وصفة المغرب الثلاثية التي جنَّبته المزيد من "ويلات" الإرهاب

يرصد المغرب إمكانات مادية ولوجيستية عالية المستوى لمواجهة الإرهاب، سواء على المستوى الأمني أو من خلال مشاريع تنموية وأخرى فكرية ودينية.

وكان آخر عمل إرهابي شهدته المملكة، في سنة 2011 بمدينة مراكش؛ إذ أقدم شخص على استهداف مقهى سياحي بواسطة عبوة ناسفة، قبل أن يفجرها عن بُعد، مخلّفاً 16 قتيلاً و20 جريحاً على الأقل، من جنسيات مختلفة، إلى جانب خسائر مادية أخرى.

- هجمات معدودة

وبحسب جرد قام به "الخليج أونلاين"، فإن الهجمات الإرهابية على المملكة المغربية معدودة على الأصابع؛ إذ لم تتجاوز 5 هجمات خلال أكثر من 20 سنة.

وقبل سنة 1994، لم يكن يعرف المغاربة ماذا تعني كلمة "هجوم مسلح"، أو "تفجير إرهابي"؛ إذ سمعوا عنها لأول مرة في أعقاب أحداث هزت البلاد، بعد هجوم مسلح نفذه عدد من الملثَّمين الجزائريين من جنسية فرنسية، ومعهم مغاربة، على فندق "أطلس أسني"، بمدينة مراكش السياحية أيضاً، وخلَّف هذا الهجوم ثلاثة قتلى على الأقل.

الصورة الأولى واجهة فندق فرح بعد تفجيره سنة 2003

اقرأ أيضاً:

لماذا يتصدر المغاربة مُنفذي الهجمات الإرهابية بأوروبا؟

أصابع الاتهام توجهت حينها لجهات، قالت السلطات المغربية إن لها "علاقة بالمخابرات الجزائرية"، ليُعتقل فيما بعدُ ثلاثة أشخاص؛ جزائري، ومغربي إلى جانب فرنسي، قيل إنه "الرأس المدبر للعملية".

وبعد مرور 9 سنوات، عاش المغاربة على وقع صدمة أخرى، متمثلة في سلسلة أحداث إرهابية مرتبطة ومتتالية في ظرف أقل من ساعة استهدفت مناطق سياحية ودينية بمدينة الدار البيضاء.

وبالضبط، ليلة الجمعة 16 مايو 2003، نفَّذ شباب في مقتبل العمر عمليات إرهابية استهدفت مطعماً إسبانياً شهيراً، وفندقاً 5 نجوم، بالإضافة إلى مقبرة يهودية، وهي الهجمات التي خلَّفت 40 قتيلاً، من بينهم 12 انتحارياً، وأكثر من 100 جريح.

الصورة الثانية منظر أخر تفجير نادي أنترنت بالدار البيضاء

وكان وراء هذه التفجيرات 14 شخصاً، ومعظمهم بين سن العشرين والرابعة والعشرين، تفرقوا في مجموعات على أهدافهم؛ إذ هجمت المجموعة الأولى على المطعم الإسباني، وولجوه بعدما ذبحوا الحارس، ثم فجَّروا أنفسهم بالداخل مخلِّفين عشرين قتيلاً.

وتوجهت المجموعة الثانية نحو فندق 5 نجوم، إلا أن مقاومة حارس الأمن حالت دون دخول الإرهابيين إلى الفندق، ووقع الانفجار فقط في مدخله، وخلَّف مقتل البواب ومعه حامل الأمتعة، إلى جانب خسائر مادية مهمة في بناية الفندق.

تفجير آخر قُتل فيه 3 أشخاص في محاولة من المُنفذين لتفجير مقبرة يهودية؛ إذ قام من نفذ التفجير بفعلته بواسطة جهاز تحكُّم عن بُعد، واستهدف مهاجمان آخران المركز الاجتماعي اليهودي في المدينة، لكن لم يُصب أحد؛ لأن المركز كان مغلقاً حينها.

مُفجِّر آخر هاجم مطعماً إيطالياً، وآخر فجَّر قرب القنصلية البلجيكية التي تبعد بضعة أمتار عن المطعم؛ ليقتل رجلي شرطة مغربيَّين.

- تحوُّل أمني

ما وقع في السادس عشر من مايو، كان نقطة انعطاف على مستوى سياسات الدولة؛ إذ اعتمدت مقاربة أمنية بشكل قوي، نتج عنها اعتقال ما يزيد على 8 آلاف شخص حسب وزير العدل حينها محمد بوزبع، بالإضافة الى اعتماد "قانون الإرهاب" الذي كان عالقاً قبلها بمجلس النواب وأثار جدلاً سياسياً منقطع النظير.

وأرْخت الأزمة بظلالها على حزب العدالة والتنمية المغربي ذي المرجعية الإسلامية، وجناحه الدعوي "حركة التوحيد والإصلاح"؛ إذ طالبت وجوه سياسية بحل التنظيمين، وتوقيف التعامل "المرن" للدولة مع التيارات الإسلامية، محمِّلة إياها المسؤولية "المعنوية" للأحداث.

اقرأ أيضاً:

كيف يحمي الرؤساء والمسؤولون أنفسهم من الرصاص؟

وعلى الرغم من المطالب الكثيرة بحل هذا الحزب، فإن "تدخلاً ملكياً حال دون ذلك"، وهو ما كشفه عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق للحزب، سنة 2009، خلال برنامج تلفزي.

وعلى الرغم من التشديد الأمني على تحركات المتشددين، وإغلاق المساجد غير التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، عادت الأحداث الإرهابية لترخي بظلالها على مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، سنة 2007.

واهتزت المدينة، يوم 11 مارس من سنة 2007، على وقع تفجير أحد نوادي الإنترنت، بحي شعبي، بعدما فجَّر انتحاري حزاماً ناسفاً كان يُخفيه تحت ثيابه؛ بسبب دخوله في نقاش مع مدير النادي، الذي منعه من تصفُّح مواقع "جهادية".

وفي اللحظة نفسها التي فجَّر فيها الأول حزامه، عمل زميل له على التخلص من حزامه الناسف والفرار، قبل أن تعتقله المصالح الأمنية.

الصورة الثانية منظر ehgeتفجير نادي أنترنت بالدار البيضاء

في 14 أبريل من السنة نفسها، فجَّر انتحاريان نفسيهما قرب المركز الثقافي الأمريكي بالدار البيضاء، ما أسفر عن مقتل المنتحرَين وإصابة امرأة، قبل أن يُعتقل انتحاري ثالث، كان تخلَّص من حزامه الناسف.

آخر هجوم إرهابي ضرب المغرب، كان في 28 أبريل 2011؛ إذ تنكر شخص في هيئة "سائح"، ليضع عبوة ناسفة بمقهى سياحي في مدينة مراكش، قبل أن يفجرها عن بُعد.

وخلَّف الهجوم على الأقل، 16 قتيلاً و20 جريحاً، بينهم 7 مواطنين فرنسيين وكنديين وهولنديين، إلى جانب خسائر جسيمة على مستوى بناية المقهى.

- استراتيجية "محكمة"

وعلى الرغم من أن التفجيرات الإرهابية التي استهدفت المغرب خلال السنوات الأربع والعشرين الماضية كانت قليلة، فإن السلطات الأمنية، ومعها القائمون على شؤون البلاد، راكموا خبرة واسعة، بحسب وصف متتبعين وخبراء.

ويعتمد المغرب منذ سنة 2003، استراتيجية متعددة المحاور والأبعاد لمواجهة الأخطار المتعددة للإرهاب، وتعالج ثلاثة محاور: الأمن، والدين، والتنمية المستدامة.

وأوضح محمد بنحمو، الخبير الأمني، ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، أن الاستراتيجية التي وضعها المغرب أظهرت نجاعتها على مستويات متعددة، من بينها الحيلولة دون وقوع أي هجوم إرهابي منذ 2011.

ولفت بنحمو في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن من بين الأسس الثلاثة لهذه الاستراتيجية: الإحكام الأمني، مشدداً على أن "الجهاز الأمني المغربي يتوفر حالياً على رد عملياتي ميداني سريع"؛ بسبب "إعادة تركيبة الهندسة الأمنية في إطار القانون وضمان الحقوق، وأيضاً تأقلمها مع المستجدات الدولية والمحلية لدى هذه التنظيمات الإرهابية".

وإلى جانب ذلك، تعتمد مقاربة المغرب إعادة هيكلة الخطاب الديني، وتنظيم المساجد، عبر تنشئة الأئمة من خلال "معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين الدينيين"، الذي صار اليوم قِبلةً لأئمة من دول مختلفة بأفريقيا وأوروبا ودول أخرى.

ويتلقى الطلبة بهذا المعهد دروساً في الدين الإسلامي، إلى جانب مواد متعلقة باللغات والتواصل والمعلوميات.

اقرأ أيضاً:

"أصميد".. وحش يُفزع سكان الجبال بالمغرب ويستنفر السلطات

وأشرف الملك محمد السادس خلال سنة 2017، على إعطاء الانطلاقة بمدارس تابعة لمسجد القرويين في مراكش، والتي تقدَّم فيها دروس دينية وعلمية تقليدية لطلبة من المغرب وخارجه.

- تنمية "دينامية"

ويتمثل الشق الثالث من الاستراتيجية المغربية لمحاربة الإرهاب، في العمل على خلق "دينامية" تنموية على مستويات متعددة، سواء من خلال دعم وتمويل مشاريع صغيرة أو متوسطة، أو تشجيع الشباب على خلق مقاولات وإطلاق مشاريعهم الخاصة.

وأطلق المغرب منذ سنة 2005، بتعليمات من الملك محمد السادس، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي عبارة عن مشروع تنموي من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة.

وتهدف المبادرة إلى التصدي للعجز الاجتماعي بالأحياء الحضرية الفقيرة والجماعات القروية الأشد خصاصاً، وتشجيع الأنشطة المدرّة للدخل القارّ والمتيحة لفرص الشغل، والعمل على الاستجابة للحاجات الضرورية للأشخاص في وضعية صعبة، بحسب معطيات رسمية لوزارة الداخلية المغربية.

صورة ثالثة أخرى

وبحسب معطيات حصل عليها "الخليج أونلاين"، فإن حصيلة المبادرة إلى حدود سنة 2013، تمثلت في إنجاز 29 ألف مشروع، استفاد منها أكثر من 7 ملايين شخص بصفة مباشرة أو غير مباشرة، باستثمارٍ إجمالي ناهز 18 مليار درهم (الدولار الأمريكي = 9.5 دراهم مغربية تقريباً)، أسهمت فيها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بما يزيد على 11 مليار درهم.

وبحسب المعطيات نفسها، فإن المرحلة الأولى من المبادرة، أي ما بين 2005 و2010، تم إنجاز ما يفوق 22 ألف مشروع لمصلحة ما يزيد على 5.2 ملايين مستفيد.

وخلال المرحلة الثانية، التي دشنها الملك في 2011، وامتدت إلى حدود 2015، تم توسيع مجالات التدخلات والإمكانات المرصودة للمبادرة، لتشمل 702 جماعة قروية و532 حياً حضرياً، إضافة إلى برنامج خاص بالتأهيل الترابي، تورد المعطيات نفسها.

- التهديد "صفر" مفقود

وعلى الرغم من إشادته بهذه الاستراتيجية، واصفاً إياها بالـ"فعالة"، فإن بنحمو أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن "الخطر صفر" غير موجود، موضحاً أنه "على الرغم من المجهودات الكبيرة للمخابرات المغربية، وباقي الأجهزة الأمنية، فإن ذلك لا يعني أن المغرب خرج من دائرة التهديدات الإرهابية"، وهو الشيء الذي تعززه الخلايا التي يتم تفكيكها باستمرار من طرف المكتب المركزي للأبحاث القضائية، يورد المتحدث.

وأضاف: "المغرب فكَّك العشرات من الخلايا، وحمى الشعب منذ 2011 من هجمات إرهابية دامية"، وهو ما يدل على أن "السياسة الأمنية حققت نتائج إيجابية".

وشدد على أن "اشتغال الجهات المعنيَّة يأتي في ظرفية حساسة، تتمثل أساساً فيما تعرفه منطقة الساحل والصحراء ومنطقة شمال أفريقيا والعالم العربي من تحولات استراتيجية وتحديات أمنية كبيرة، جعلت درحات الخطورة مرتفعة".

- خلايا متعددة

وتعلن السلطات المغربية، من خلال المكتب المركزي للأبحاث القضائية، تفكيكها خلايا إرهابية كانت إما تخطط لهجمات إرهابية داخل البلاد، وإما تعمل على استقطاب أشخاص وإرسالهم إلى بؤر التوتر.

وبحسب جرد قام به "الخليج أونلاين"، ومعطيات حصل عليها من مصادر متطابقة، فإنه إلى حدود فبراير من السنة الماضية، فكَّكت السلطات المغربية 168 خلية إرهابية منذ سنة 2001، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، 50 خلية منها ذات صلة بمناطق التوتر، على الخصوص بالمنطقة الأفغانية والباكستانية والعراق وسوريا ومنطقة الساحل.

صورة ثالثة

ومكنت هذه التحركات من إلقاء القبض على 2963 مشتبهاً فيه، وإحباط 341 مخططاً إجرامياً.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن أكثر من 1600 مواطن مغربي تطوعوا للقتال في بؤر التوتر، 147 منهم عادوا إلى المغرب وجرى التحقيق معهم، في حين تم توقيف 132 شخصاً وتقديمهم للعدالة، إلى جانب توقيف ستة أشخاص عند محاولتهم مغادرة التراب الوطني، إلى حدود فبراير من السنة الماضية.

ومنذ سنة 2013، إلى حدود فبراير من السنة الماضية، ضبطت السلطات 45 خلية إرهابية ذات علاقة مباشرة ببؤرة الصراع السورية-العراقية.

وخلال سنة 2017، فكَّك المغرب تسع خلايا إرهابية، و186 من المتطرفين.

وبخصوص انضمام المغاربة إلى التنظيمات الإرهابية، فلم يتم توقيف أي شخص حاول الانضمام إلى صفوف "داعش" خلال سنة 2017، في حين نجح شخص واحد، كان يعمل أستاذاً للفلسفة، في الانضمام إلى التنظيم المتطرف أواخر شهر نوفمبر الماضي.

وبتعليمات من العاهل المغربي، استحدث المغرب سنة 2015، المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، تحت إشراف النيابة العامة؛ ليقوم بمهمة معالجة مجموعة من الجرائم والجنح المنصوص عليها في القانون المغربي، وخاصة السرقة، وتهريب المخدرات والأسلحة والمتفجرات، والإرهاب، والمس بأمن الدولة، وتزوير العملة.

وأسهم المكتب في فك ألغاز مجموعة من الأحداث الإرهابية العالمية، التي كان أبرزها، المعطيات التي زود بها المغرب فرنسا خلال ما عُرف بأحداث ساندوني سنة 2015.

وكشف مسؤولون مغاربة وفرنسيون في وقت لاحق، أن المغرب قدم معلومة إلى فرنسا، مفادها أن "العقل المدبر" للأحداث، الملقب بـ"أبا عوض"، يوجد في شقة بضاحية ساندوني الفرنسية، وليس بمدينة الرقة السورية كما كان معتقداً حينها.