القيمة القانونية لقرار الجمعية العامة بخصوص القدس

وقع بعض الكتاب في عدم دقة التقويم في مسألة قرار (الاتحاد من أجل السلام uniting for peace)، سواء بالتهوين والتقليل من الأهمية حيناً، أو التضخيم والتهويل حيناً آخر، حيث أفتى بعضهم بعدم إلزامية القرار للدول، وقللوا من أهميته، في حين أدلى آخرون بآراء أعطت القرار قوة مبالغاً فيها. فما الصواب وغير الصواب في ذلك؟

كثر الحديث عن هذا الموضوع قبل تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس 2017/12/21، بخصوص قرار ترمب بشأن القدس، وازداد الأمر تبايناً بعد التصويت الكبير الذي حظي به قرار الجمعية العامة رقم(A/ES-10/L.22) ؛ حيث صوتت 128 دولة تأييداً للقرار، في حين عارضته 9 دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت، ومما زاد في حدة التباين في وجهات النظر هو عدم الإلمام الكافي بطبيعة قرار "الاتحاد من أجل السلام"، ولذلك أراد الكاتب الوقوف على ما يصح وما لايصح من هذه الآراء والملابسات.

- ظروف إصدار قرار الاتحاد من أجل السلام

قرار (الاتحاد من أجل السلام (uniting for peace رقم (377 -د5) هو قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد صدر القرار بخصوص الحرب الكورية عام 1950م، وذلك أنه عندما قامت كوريا الشمالية بالهجوم على كوريا الجنوبية حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التدخل لمصلحة كوريا الجنوبية بإصدار قرار من مجلس الأمن لإرسال قوات تحت مظلة الأمم المتحدة للوقوف إلى جانب كوريا الجنوبية، عندها قام الاتحاد السوفييتي آنذاك باستخدام حق النقض "الفيتو" لمنع اتخاذ القرار، فقامت الولايات المتحدة الأمريكية بالذهاب إلى الجمعية العامة، وبالفعل فقد دعت الدول الغربية إلى عقد دورة استثنائية خاصة بالجمعية العامة عام 1950 تحت عنوان "الاتحاد من أجل السلام" تم فيها اتخاذ القرار (377) (د-5) بتاريخ 3/11/1950، حيث صوتت 52 دولة مع القرار، و5 دول ضده، في حين امتنعت دولتان عن التصويت.

- نص قرار الاتحاد من أجل السلام (377 – د5)

بالرجوع إلى نص القرار (377 – د5) فقد جاء فيه: "إذا لم يتمكن مجلس الأمن، بسبب عدم إجماع أعضائه الدائمين، من مباشرة مسؤوليته الرئيسية في حفظ السلام والأمن الدولي فيما يخص أية حالة يظهر فيها تهديد للسلم، أو إخلال بالسلم، أو وقوع عمل من أعمال العدوان، تنظر الجمعية العامة في المسألة على الفور بهدف تقديم توصيات مناسبة إلى الأعضاء من أجل اتخاذ تدابير جماعية، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة في حالة الإخلال بالسلم، أو وقع عمل من أعمال العدوان، وذلك لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه".

- حالات أخرى طُبِّق فيها القرار:

1- كما تم اللجوء إليه أيضاً إبان العدوان الثلاثي على مصر 1956، فقد لعب قرار الجمعية العامة رقم (377) فقد صدرت عدة قرارات لهذه الجمعية تدين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على عدوانهم على مصر، وتطالبهم بسحب قواتهم العسكرية على الأراضي المصرية.

2- وعندما تدخل حلف وارسو في هنغاريا 1958 أيضاً تم تفعيل قرار الجمعية العامة إثر تدخل قوات حلف وارسو بزعامة الاتحاد السوفييتي في هنغاريا عام 1956.

3- أزمة الكونغو سنة 1960، وأزمة تأسيس دولة بنغلادش سنة 1971، ومشكلة أفغانستان سنة 1980، ومشكلة ناميبيا سنة 1981.

- تحليل القرار الخاص بالقدس

1. القرار يتكون من مقدمة، أو ديباجة، وأربعة نقاط، النقطة الرابعة هي مسألة إجرائية تتعلق بانعقاد الجلسة الطارئة، والنقاط ذوات العلاقة بموضوع القدس هي الثلاث الأولى.

2. يلاحظ أن النقطتان الأولى والثانية فيهما خطاب واضح موجه للدول، أما النقطة الثالثة فمبنية للمجهول، ويفهم منها ما هو موجه لدولة الاحتلال وما هو موجه للمجتمع الدولي.

3. يبقى صلب الموضوع محصوراً في النقطتين الأولى والثانية، ولكن الملاحظ أن النقطة الأولى هي الدعوة لامتناع عن فعل وليس تنفيذاً، "وتدعو في هذا الصدد جميع الدول إلى الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية"، وكذلك النقطة الثانية: "وبعدم الاعتراف بأية إجراءات" باستثناء مطلعها الذي طالب الدول "الامتثال لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقدس"، وهي عبارة عامة لم تطلب تنفيذ فعل محدد.

- أهمية القرار

1. أكدت الجمعية العامة في قرارها الذي حمل رقم (A/ES-10/L.22) على أن أي تغيير في طابع مدينة القدس أو تكوينها الديمغرافي ليس له أي أثر قانوني، وهو لاغ وباطل، ويتعين على الدول امتثالاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة أن تمتنع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في مدينة القدس، ومن ثم وبموجب هذا القرار يعد قرار ترامب حول القدس أو أية قرارات أحادية أخرى من أي جهة كانت باطلة ولاغية وليس لها أي صفة قانونية.

2. وحتى لو لم تلتزم الولايات المتحدة بتنفيذ القرار فإنه يثبت الحق الفلسطيني ويبين بطلان القرار الأمريكي، وأنه يضرب القانون الدولي عرض الحائط، ومن ثم يعري الموقف الأمريكي تماماً أمام المجتمع الدولي، والقرار على أقل تقدير يقر بحقوق يمكن الاستفادة منها في المستقبل في حال تغير موازين القوى الدولية والتي هي تتغير باستمرار.

3. ولأن القرار تم اتخاذه تطبيقاً لقرار "الاتحاد من أجل السلام"، والذي يتيح استخدام الوسائل، ومن ضمنها القوة العسكرية، فهذا يعني أن القرار الجديد بخصوص القدس يمكن البناء عليه يوماً ما لاستخدام القوة العسكرية لتنفيذه لو توفرت الإرادة السياسية للدول، أو لتحريك المقاضاة الدولية لدولة الاحتلال وكل من انتهك القانون الدولي.

- الإلزام وعدم الإلزام

أما بخصوص الإلزام من عدمه، فمسألة الإلزام في القانون الدولي ليست كمثل الإلزام في القوانين الوطنية، فمن المعلوم أن الدول-كأحد أهم أشخاص القانون الدولي- هم أشخاص ذوو سيادة، مما يجعل فكرة الإلزام مختلفة في ظروفها وتكييفها عما يكون في القوانين الوطنية، أما إذا كان المقصود هنا استخدام القوة العسكرية المسلحة كإجراء جماعي تحت مظلة الأمم المتحدة، فهذا أمر وارد وتم تضمينه في القرار (377) الذي أعطى الجمعية العامة الحق في استخدام القوة ضمن الفصل السابع، ولكن الأمر مرتبط بالإرادة السياسية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تبنت القرار ودعمته.

ثم لنا أن نسأل: ما هو الإلزام بخصوص قرارات مجلس الأمن؟ أليست ملزمة بشكل قطعي ولا خلاف على ذلك؟ ومن ثم فما دامت ملزمة فلماذا لم تنفذ عشرات القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية؛ على سبيل المثال قرار (242)؟!

إذن يجب التفريق هنا بين القيمة القانونية للقرار وبين تنفيذه على أرض الواقع، والسؤال هنا الآن: هل هذه الدول (المؤيدة للقرار) على استعداد لاتخاذ إجراءات ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل إذا لم تستجب للقرارات الدولية؟ والجواب معروف للجميع.

- القيمة القانونية للقرار

1. إن مثل هذه القرارات من الجمعية العامة التي تندرج تحت القرار متحدون لأجل السلام تختلف عن بقية القرارات الأخرى التي تتخذها الجمعية من حيث أنها تقوم بالصلاحيات الممنوحة في الفصل السابع، ومن ضمن ذلك استخدام القوة العسكرية.

2. لكن في المقابل يجب التنبيه أيضاً إلى أن القرار نص على توصيات وليس على "طلب" أو "تفويض" للدول باستخدام القوة، مع التأكيد أنها توصيات تسمح للدول بالتدخل العسكري لبسط الأمن والسلم الدوليين، أو إعادة الأمور لنصابها، ولكن ذلك بالقطع دون مستوى قرارات مجلس الأمن بالتدخل، واتخاذ الإجراءات اللازمة.

3. وعلى الرغم من ذلك يمكن القول إنه يبقى في متناول المجتمع الدولي وسيلة قانونية وعملية، في حال أخفق مجلس الأمن عن أداء مهامه، وتلك الوسيلة قد سبق استخدامها واللجوء إليها عدة مرات، وهي قرار "الاتحاد من أجل السلام"، لسد الفراغ الناشئ عن عجز مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين، ولكن بشرط أن تتوافر الإرادة السياسية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

- الخلاصة

خلاصة القول أن القرار جاء بأغلبية كبيرة قاربت الثلثين وهي قوة كبيرة من الناحية القانونية، ويمكن تصنيف القرار بأنه ليس كأي قرارات عادية تتخذها الجمعية العامة لكونه يعتمد على قرار "الاتحاد من أجل السلام"، ولكنه لا يصل إلى قوة قرار صادر عن مجلس الأمن بموجب الصلاحيات الممنوحة لمجلس الأمن في ميثاق الأمم المتحدة، أما موضوع الإلزام من عدمه فالقرار صدَّر توصيات تتيح للدول إن أرادت الاستناد إليه وتحمل التبعات أن تستخدم القوة العسكرية، وهذا أمر متوقف على الإرادة السياسية للدول، والتي هي في المنظور الحالي غير متوفرة، والقراران يبطلان القرار الأمريكي بخصوص القدس، ويؤكد الطابع الخاص بمدينة القدس، ويعد كل من يخالفه منتهكاً للقانون الدولي، وكل الإجراءات التي تتخذ بالمخالفة لهذا القرار تعد باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.