• العبارة بالضبط

"أصميد".. وحش يُفزع سكان الجبال بالمغرب ويستنفر السلطات

في كل موسم شتاء ترتجف قلوب ساكنة الجبال بالمغرب فزعاً من وحش يتسلّل في صمت مخترقاً جدران منازلهم المهترئة، مُتصيداً ماشيتهم وأبناءهم، ومهدداً حياتهم. وحشٌ يلتحف بياض الثلج، يقطع الطريق ويحاصر أنشطة السكان، بل يجمّدها.

إنه البرد القارس، أو "أصميد"، كما يُطلق عليه باللغة الأمازيغية، لسان أغلب ساكني الجبال بالمغرب، إذ يأتي "قاسياً" كل سنة، ويزيد من قساوته هشاشة البنية التحتية، و"فقر" الأسر المغربية هناك.

وتعمل السلطات المغربية، بتعليمات من العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في كل سنة على استنفار السلطات المحلية والأطقم الطبية لمواجهة موجة البرد القارس في أعالي الجبال المغربية، في حين تنظّم الجمعيات المدنية قوافل لتقديم المساعدات للأسر هناك.

- تعليمات ملكية

وفي ظل هذا الوضع، يُصدر العاهل المغربي تعليماته بكل سنة لكافة السلطات المعنيّة لاستنفار مصالحها لمواجهة تداعيات موجات الثلج، خصوصاً في المناطق البعيدة.

وتنفيذاً لهذه التعليمات، عقد وزير الداخلية المغربي، عبد الوافي لفتيت، السبت، لقاءً ضمّ ممثلين عن مختلف القطاعات الحكومية والأمنية المعنيّة.

وبحسب موقع "هسبريس" المغربي (مستقلّ)، فإن لفتيت شدد على أن وزارته "على وعي تام بمتطلّبات المرحلة، وهي على استعداد، بمصالحها المركزية والإقليمية وجميع المصالح المعنيّة؛ من درك ملكي وقوات مساعدة ووقاية مدنية وكل مكونات السلطة المحلية، للقيام بالواجب في تخفيف العبء عن الساكنة، تنفيذاً للتعليمات الملكية السامية"، بحسب قوله.

ولفت إلى جاهزية عملية توزيع المساعدات الغذائية الخاصة بالفئات المستهدفة داخل الأقاليم المحصاة في هذا الشأن، والبالغ عددها 22 إقليماً، موضحاً أن وزارة الداخلية طبّقت، تنفيذاً للتعليمات، مقتضيات المخطط الوطني الشامل، الذي استهدف هذه السنة 205 دواوير تابعة لـ 169 جماعة محلية عبر 22 إقليماً، بمجموع ساكنة يقارب 514 ألف نسمة.

اقرأ أيضاً :

المتربصون بمواكب محمد السادس.. محتاجون ينتهون إلى السجون

من جهته قال وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، عزيز الرباح، إن المكتب الوطني للكهرباء والماء "عبّأ كافة الإمكانيات اللوجيستيكة والبشرية والآليات الضرورية لمواجهة حالات الانقطاع أو الطلب المتزايد على الكهرباء، خصوصاً في هذه الظروف الجوية الحادّة، من خلال فرق تدخّل كبيرة، وتسخير إمكانيات احتياطية، بالإضافة إلى تأمين عددٍ كافٍ من قنينات الغاز المستعملة في التدفئة بالأقاليم المعنيّة بموجة البرد، بتنسيق مع كافة القطاعات الوزارية".

وبالنسبة إلى قطاع الصحة، أبرز وزير الصحة بالنيابة، عبد القادر اعمارة، أنه تم تجهيز 660 طبيباً، وأكثر من 1950 من الممرّضين، ونحو 43 مستشفى، و9 وحدات صحية متنقّلة، وأكثر من 400 سيارة إسعاف، خلال هذه المرحلة.

وأضاف أنه "تمّ، على مستوى التجهيز، استنفار أكثر من 950 آلية لإزاحة الثلوج، بالإضافة إلى التعاقد مع عدد إضافي من سائقي هذه الآليات لتغطية أكثر من 5 آلاف كيلومتر من الطرقات المغطاة بالثلوج، وكذا تفعيل بعض التطبيقات الهاتفية لإرشاد مستعملي الطريق حول الانقطاعات المحتملة".

كما أكدت كاتبة الدولة المكلّفة بالماء، شرفات أفيلال، الحرص على وصل كافة المواطنين بالنشرات الإنذارية الخاصة لاتخاذ الاحتياطات اللازمة.

في حين أشار المندوب السامي للمياه والغابات ومحاربة التصحر، عبد العظيم الحافي، إلى أنه تم توزيع 6300 من الأفرنة المحسّنة سنة 2017. وأضاف أن هذا العدد مرشّح للارتفاع في هذه السنة؛ نظراً لموجة البرد التي تضرب بعض المناطق، مشيراً إلى العمل على تعزيز شبكة توزيع حطب الوقود لتحسين ظروف العيش واقتصاد الطاقة بهذه المناطق.

كما استعرض ممثّلو الدرك الملكي والوقاية المدنية كافة المجهودات والتدابير التي اتُّخذت لمواجهة موجة البرد لتأمين سلامة المواطنين وممتلكاتهم من خلال سيارات وطائرات خاصة، فضلاً عن الموارد البشرية اللازمة، وتوفير عددٍ كافٍ من الأغطية بكافة الجهات المعنية بموجة البرد.

في المقابل، تنظّم عدة منظمات للمجتمع المدني قوافل تضامنية تحمل مساعدات إلى سكان هذه المناطق.

وتحمل الجمعيات المدنية إعانات من قبيل الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، إلى جانب الأغطية والملابس.

- تضاريس وعرة

وللوصول إلى الدواوير (تجمّعات سكنية متفرّقة تضم بضع مئات إلى نحو بضعة آلاف نسمة)، الواقعة في أعالي الجبال المغربية، تلزمك وسائل نقل من نوع خاص، وأيضاً يجب عليك اختيار الوقت بعناية فائقة.

وعند توجّهك نحو واحدة من مناطق ما يُطلق عليه إعلامياً "المغرب العميق"، وذلك في إشارة إلى بعد هذه المناطق وعزلتها، تصادف طريقك علامات ولافتات كتب عليها "انتباه سقوط الأحجار"، "خطر"، "حاجز الثلج"، "منعرجات خطيرة على طول 5 كيلومترات"، والتي تشير إلى خطورة الطريق والمسالك الوعرة التي تعرفها تضاريس المنطقة، إلا أن هذه العبارات تختفي تماماً فيما بعد، وتختفي معها الطريق المعبّدة، لتحلّ مكانها التضاريس الوعرة.

ولا تصل المركبات التقليدية من سيارات عادية أو رباعية الدفع إلى أغلب هذه المناطق، إذ يعمد السكان إلى استعمال الدواب للوصول إلى منازلهم، وهي الرحلة التي قد تستغرق ساعات.

وفي حال نزول الثلج بكثافة، لا يتمكّن أحد من التنقّل، لا بالسيارات، ولا حتى بالدواب أو الأقدام؛ إذ تتعطّل الحياة إلى أن تذوب الثلوج.

وفي هذا الصدد شارك الصحفي عبد الإله الشبل صورة له حين زيارته لواحدة من هذه المناطق، قبل خمس سنوات من اليوم.

وكتب الشبل معلّقاً على صورته: "أثناء عودتي من دوار أغدو صوب قرية أنفكو.. على ظهر هذا البغل وفي مسافة لا تتجاوز 8 كيلومترات قضيتها في أزيد من ساعتين ونصف.. لحظات لن تنسى عما عشته بمناطق محاصرة ومهمشة بالمغرب العميق".

وتشتكي الأسر بعد المدارس عن أبنائهم، إذ يلزم بعضهم قطع ثلاث ساعات من الطريق يومياً على الأقدام بغرض الوصول إلى المدرسة، ثم العودة إلى المنزل في رحلة تستغرق نفس الوقت.

- قصص مؤثرة

ويحتفظ ساكنة هذه المناطق بذكريات "أليمة" لكل فصل شتاء؛ إذ إن الطرق الوعرة أصلاً تزيد من عزلة هذه الدواوير، لتزيدها الثلوج وعورة وخطورة.

وخلال فصل الشتاء، وعند هطول الثلوج، تجد النسوة الحوامل صعوبة في الوصول إلى المستشفيات، لتبقى الأسر أمام خيارين؛ إما المجازفة ونقلها على الأكتاف أو على دابة نحو أقرب طريق سالكة يصل إليها الإسعاف، أو الاقتصار على الطرق التقليدية في توليد النساء بالمنازل، وهو الحل الذي تلجأ إليه أغلب النسوة، إلا أنه يشكّل خطراً على صحتهن وصحة المواليد، خصوصاً أنه يجري في غياب للشروط الصحية الجاري العمل بها في هذه العمليات.

وسبق لجريدة "المساء" المغربية أن نشرت سنة 2015 تحقيقاً بعنوان: "قابلات الجبال.. مولدات تقليديات ينقذن أرواح نساء المناطق المعزولة"، وتحدثت فيه عن معاناة ساكنة هذه المناطق مع الولادة.

وأوردت الجريدة في تحقيقها شهادات لنسوة "أمّيات" يُمارسن مهنة التوليد بـ "البركة"، أي دون أي تكوين أكاديمي مسبق، إحداهن تجاوز عدد حالات الولادة التي أشرفت عليها الـ 6000 حالة.

وقالت هذه المولّدة للجريدة: "حين تكون المرأة في مرحلة المخاض آمرها ببذل جهد أكبر عبر دفع الجنين ليغادر الرحم، وبعدما يخرج أقوم بقطع حبله السري بشفرة حلاقة جديدة، وإن لم تتوفّر أقوم بتعقيم شفرة مستعملة، فأربط الحبل السري بخيط من الصوف، فأنتظر خروج المشيمة، وهي المرحلة الحاسمة، لأنه بعد ذلك يتم إيقاف النزيف".

اقرأ أيضاً :

احتجاجات غاضبة شرقي المغرب عقب وفاة شقيقين في منجم للفحم

ولفتت المتحدثة إلى أنها استفادت فيما بعد -ومع التجربة- من عدة نصائح من أطباء توالوا على مستوصفات المنطقة، جعلتها تطوّر مهاراتها وتغيّر مجموعة من السلوكيات التي قد تضرّ بصحة الأم أو الجنين، والتي كانت تقوم بها "عن جهل"، نظراً لكونها امرأة أمية.

وليس كل النسوة يجدن طريقهن السالكة نحو الولادة، إذ إن العديدات منهن تتوقف رحلتهن في هذه الحياة عند نزيف أو مضاعفات صحية، إذ تسجل وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى وفاة امرأة خلال نقلها للمستوصف البعيد، وأوردت الجريدة أرقاماً تتعلق بوفيات النسوة.

ويشكّل الانخفاض الكبير في درجات الحرارة خطراً على صحة الأطفال والشيوخ وحتى المواشي، الشيء الذي قد يؤدي إلى تسجيل وفيات بسبب انخفاض درجة الحرارة، وهو الشيء الذي أكّدته شهادات استقاها "الخليج أونلاين" من خلال اتصالات هاتفية مع بعض سكان هذه المناطق.

- قُرى بدون رجال

ويضطرّ رجال هذه القرى؛ نظراً إلى "شحّ" فرص الشغل بقراهم، إلى الهجرة بحثاً عن لقمة عيش لذويهم، إذ يتجّهون نحو المدن القريبة للاشتغال في ما يتاح من مهن، أما آخرون فيختارون الهجرة خارج الوطن، وخصوصاً نحو الدول الأوروبية.

وبسبب الهجرات المتتالية، والتي تستمرّ شهوراً، تخلو هذه الدواوير من الرجال، إذ تجد فيها إما الشيوخ أو النساء، إلى جانب الأطفال.

وتضطرّ النسوة إلى القيام بجميع أشغال المنزل؛ من الكنس والطبخ إلى رعاية المواشي والبناء وغيره، أما الفتيات فينهمكن في جمع الحطب بغرض التدفئة.

وتُسجَّل بهذه المناطق نسب مرتفعة من الهدر المدرسي، خصوصاً في صفوف الفتيات.

اقرأ أيضاً :

حفل "عقيقة" باذخ يجدد الجدل في المغرب حول "الميوعة الإعلامية"

وبحسب عدة دراسات، فإن السبب في ذلك راجع إلى الفقر بدرجة أولى، وبُعد المدارس بدرجة ثانية. في حين لا يستطيع أغلب هؤلاء الأطفال متابعة دراستهم الإعدادية والثانوية؛ لأن دواويرهم لا تتوفّر على مؤسسات لذلك، ويضطرّون للانتقال نحو المدينة، ما يتطلّب مصاريف إضافية.

وترسل الأسر فتياتهنّ وهن دون سن الثامنة عشرة إلى المدن للاشتغال خادمات بالمنازل، إلا أن قانوناً صادق عليه البرلمان قبل سنوات منع تشغيل الفتيات في عمر أقلّ من 16 سنة.

وساهمت جهود الجمعيات المدنيّة، وأيضاً الحكومة، في تقليل نسب الهدر المدرسي، وذلك من خلال توفير وسائل نقل لهؤلاء الأطفال، وبناء دور للطلبة في المدن، بالإضافة إلى تخصيص منح للمتفوقين والمحتاجين.

وعلى الرغم من تكاثف هذه الجهود، فإنها لم تقضِ بشكل نهائي على ظاهرة الهدر المدرسي، بحسب منظمات مدنية.