مزيد من الضحايا بين أبنائها، خاصةً في ظل تضارب المعلومات بشأن مصدر هذه اللعبة، وطريقة وصولها إلى الأطفال والمراهقين، ومدى انتشارها.

وخلال نزوله ضيفاً على التلفزيون الحكومي، أعلن وزير العدل حافظ الأختام الطيب لوح، فتح تحقيق قضائي من طرف الهيئة الوطنية للوقاية من جرائم تكنولوجيا الإعلام والاتصال، بالتنسيق مع النيابة العامة المختصة، بشأن "ما تم تداوله حول اللعبة التي تدفع الأطفال إلى الانتحار".

وكشف "الطيب لوح" أن "نتائج التحقيق الأولية أثبتت حالة لها علاقة بهذه اللعبة التي يروَّج لها، وحالات أخرى لا يزال التحقيق جارياً بشأنها، ولم يثبت لحد الآن علاقتها بهذه اللعبة".

وعكس ما يشاع من كون اللعبة عبارة عن تطبيق يتم تحميله من خلال متجر بلاي ستور، أو غيره من المتاجر الإلكترونية، فإن الخبير في تكنولوجيا الاتصال كريم خلواطي، يؤكد لــ"الخليج أونلاين"، أن "اللعبة ليست تطبيقاً؛ بل عبارة عن محادثات تتم من خلال مجموعات سرية ومغلقة على شبكات التواصل الاجتماعي".

- محادثات سرية

وكشف أن "من يقفون وراء اللعبة يستعملون الماسنجر للتواصل مع ضحاياهم، حيث يمارسون عليهم أساليب التأثير النفسي والبسيكولوجي، من خلال مجموعة من التحديات التي تبدأ كتحديات بسيطة كالاستيقاظ باكراً، ومشاهدة أفلام الرعب، وتنتهي بالتحدي الأكبر وهو تحدي الانتحار".

وفي كل تحدٍّ من التحديات الــ50، يُطلب من المشارك إرسال صور لمسؤولي المجموعة، ويُعتبر رسم الحوت الأزرق على الذراع باستعمال آلة حادة أول تحدٍّ يعلن من خلاله المشترك دخوله الفعلي في المسابقة.

وفي حال محاولة الانسحاب من اللعبة، يتم ابتزاز المشترك بالمعلومات التي سلَّمها لهم، أو يتم تهديده بالقتل، أو قتل أفراد من عائلته.

وخلال ردها على سؤال لنواب البرلمان بشأن إمكانية حجب المواقع التي تنتشر من خلالها هذه اللعبة وغيرها من التطبيقات التي تهدد سلامة الأطفال، أكدت وزيرة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، هدى فرعون، أنه يستحيل حجب كل المواقع التي تروج لمثل هذه التطبيقات.

وقالت عن لعبة "الحوت الأزرق"، إن هذه الأخيرة لا يمكن وقف مخاطرها إلا بحجب الفيسبوك نهائياً، وهو أمر اعتبرته مستحيلاً، وشددت على أن الحل يكون بالتوعية وبمراقبة الأولياء أبناءهم.

اللعبة حسب تحقيق نشرته "الديلي ميل" البريطانية في 29 يونيو الماضي، برزت أول مرة عام 2013، وتحديداً في روسيا، من خلال المطور فيليب بوديكين طالب علم النفس الذي طُرد من الجامعة، والذي أنشأ مع رفقائه مجموعة (F57)، وهي مجموعة على السوشيال ميديا بموقع التواصل الاجتماعي (vk.com) المنتشر في روسيا والدول المحيطة بها.

بوديكين نجح في تحريض العشرات من الضحايا بدول عديدة على الانتحار، من خلال وضع ضحيته في وضعية نفسية كئيبة تدفعه وتشجعه في النهاية على وضع حد لحياته، وقد أدين بالسجن بعد اتهامه بالتورط المباشر في تحريض 16 فتاة روسية على الانتحار.

- مضامين عنيفة

تسجيل حالات انتحار بالجزائر بين أوساط المراهقين والأطفال، وربطها مع هذه اللعبة، أثارا تساؤلات ومخاوف عديدة، وحذر رئيس المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة الإلكترونية بمديرية الشرطة القضائية، العميد سعيد بشير، في ندوة صحفية، من "خطورة ممارسة الألعاب الإلكترونية غير المعروفة المصدر، والتي توجَّه في غالب الأحيان إلى الأطفال"، مؤكداً أن هذه الألعاب "تحوي في العادة مضامين عنيفة، وتتم صناعتها انطلاقاً من عادات وتقاليد غريبة عنا، وتخلُّ بالتوازن النفسي لأبنائنا".

وفي غياب نظام للحماية العائلية، أكد أن الاستخدام السيئ للإنترنت من قِبل الأطفال تسبب في ارتفاع نسبة الجريمة الإلكترونية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث سجلت مصالح الأمن 567 حالة عام 2015، و1055 حالة في 2016، و1500 حالة في 2017، وهو الأمر الذي يعكس، برأيه، "غياب ثقافة التبليغ بين أفراد المجتمع".

وعن سبل مواجهة الاستخدامات السيئة للإنترنت على الأطفال، نوّه الخبير في مجال تكنولوجيا الاتصال يونس قرار، لـ"الخليج أونلاين"، إلى أهمية الحماية العائلية، حيث نصح العائلات بـ"ضرورة المراقبة الدائمة لأطفالهم وتفحُّص أجهزتهم الإلكترونية الذكية، مع ضرورة وضع أجهزة الكومبيوتر الموصولة بالشبكة في أماكن تتيح مراقبتها، ومنع عزلة الأطفال بهذه الأجهزة، مع مراقبة أبنائهم وملاحظة أي تغيير يطرأ على سلوكياتهم وتصرفاتهم".