الدولة والمجتمع غائبان.. وأطفال مصر يعانون فقراً متعدد الأبعاد

لم يشفع لهم صغر سنّهم وحداثة عهدهم بالحياة في تجنّب أوضاع متدنّية يعيشها المصريّون على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ أشار تقرير مشترك أصدره صندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، ووزارة التضامن الاجتماعي المصرية، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن "3 من كل 10 أطفال بمصر يعانون من فقر متعدّد الأبعاد".

وحدّد التقرير، الذي صدر في 17 ديسمبر 2017، ثمانية أبعاد لقياس شدة الفقر؛ وهي "التعليم، والحماية، وإمكانية الحصول على المياه، وإمكانية الحصول على خدمات الصرف الصحي، وظروف المسكن، والصحة، والتغذية، وإمكانية الحصول على المعلومات"، مشدداً على أن هناك 10 ملايين طفل مصري محرومون بشدة من واحد أو اثنين من هذه الأبعاد.

ولم يظهر التقرير فرقاً واسعاً بين ما يعانيه الأطفال بصعيد مصر ووجهها البحري، فوفق التقرير يعيش 31.2%‏ من هؤلاء الأطفال بمحافظات الوجه البحري، ويتواجد 31.8%‏ منهم بمحافظات الوجه القبلي، كما يتواجد 28.6%‏ بالمحافظات الحدودية.

كما بيّن أن الأطفال دون 5 أعوام هم الأكثر حرماناً بين جميع الأطفال؛ فبلغت نسبة الذين يعانون من فقر متعدّد الأبعاد بين الأطفال بالفئة العمرية (0 إلى 4 سنوات) 37%، وأن نسبة هذه الفئة العمرية بين جميع الأطفال الذين يعانون الفقر المتعدد الأبعاد 41.2%.

وأرجع التقرير ارتفاع هذه النسبة بين الأطفال دون 5 سنوات إلى "التعرّض للعنف الجسدي وسوء التغذية، وعدم الحصول على الخدمات الصحية".

اقرأ أيضاً :

السيسي يخفق بشأن وعود "شبكة الطرق".. والحوادث تقتل الآلاف

التقرير لفت أيضاً إلى أن نسبة الفقر متعدّد الأبعاد بلغت بين الأطفال من عمر 5 إلى 11 سنة 27.2%، و23.8% بين الأطفال البالغ أعمارهم 12 إلى 17 سنة، وأشار إلى أن 4 من 10 أطفال تعرّضوا للعقاب البدنيّ العنيف من أسرهم.

وأرجع مختصّون الفقر المتعدّد الأبعاد الذي يعانيه الأطفال بمصر إلى فشل الدولة والمجتمع وعدم قيامهم بالأدوار المنوطة بهم، وشدّد البعض منهم على ضرورة الحدّ من الإنجاب لمواجهة هذه المشكلات.

- الانفجار السكاني هو السبب

من جانبه أشار أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، سعيد صادق، إلى أن الأرقام والإحصاءات التي أُعلن عنها حقيقية، وربما أقل من الواقع الذي يعانيه الأطفال بمصر.

وقال في حديثه لـ "الخليج أونلاين": "مصر تعيش حالة مأساوية بسبب الانفجار السكاني، فالسبب الرئيس لهذه الأزمة هو الانفجار السكاني؛ إذ يولد بمصر 2.6 مليون طفل سنوياً".

وأشار صادق إلى أن الأسر التي تُنجب أطفالاً أكثر لا ينظرون للتكلفة الاقتصادية ومدى استطاعتهم أن يُوفّروا لهؤلاء الأطفال حياة كريمة، فينجبون دون حساب ويتعرّض الأطفال للحرمان.

وبيّن أن "الانفجار السكاني تسبّبه الطبقة الدنيا بالمجتمع، التي تعاني من الفقر والأميّة، ويعيشون بالريف"، موضحاً أن "الريف يعيش به 52% من المصريين، وبه النسب العليا من الأمّية".

أستاذ علم الاجتماع ألمح إلى أن "أسوأ ما يعانيه الأطفال هو عدم التغذية والتسرّب من التعليم؛ فـ 30% من المصريين أمّيّون، وأغلبهم إناث".

وتساءل: "هناك أزمة اقتصادية تعيشها مصر، وأزمة بمياه الشرب، التي لم تزد حصّة مصر منها منذ القدم، فكيف سيعيش هؤلاء الأطفال حياة كريمة؟".

وذهب صادق للقول بأنه "في حال أنجبت الأسر عدداً محدوداً من الأطفال، لا يزيد عن طفلين، سيكون الاهتمام بهم كبيراً"، لافتاً إلى أن الدولة لم تستطع أن تقف أمام تلك المشكلة وتقدّم حلولاً واقعية لها.

كما شدد على ضرورة الحدّ من الإنجاب لوضع حدٍّ لما يعانيه الأطفال بمصر حالياً، ومنع زواج الأمّيّين، وتقديم شهادات تعليم أو شهادة محو الأمية قبل الزواج، وكذلك رفع الدعم عن الأسر التي تنجب أكثر من 3 أطفال، وعمل مكتبات متنقّله لنشر ثقافة الحدّ من الإنجاب وعدم إنجاب أكثر من طفلين.

- لا يوجد دولة ولا مجتمع

أستاذ الطب النفسي، أحمد عبد الله، أكّد أن الإنجاب وتربية الأطفال ورعايتهم يحتاج إلى بنية تحتية، تحدث من خلال مجتمع متماسك يقوم بوظائفه وشؤونه، أو توفّرها الدولة، أو من خلال الاثنين معاً.

وفي حديثه لـ "الخليج أونلاين" ذهب لتأكيد أنّه في مصر لا يوجد دولة ولا مجتمع؛ فخدمات الدولة مهترئة متهالكة وتعاني من مشكلات.

وأكّد عبد الله أن المجتمع كان قديماً يعاني من ضعف وكان مفكّكاً، أما الآن فهو لا يُقدّم شيئاً، والجميع يحاول أن يتعايش وفق ظروفه الخاصة.

وتابع: "القاعدة القديمة التي تقول إن الأسرة هي التي تربّي أبناءها خاطئة؛ فلا بد من وجود مناخ وبنية تحتية توفّرها الدولة والمجتمع، وحيثما لا توجد دولة ولا مجتمع فالإنجاب جريمة مكتملة الأركان".

وطرح أستاذ الطب النفسي تساؤلاً: "أين وكيف ستتم تربية الأطفال المصريين؟"، مشيراً إلى أنه "في ظل هذه الظروف سيستمرّ الأطفال بالعيش في فقر ومرض، ويستمرّ الوضع كما هو عليه والأزمة في التفاقم".

- مصر في القاع

وشدد على أن هؤلاء الأطفال لن يستطيعوا تقديم شيء للمجتمع، وسيعيشون كغيرهم دون هدف أو إنجاز، قائلاً: "فأنا لا أجد مجتمعاً كي يقوموا ببنائه؛ فمصر كلها أصبحت في القاع، وبعدما كان الصعيد يعاني وحده من الإهمال والتهميش نجد أن النسب التي أعلنها التقرير مساوية تقريباً بين الوجه البحري والقبلي".

عبد الله ذهب لتأكيد أن "حل المشكلة يتم عن طريق المجتمع والدولة، وهما الآن غائبان، لذلك تظلّ الأزمة كما هي، فالحلول التي تُقدَّم تُدفن بالرمال وتُلقى في الهواء، ولا تحاول أي جهة تقديم حلول واقعية".

ولفت إلى أن "التوقّف عن الإنجاب يعتبر حلاً فردياً لتجنّب الوقوع بتلك المشاكل"، مستنكراً الدعوات الرسمية والحملات التي تقوم بها الدولة للحدّ من الإنجاب، بقوله: "الدولة فاشلة وتحاول التغطية على هذا الفشل بوقف الإنجاب".

وتابع أستاذ الطب النفسي: "البعض يحاول البحث عن الهجرة أو السفر للخارج للبحث عن مجتمع أفضل ويُقدّر قيمة هؤلاء الأطفال".

- الفقر وتدهور الاقتصاد

في السياق ذاته لفت رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين، أحمد مصيلحي، إلى أنه في السنوات القليلة الماضية ظهرت بمصر كوارث التعدّي على حقوق الأطفال بشكل شرس؛ كالقتل والاعتداء الجنسي.

ولفت في حديثه لـ "الخليج أونلاين" إلى أن نسبة التعدّي على الأطفال الذكور بلغت 51% مقارنة بالأطفال الإناث، مشيراً إلى انتشار بيع المخدرات، والهجرة غير الشرعية، وتجاره الأعضاء، وانتشار ظاهرة خطف الأطفال.

وأرجع مصيلحي الكوارث التي يعانيها الأطفال بمصر إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والفقر، قائلاً: "كل المجرمين الذين يرتكبون جرائم يعانون من فقر مدقع وضياع، فالفقر حوّل الفرد الطبيعي إلى مجرم".

وتابع: "قديماً كان الصعيد أكثر فقراً من الوجه البحري، الآن باتت ظروفهم متساوية وتقاربت نسبة الفقر بينهم، كما أن الطبقة الفقيرة بالمجتمع أصبحت واسعة جداً، وأكثر من 35% من المصريين تحت خط الفقر".

كما أشار رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال بنقابة المحامين إلى أن "مجّانية التعليم والصحة باتت بمقابل، ويدفع المواطنون مقابل الحصول على الخدمات؛ إن لم يكن تذاكر فرشاوى، لتسهيل الحصول على الخدمات المجّانية".

ولفت إلى أنه في حال عدم حصول الأطفال على حقوقهم الأساسية؛ كالحق في السكن والغذاء والتعليم والصحة، فإنهم يدخلون في حيّز الفقر، متابعاً: "كما أن ازدياد شريحة الأطفال العاملين والتسرّب من التعليم تؤكّد أن هناك فقراً".

- الحصول على الحق رفاهية

وأوضح مصيلحي أن "المعايير الأساسية التي يجب أن تتوفّر للطفل، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، والحق في الحماية، غير موجودة بمصر؛ فهي نوع من الرفاهية".

وألمح إلى أن المشروعات الاقتصادية التي تُعلن عنها الدولة لا تصلح للمجتمع المصري؛ فالحل يكمن في الاستفادة من القوة البشرية، مشيراً إلى أن المشكلة تكمن في السياسيات واستراتيجية الدولة".

وشدّد مصيلحي على ضرورة وضع الدولة سياسة لحماية الطفل والاهتمام به، وتطوير الاقتصاد عن طريق الزراعة والتصنيع، مؤكداً أن "مصر سيحدث لها انفجار في حال استمرّت بتلك السياسة".

كما ذهب لتأكيد أن تعمل الدولة جنباً إلى جنب مع المجتمع المدني لمواجهة هذه المشكلات؛ مشيراً إلى أن نتيجة عمل المجتمع المدني على الأرض صفر، فجهده لا يُرى وأحياناً يتم تعطيله.