• العبارة بالضبط

"الروبيو".. بائع كتب أمِّي عاصر نُخب المغرب وسياسييه

غير بعيد من مقر البرلمان بالعاصمة المغربية الرباط، وفي قلب شارع محمد الخامس "حاضن" الاحتجاجات التاريخية بالبلاد، وفي كوخ صغير من قصدير، يتحرك بين الكتب والجرائد بجسده النحيل وشعره الذي اشتعل شيباً.

رجل بسيط، يجني قوت يومه من دريهمات يربحها يومياً من بيعه الكتب والجرائد، لكنه صديق لسياسيين ومفكرين طبعوا تاريخ المغرب في محطات عديدة.

إنه "محمد المرضي"، لكن كل زبائنه وأصدقائه يُنادونه بـ"الروبيو"، وهي وصف للشخص صاحب البشرة الشقراء.

3

وبحسب تصريحات أدلى بها لـ"الخليج أونلاين"، فعلاقة الروبيو بالكتب بدأت منذ نهايات الثمانينيات، وبالضبط حينما التحق بمدينة الرباط، سنة 1987، قادماً من مدينة أزيلال الجبلية، إذ كان حينها أمياً لا يجيد لا القراءة ولا الكتابة.

ويحكي الروبيو لزواره أنه تعلق بالقراءة والكتابة من خلال بيعه للكتب والجرائد، وبالضبط بفضل صديق له كان يعمل شرطياً، علمه الكتابة.

ويقول الروبيو إن من بين الأسباب التي دفعته إلى التعلم أن مواطناً أفريقياً زاره يوماً، وتحدث إليه باللغة الفرنسية طالباً منه إحدى المجلات، إلا أنه لم يتمكن من فهم ما قاله له، ليعلق قائلاً: "إن الذي لا يقرأ لا يمكنه بيع الصحف والمجلات".

2

خلفت هذه الكلمات صدمة في نفس الروبيو، ورفعت همته لتعلم القراءة، وكانت بدايته مع تهجي الحروف التي تكتب بها عناوين الجرائد الرئيسة.

قبل التفرغ لخدمة الكتب والجرائد، عمل "الروبيو" نادلاً في مقهى، ثم عاملاً في قطاع البناء. لكنه اليوم يتحسر للتراجع الذي عرفته نسب المقروئية بالبلاد، سواء على مستوى الصحف أو الكتب والمجلات؛ فذلك ينذر بأن عمر مهنته صار يتناقص، يقول الروبيو معلقاً: "كلما وقف إلى محلي شاب أو رجل يمسك هاتفاً ويتصفح الأخبار أرى أن مسار أكثر من ثلاثين سنة قريب من النهاية".

الموقع الاستراتيجي لدكان "الروبيو" بشارع محمد الخامس بالرباط، وهو أشهر شوارع المدينة، جعله شاهداً على أحداث كثيرة؛ من مسيرات التضامن المليونية مع فلسطين، وهراوات الأمن حينما كانت تهوي على المعطلين، وأيضاً، عاش "ثورة العشرينيين" إبان الربيع العربي، شعاراً بشعار، وهتافاً بهتاف..

1

- علاقته بالساسة

يتذكر فلاناً وعلاناً، كان في الأمس القريب يطلق العنان لرجليه فاراً من هراوة رجل أمن، أو يأتي متسللاً لتصفح جريدة ثم يعيدها مكانها لأنه لا يملك ثمنها، واليوم تغيرت الأوضاع السياسية، وصار مسؤولاً في حزب أو ربما وزيراً، يحكي الروبيو كلما جلست إليه في دكانه.

اقرأ أيضاً:

"مغاربة إسرائيل" يستعينيون بالملك لصد مساعي إسقاط جنسياتهم

يعرفه معظم الوزراء والبرلمانيين أكثر مما يعرفهم هو، فكل مساء حين يغادرون القبة التشريعية، يكون أول وجهة لهم، يتصفحون ما يعرضه من جرائد اليوم التالي، ويدخل بعضهم في نقاش معه ليعرفوا تفاعلات المغاربة مع ما يدور بالبرلمان.

أما مديرو النشر وأصحاب الجرائد فلهم علاقة خاصة به، لأنه أهم مصدر ينقل إليهم مستويات مبيعات جرائدهم التي لديه، صعوداً أو نزولاً.

وبحكم مهنته المرتبطة بعالم الأخبار وقربه من البرلمان، صار الروبيو شاهداً على "حكومة التناوب" التي قادها حزب الاتحاد الاشتراكي اليساري عام 1998، ثم "حكومة الإسلاميين" التي قادها حزب العدالة والتنمية عام 2012 بعد الربيع العربي عام 2011، أما "بلوكاج 2016"، حينما تعذر على عبد الإله بن كيران تشكيل تحالف حكومي، فيحفظ أحداثه عن ظهر قلب، لأنه تابعه لحظة بلحظة من خلال ما يدور أمامه من أحاديث زبائنه.

تتبعه للأحداث بشكل مباشر، واحتكاكه بالسياسيين والمثقفين، بالإضافة إلى حضور نقاشات يومية عن الأوضاع السياسية والاجتماعية بالبلاد، إما من خلال المظاهرات شبه اليومية التي تجاور دكانه، أو حوارات زبائنه، جعلته يكون خلفية واسعة عن المشهد السياسي بالبلاد والعلاقة بين الأحزاب وقادتها.