البراغماتية الإيرانية واللعب على حبال السياسة

لم يظهر نظام براغماتي في التاريخ المعاصر ومن دول العالم الثالث مثل إيران، في الوقت الذي اختلف الكثير من الباحثين والسياسيين والمتابعين في بداية ظهور النظام الإيراني عام 1979 عندما استولى الخميني على الحكم من الشاه الإيراني.

فإيران دولة فارسية ودولة شيعية ودولة إسلامية وقومية ودولة ملالي ودولة مخابرات ودولة سياسة ومليشيات ودولة كهنوتية ودولة لا دينية، إيران عدو أمريكا وحليفها وعدو "الكيان الصهيوني" وحليفه، وإيران صديقة العرب وعدوهم! تتبنى الشيعة وتقاتل بهم أوطانهم خدمةً لمشروعها التوسعي ضد أهل السنّة، إيران تدعم "داعش" و"القاعدة" ضد الشيعة وتحاربهم في الوقت نفسه!

إيران موجودة في الشرق وبالغرب، وموجودة في آسيا وأفريقيا، وأينما توجد "القاعدة" وقوى التطرف تجد إيران موجودة.

إيران شقَّت الصف العربي وانتقلت الى الوحدة الخليجية ومزَّقتها بحجة وجود طرف منهم حليفها والطرف الآخر عدوها، وإيران باقية دولة موحدة وتتمدد على حساب الجميع.

إيران تقاتل الجميع، لكن ليس بجنودها؛ بل تقاتل كل بلد بشعبه وبطوائفه.

اقرأ أيضاً:

الثيوقراطية تعود من جديد

عندما دخل العراق حرباً مع إيران عام 1980، انقسم العرب؛ فمنهم داعم لإيران ومنهم داعم للعراق، بحيث استطاعت أن تحصل على صواريخ أرض/أرض من أحد الأنظمة العربية وتضرب به مدرسة بلاط الشهداء في بغداد، وفي الوقت نفسه عجزت عن الحصول على هذه الصواريخ من روسيا، الدولة المصنّعة. كما انقسمت الجماعات الإسلامية وتباينت مواقفها في هذه الحرب؛ فمنهم داعم للعراق، ومنهم داعم لإيران، ومنهم التزم الصمت بحجة أنها فتنة.

إيران حرّضت أمريكا وأوروبا وروسيا ضد المسلمين في الوقت الذي تدّعي فيه عداءها للإمبريالية الأمريكية والشيوعية الروسية! فكانت حليفاً لهم في احتلال أفغانستان والعراق من قِبل أمريكا، والأكثر دهاءً أن إيران تقاتل في العراق تحت مظلة الطيران الأمريكي، وتقاتل في سوريا تحت مظلة الطيران الروسي، فهي حليف لخصمين دوليين وتستغلهما بمشروعها التوسعي في الوقت الذي تتمسك فيه بإسلاميتها!

إيران تحالف "الكيان الصهيوني" وتدعم "حماس" ضده، وإيران تضرب الإخوان باليمن وتُحالفهم في فلسطين، وتحارب السلفية وتدعم "القاعدة" و"داعش"! إيران ترعى طرفي السلفية المتشددة؛ الجامية والمدخلية، في آن واحد، والعراق أنموذج، فهي تدعم المفتي العراقي الجامي وتدعم البغدادي.

كل هذا وأكثر بكثير تقوم به إيران، وما زال البعض يعتبر النظام الإيراني نظاماً دينياً متخلفاً ومتصلباً.

إيران احتلت أربع عواصم عربية بمباركة أمريكية، وما زال نظامنا العربي حليفاً لأمريكا ويدفع لها الجزية!

إيران صنعت لها لوبي في أمريكا يخدم مصالحها ويدفع عنها الشرور، ولوبياتنا في أمريكا تعمل ضد بلادها وشعوبها وتحرّض عليهما، إيران دولة مسلمة ولا يُسمح للمسلمين فيها ببناء مسجد، في الوقت الذي تعادي فيه اليهود، ومعابدهم عامرة فيها!

إيران وظّفت الكتّاب العرب من القوميين واليساريين خدمةً لمشروعها، وجعلتهم يغردون بما تريد، وأصبحوا وبالاً على شعوبهم، إيران البخيلة على شعبها وتقتّر عليهم بالمال تجدها تدعم حلفاءها في الخارج بسخاء وكرم تنافس فيه حاتم الطائي!

إيران لا تعمد على وسيلة واحدة في التعامل مع الدول والشعوب ففي الدولة التي يوجد فيها الشيعة تحرك ملاليها وحوزتها عليهم وفي الدول الخالية من الشيعة تحرك عليهم مخابراتها!.

هكذا هي السياسة الإيرانية، براغماتية بدرجة امتياز، ترتدي كل ثوب وعباءة خدمةً لمصلحتها ومشروعها، وتنزع كل ثوب لا يخدم مصالحها.

أما نحن، فلا نعرف أن نعادي، ولا نعرف أن نصالح، ليس لنا مبدأ ولا نتعامل ببراغماتية، نتقن عداء الشعوب ونحْسن التطبيع مع العدو، نأخذ الجزية من الشعوب ونعطيها للعدو، وأسوأ ما فينا أننا لا نعلم ولا نتعلم!

وينطبق علينا القول المشهور "لا يدري ويدري أنه يدري".