"سوتشي".. محطة جديدة لتسليم حل الأزمة السورية لروسيا

يعيش المسار السوري مرحلة استثنائية جديدة بإعلان روسيا عقد مؤتمر "سوتشي" في 29 و30 من الشهر المقبل، بعد فشل الجولة الأخيرة من ​مفاوضات جنيف​، والتي أظهرت تعنّتاً كبيراً من جانب النظام السوري، في ظل تمسّك المعارضة بالانتقال السياسي وبإسقاط نظام الأسد كبوابة لحل الأزمة.

الخارجية الروسية أكدت أن العمل يجري على قدم وساق لإعداد قائمة المشاركين في المؤتمر الذي أطلقت عليه اسم "الحوار الوطني السوري"، نهاية يناير المقبل، بحسب ما أفادت وسائل إعلام روسية.

وحددت الخارجية الروسية سقف مشاركة المعارضة في المؤتمر بالتخلّي عن فكرة رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السلطة، مشيرة إلى أن "روسيا لن تسمح باستخدام ساحة سوتشي من أجل رفع شعارات حول عدم قبول بقاء الأسد في السلطة؛ لأن ذلك سوف يؤكد رغبة المعارضة في استمرار النزاع المسلح".

وأظهر النظام تعنّتاً كبيراً خلال مفاوضات جنيف التي عُقدت مطلع ديسمبر 2017، وأصرّ على استكمال البحث بملف ​محاربة الإرهاب​، ورفضه الخوض في أي نقاش جدّي بموضوع الحل السياسي حتى سحب المعارضة "شروطها المسبقة".

وتسعى روسيا من خلال المؤتمر إلى تعديل الدستور الحالي والتمهيد لانتخابات جديدة، وفق مصالحها ورؤيتها، وإعلان قيادة أو مجلس للمؤتمر.

ورأى مراقبون أن فشل الجولة الأخيرة من جنيف يفتح الباب أمام عقد مؤتمر سوتشي لبحثها عن شرعنته تحت مظلة دولية.

اقرأ أيضاً :

إنفوجرافيك.. بنود اتفاقية رهن الأسد سوريا لروسيا مدة 49 عاماً

- التفاف

وسائل إعلام تحدثت عن أن الجانب الروسي قدم قائمة بـ 1490 شخصاً للمشاركة في مؤتمر سوتشي، إلا أن المعلومات تضاربت حول ورود اسم 23 ممثلاً عن ​الأكراد​ لحضور المؤتمر، وحتى الآن لم يُعرف ما إذا كانت أنقرة وافقت عليهم أم لا.

ولا تعوّل المعارضة السورية على ما تُعدّ له ​روسيا​ في سوتشي، خاصة أنّها تخطّط لتوجيه الدعوة إلى المئات من الأشخاص، ما يؤكد أنّها غير جديّة في تعاطيها مع الموضوع.

وفي بيان لها، الثلاثاء 26 ديسمبر، رفضت المعارضة السورية المؤتمر، قائلة إن موسكو تسعى للالتفاف على عملية السلام التي تجرى في جنيف برعاية الأمم المتحدة، متهمة إياها بارتكاب جرائم حرب في سوريا.

وجاء في بيان لنحو 40 جماعة، بينها بعض الفصائل العسكرية التي شاركت في جولات سابقة من محادثات السلام في جنيف، أن موسكو لا تمارس ضغوطاً على النظام السوري للتوصّل إلى تسوية سياسية.

ووصف البيان روسيا بأنها "دولة معادية ارتكبت جرائم حرب ضد السوريين، وساندت النظام عسكرياً، ودافعت عن سياساته، وظلّت على مدى 7 سنوات تحول دون إدانة الأمم المتحدة لنظام الأسد".

الدكتور باسل الحاج جاسم، الخبير في الشؤون الدولية والمتابع لمسار مفاوضات أستانة، أكد أن "سوتشي محطة من بين المحطات التي يمرّ بها مسار معاناة السوريين، وموسكو منذ فترة ليست بالقصيرة تمتلك الكلمة العليا في الملف السوري"، لافتاً إلى أن "وجود المؤتمر المرتقب في سوتشي أو حتى في أي مكان آخر لن يغيّر كثيراً من المعادلة، على الأقل في المدى المنظور".

ولفت الحاج جاسم، في حديث لـ "الخليج أونلاين"، إلى أنه "سواء عُقد المؤتمر في روسيا أو في أي مكان آخر فهذا لن يؤثر في حقيقة من يمتلك زمام الأمور أكثر من غيره"، موضحاً أن "المشكلة ليست في روسيا بقدر ما هي في تشتّت المعارضة وانقسامها، وغياب رؤية واضحة محددة تمثّل حقيقة الشعب السوري الذي طالب بإصلاحات ورفض الاستبداد، ليجد نفسه أمام أطراف لا طاقة له بمواجهتها".

- سوتشي بدل جنيف

وحصلت روسيا، التي ظهرت باعتبارها الطرف المهيمن في سوريا بعد تدخّل عسكري كبير منذ نحو عامين، على دعم من تركيا وإيران لعقد مؤتمر سوتشي.

لكن الكثير من المراقبين يخشون أن يكون المؤتمر أشبه بإعلان رسمي لانتقال الملفّ السوري كلياً إلى كنف موسكو بعد تخلّي واشنطن عنه، كما ستكون دعاية كبيرة للروس تُظهرهم كطرف قادر على التعاطي مع كل الأطراف السوريّة وعلى جمعها تحت قبّة واحدة.

اقرأ أيضاً :

مسؤول أممي: الأسد يستخدم إجلاء أطفال الغوطة وسيلة للمساومة

وبعد أن كانت قوى المعارضة حاسمة بموقفها في وقت سابق برفضها بالمطلق المشاركة في سوتشي، بدأت المؤشرات تدل على ليونة في موقفها مع ترجيح فرضيّة مشاركة مجموعات كبيرة منها في المؤتمر، في ظل عدم اكتراث من جانب واشنطن.

ويتوقع مراقبون أن يعطي مؤتمر سوتشي دفعاً لمسار سياسي جديد بعيداً عن جنيف، في ظل وجود تفاهم دولي على أن يجري التوقيع النهائي والرسمي على أي اتفاق بين المعارضة والنظام تحت قبّة جنيف وبرعاية ​الأمم المتحدة​.

ووسط الخشية من تجاوز سوتشي لمسار مؤتمر جنيف، بيّن الحاج جاسم أنه "لا أحد قادر على تجاوزه حتى اليوم، كما أنها باتت تشكّل عقدة في ظل عدم وجود إرادة دولية حقيقية لإيجاد حل سوري".

وتابع أنه "حتى اللحظة لا يوجد تصوّر واضح لهذا المؤتمر أو المنتدى في سوتشي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العدد الضخم للمدعوين إليه"، مضيفاً أنه "قد يكون لجولة واحدة أو اثنتين، وعند بداية محادثات أستانة أيضاً كان هناك شكوك من جعلها بديلة من جنيف، إلا أن ذلك لم يحدث، وما حققته أستانة في أشهر لم تحققه جنيف في سنوات، وقد تكون سوتشي نسخة سياسية لأستانة".

وعلى مدار العام 2017، نجحت اجتماعات أستانة في التمهيد لبدء وقف إطلاق نار بسوريا بداية السنة، من خلال 8 جولات، أبرزها في مايو الماضي، عندما اتُّفق في الجولة الخامسة على مناطق "خفض التوتّر"، التي تم إقرار آخرها منتصف سبتمبر الماضي في الجولة السادسة، بالتوافق على حدود منطقة خفض التوتّر في محافظة إدلب (شمال).

وقال الكرملين، السبت 23 ديسمبر، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، يأملان أن تمهد محادثات السلام السورية في أستانة الطريق لعقد مؤتمر سوتشي.

وقال المفاوض الروسي ألكسندر لافرينتييف، لوكالة "سبوتينك"، إنه ينبغي تقييم خطة روسيا لعقد مؤتمر سوتشي الشهر المقبل من حيث قدرته على دعم محادثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء الحرب في سوريا، مشيراً إلى أنه "حان الوقت لإحراز تقدّم في العملية السياسية".

لكنه استبعد إمكان التوصّل إلى تسوية سياسية في جولة محادثات جديدة في جنيف يُؤمَّل أن تعقد في النصف الثاني من يناير المقبل.