• العبارة بالضبط

في اليوم العالمي للغة العربية.. اعتذار لها

أعتذر لك سيدتي، فلغتنا ذبحتها استثناءاتهم وضروراتهم التي تعاملت مع القاعدة بطريقة معكوسة منكوسة، كلامنا خطأ يحتمل الصواب، ورأي غيرنا صواب يحتمل الخطأ، فخطؤهم لا يعرف إلى الصواب سبيلاً كان ولا يزال.

أُصاب أحياناً بالدوار وأنا أستمع لحديثهم الذي لا يخلو من مصطلحات ولفظات أجنبية؛ ليوهموا السامع بأنهم مثقفون متمدنون متحضرون، وغيرهم متخلف رجعي، قديم.

يتنافس بعضهم على استنشاق كلمات كثر، لها في تراثنا مترادفات تغطيهم من رأسهم حتى أخمص قدميهم.

ويسألك أحدهم عن "تعكز"، وليته عرفها وما عرفها، ولو عرفها لتعكَّز عليها!

لا يفرِّقون بين الضاد والظاء، ويبدعون أيما إبداع وهم يسطرون بقلمهم، الذي يذكرني عندما يكتبون بالصف الأول الابتدائي (حظر) بمعنى "جاء" هكذا، وليتني حظرتهم وتخلصت من شرِّهم اللغوي وعدوانهم النحوي، وسوئهم البلاغي.

تستشيط غضباً عندما تسمع حديثهم، الذي غالباً ما يكون لغة ثالثة وما بعدها، ما سمعنا بها في آبائنا الأولين.

يرفعون المجرور، وينصبون على أنفسهم بلعنة ما يتكلمون، وهم لا يعلمون ما يفعلون.

أما شكرهم، فغالباً ما يكون بالنون (شكرن)، وهي تشكوهم إلى اللغة التي قتلوها وشيَّعوها ثم كبَّروا عليها أربعاً دون ركوع أو سجود.

وسرقتُهم للأحرف جريمة ثانية تضاف إلى سلسلة ما يقترفون بحق العربية.. (بلكتاب) يكتبونها هكذا وكأن الألف قتلت أمهم وأباهم!

وزيادة الألف في (هاذا) و(ذالك) حدِّث عنها ولا حرج!

- لغتهم البيضاء (السوداء)

لا مصطلح يستفزني عندما أحاجج أحدهم إلا استخدامه مصطلح (البيضاء)، التي هي براء منهم كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، فالبياض لا يعني نحر اللغة واللعب بقواعدها كما المستديرة التي يتناقلها الماهرون وغيرهم، ويصيبك أحدهم بالجلطة بكل أطرافها حين يستشهد لك بشاهد لا يعرف كُنهه، هو ومن على شاكلته، ثم لا يلبث أن يدير ظهره لما تعلمه في الابتدائية وأُنسيه في المتوسطة، وتذكَّره في الإعدادية، ثم تناساه في الجامعة عن قصد أو هي المناهج.

- اللغة الفيسبوكية

وهنا أترضَّى عن "مارك" الذي يعلمنا العربية كأنها لغته الأم، ويشربها للعرب وكأنها دخيلة عليهم، حتى بات أحدنا (يفكر) و(يشعر) وليته ما شعر!

هنا بات لزاماً علينا أن نترضى عن مارك وإخوانه الأحياء الذين نتعلم منهم اللغة كأنها عليهم نزلت وليس علينا نحن أمة العرب.

- العامية والدارجة

تُعرف بأنها لهجة منطوقة على ألسنة معظم الناس، خصوصاً ذوي الثقافة الدنيا أو غير المتعلمين، ونقيضها الفصحى.

والعجب أن بعض ناطقينا لم يصل إلى الدرجة الدنيا، وبينه وبينها كما السماء والأرض، بالإضافة إلى جهل المتكلم بها حد اللامعرفة!

- المعنى في قلب الشاعر

إذا كان كذلك فلماذا لا تُخرجه من فيك كلاماً منطوقاً، يهز السامع أو يطربه أو يحرك فيه شيئاً، بدل أن يبقى مكبوتاً قد يقتل صاحبه في حال أنه ما خرج؟! لا تصلح العبارة لبناء ذوق سليم فكيف والمعنى لا يعلمه هو، وإذا ما شرحه شارح قال: جزء مهم مما قصدتُه ذكره في معرض حديثه، وإذا ناقضه آخر كان الجزء المكمل!

- "علينا أن نقول وعليكم أن تتأوَّلوا"

لو غيرك قالها يا الفرزدق، لهوَّن أمر البحث علينا، وسلَّطْنا عليه كل محسناتنا البديعية، وكل مفرداتنا التركيبية، لكنك أنت.

المتلقي في نظر الفرزدق، يشرح أفكاره وما يجول في خاطره بموروثه اللغوي وما اكتسبه سليقةً من المخالطين، وهذا يندرج فيما اصطلح عليه بالقاعدة النحوية المطاطية، التي تخول للمتلقي -وهو هنا (اللغوي)- البحث والتجوال والتأويل، لما يقوله الكاتب، غير أن استخداماتها -أعني مقولة الفرزدق- في أيامنا هذه، تندرج تحت التهرب من الغوص في غمار النص المجرد الذي يكتبه صاحبه دون لون أو طعم أو رائحة.

- "هُمْ رجالٌ ونحنُ رجال"

المقولة للإمام أبي حنيفةَ النعمان، ورغم أنها في الفقه قيلت في مناسبة خاصة، فإن بعضَ من يُحسبون على العربية -وهم منها براء- يستخدمونها لإثبات علو كعبهم ومقارنتهم ومقاربتهم.

فالمعنى عندهم بلاء، والبلاغة عرجاء، واللغة سوداء، وهم أنفسهم في أحيان كثيرة لا يعيشون النص، ولا يتحسسونه؛ بل يدورون بعيداً ًعنه؛ لأنهم بعيدون عن اللغة الأم، أعني تراثها المعرفي والأدبي على وجه الخصوص.

"المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير". (الجاحظ)

تعليقي: الذائقة الأدبية الحالية أصابها الوهن، أو أكلها الذئب ونحن عنها غافلون، حيث لا يمتلك الكاتب رصيداً من المطالعة إلا الشكلية منها، ولو سألته عن الكامل والعوامل وغيرها لولَّى مستكبراً كأن لم يسمعها أو يرها!

مع اعتذاري للجاحظ والنعمان والفرزدق.

- بين هذا وذاك

اخترت نصَّين من شعر يُصطلح عليه بالشعبي وآخر فصيح:

(نص من الشعر الشعبي)

يا دنيتي ليه أنا حالي غريب؟

القلب يشكي جروح من دون أسباب

أجلس وفي قلبي طعون وتغريب

والعين كلّ الوقت تبكي‏ من الأحباب

يا دنيتي تكفين لاصرت عايش

طول عمري بتعذيب

فالموت أرحم من زمن ما به أحباب...

(نص من الشعر الفصيح) النص لمالك بن الريب:

فيا صاحبَيْ رحلي دنا الموتُ فانزِلا

برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا

أقِيمَا عليَّ اليوم أو بعضَ ليلة

ولا تُعجلاني قد تَبيَّن شانِيا

وقُومَا إذا ما استلَّ روحي فهيِّئا

لِيَ السِّدْرَ والأكفانَ عند فَنائيا

وخُطَّا بأطراف الأسنّة مضجَعي

ورُدّا على عينيَّ فَضْلَ رِدائيا

ولا تحسداني باركَ اللهُ فيكما

من الأرض ذات العرض أن تُوسِعا ليا

خذاني فجرّاني بثوبي إليكما

فقد كنتُ قبل اليوم صَعْباً قِياديا

أخشى أخيراً.. أن يُولد جيل لا يعرف من العربية إلا حروفها، مضيِّعاً تراكيبها وصورها، وبعدها نردِّد وتردِّد:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا

ليوم كريهةٍ وسداد ثغر