مصر.. هل يستبدل السيسي "التمديد" بـ"التزكية"؟

وضعت الهيئة العليا للانتخابات في مصر شروطاً للترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة يصفها خبراء وسياسيون بالمستحيلة، وهو ما يعني أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قد يحصل على ولاية ثانية دون إجراء انتخابات؛ لكونه قد يكون الوحيد القادر فعلياً على التقدّم بأوراق ترشّحه.

وكانت الهيئة قد أعلنت، الاثنين 8 يناير 2018، أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستجرى داخل البلاد بين 26 و28 مارس المقبل، لافتة إلى أن المصريين في الخارج سيدلون بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية أيام 16 و17 و18 مارس.

وتشترط اللجنة حصول المرشح للانتخابات على 25 ألف توكيل من مواطنين مصريين، أو تزكية 20 نائباً بالبرلمان، خلال 9 أيام، تبدأ في 20 يناير الجاري وتنتهي الثلاثاء في 29 من الشهر الجاري، وهي شروط وصفها الخبير القانوني محمود كبيش بـ "المستحيلة".

- شروط مستحيلة

وفي لقاء تلفزيوني، مساء الاثنين 8 يناير 2018، قال كبيش، وهو عميد سابق لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ومقرّب جداً من السيسي: "من المستحيل أن يجمع المرشّح هذا العدد من التوكيلات خلال 9 أيام"، لافتاً إلى أن الهيئة اشترطت أن يتم جمع هذه التوكيلات من محافظات مصر الـ 25، بواقع ألف توكيل من كل محافظة، وفي حال مخالفة هذا الشرط تصبح التوكيلات باطلة.

واشترطت الهيئة عدم عمل أي دعاية انتخابية أو ممارسة أي وسيلة من وسائل دعوة الناس لعمل التوكيلات قبل الـ 20 من يناير 2018، وهو شرط تفضحه لافتات وصور تأييد السيسي والدعوة لتأييده، والتي تملأ شوارع مصر من أقصاها لأقصاها.

كما أن سيطرة السيسي الكاملة على مجلس النواب تجعل حصول أي مرشّح على دعم 20 من النواب أمراً شبه مستحيل، وهو أمر تعزّزه مسارعة النواب لتوقيع استمارات دعم للسيسي.

وكان عدد من نواب البرلمان طرحوا، العام الماضي، فكرة تعديل الدستور لتمديد فترة الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، على أن يتم التمديد بأثر رجعي؛ بحيث تنتهي ولاية السيسي الحالية في يونيو 2020 بدلاً من يونيو 2018.

وبعد تراجع السلطات في مصر عن فكرة التمديد بسبب ضغوط أمريكية، كما سبق أن أكدت مصادر لـ "الخليج أونلاين"، يبدو الرئيس المصري وكأنه وجد سبيله للبقاء دون انتخابات؛ من خلال تشديد شروط الترشّح بما يجعله مرشّحاً وحيداً، ومن ثم يفوز بالتزكية.

وكانت مصادر أمنية أكدت لـ "الخليج أونلاين" أن جهازاً سيادياً قدّم تقريراً للسيسي، مطلع العام 2017، يفيد باستحالة إخراج المشهد الانتخابي على نحو يضمن عدم التشكيك فيه.

وعزا التقرير هذا الأمر إلى وجود استطلاعات رأي أمنيّة تؤكد أن نسبة تصويت المواطنين في الانتخابات المقبلة ستكون معدومة على نحو يجعل الترويج لنسب مشاركة كبيرة على غرار ما حدث في انتخابات 2014 أمراً محلّ شكّ، بحسب المصادر.

Nic6332194

وشهدت انتخابات 2014، التي فاز فيها السيسي على منافسه حمدين صباحي، عزوفاً كبيراً دفع الإعلاميين الموالين للنظام إلى الصراخ عبر الشاشات مطالبين الناس بالنزول؛ "حتى لا يشمت الإخوان المسلمون".

وقد شكّكت تقارير محلية ودولية في نسب المشاركة التي أعلنتها السلطات المصرية في تلك الانتخابات، والتي قالت في حينها إنها شملت أكثر من 25 مليون مواطن، يمثلون أكثر من 47% ممن يحق لهم التصويت، حصل السيسي على نحو 97% منها.

وأكّدت منظمات دولية أن نسب المشاركة الحقيقية لم تتجاوز الـ 7% ممن يحق لهم التصويت. واتهمت السلطات بالاستعانة بمشاهد أرشيفية من انتخابات 2012، التي شهدت مشاركة أكثر من 26 مليوناً، كونها كانت الأولى بعد ثورة 25 يناير 2011.

اقرأ أيضاً :

بعد تحييد منافسي السيسي.. مصر تجري انتخابات "فقيرة" المرشحين

- السيسي ينافس نفسه

وحالياً، تعجّ مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات تسخر من الانتخابات المقبلة ومن الهيئة المشرفة عليها، والتي تقف على مسافة واحدة من كل المرشحين، الذين يمكن اختصارهم في اسم "السيسي"، كما يقول نشطاء.

ويشكو كثير من المواطنين تعنّت مقار الشهر العقاري في استخراج توكيلات المرشّحين، ويؤكّد بعضهم أن موظفي الشهر العقاري يطالبونهم بعمل توكيلات للسيسي وليس لأحد غيره.

أحد الساسة المصريين قال لـ "الخليج أونلاين"، إنه ذهب لعمل توكيل للفريق سامي عنان، رئيس أركان الجيش السابق، مؤكداً أنه فوجئ بموظف الشهر العقاري يقول له: "ليس لدينا تعليمات بعمل توكيلات لسامي عنان. يمكنك الاختيار بين السيسي وخالد علي وحمدين صباحي"، مع ملاحظة أن صباحي لم يعلن ترشحه للانتخابات، بل أعلن دعمه للمرشّح اليساري خالد علي.

ويواجه علي، وهو محامٍ وحقوقي يحظى بدعم الشباب، تعنّت الهيئات الحكومية في استخراج التوكيلات اللازمة لتقديم أوراق ترشّحه، وهو ما يعني أنه ربما لن يتمكّن من ذلك خلال الموعد المحدد.

هناك أيضاً المرشّح المحتمل محمد أنور السادات، الذي خاطب هيئة الانتخابات قائلاً إنه لا يستطيع تحصيل موافقة أمنية لعقد مؤتمر صحفي بأحد فنادق وسط القاهرة لإعلان موقفه النهائي من الترشّح.

في غضون ذلك، تعجّ مكاتب الشهر العقاري براغبي عمل توكيلات ترشيح للسيسي، وسط ترحيب حكومي وأمني وإعلامي ملحوظ.

هذه الإجراءات شديدة التعقيد، وهذه السيطرة الحكومية على كل شيء، تجعل وجود مرشحين آخرين غير السيسي أمراً محلّ شكٍّ، الأمر الذي يعزّز احتمالية فوزه في انتخابات لن تجرى من الأساس.

سيسي 3

وحتى الآن لم يعلن السيسي، الذي تنتهي ولايته في يونيو 2018، موقفه بشأن الترشّح للانتخابات، لكن من المرجّح بشكل كبير أن يسعى للفوز بولاية ثانية وأخيرة مدتها أربع سنوات، كما ينصّ الدستور، غير أن سحقه لكل من كان يستطيع منافسته يؤكّد أنه لن يتخلّى عن منصبه.

سيسي 1

سيسي

وكانت ثمّة آمال، ولو ضئيلة، بأن تشهد مصر منافسة حقيقية على المنصب بين الرئيس الحالي وبين المرشّح السابق الفريق أحمد شفيق، الذي يحظى بتأييد شعبي ينبع من رفض غالبية الناس للسيسي، فضلاً عن تمتّعه برضى القوات المسلحة، التي شغل قيادة سلاح الجو فيها ست سنوات، في الفترة ما بين 1996 و2002.

غير أن شفيق خرج على المصريين ببيان، الأحد 7 يناير 2018، قال فيه إنه، وبعد عودته من الإمارات التي قضى فيها خمس سنوات (2012-2017)، وجد أنه "ليس الأنسب لقيادة البلاد خلال هذه الفترة"، مغلقاً بذلك آخر باب أمل في منافسة حقيقية بهذه الانتخابات.

وفي الوقت الحالي يُعتبر الحقوقي البارز، خالد علي، المنافس الأبرز للسيسي، وقد أعلن علي نيّته الترشّح قبل شهور. وكان علي قد خاض الجولة الأولى من انتخابات 2012، وجاء في مركز متأخّر بحصوله على نحو مئة ألف صوت.

وقد يُحرم علي من الحق في الترشّح للانتخابات إذا أيّدت محكمة استئناف حكماً أصدرته محكمة للجنح، في سبتمبر الماضي، بحبسه ثلاثة أشهر بتهمة ارتكاب فعل خادش للحياء العام، وينفي علي الاتهام ويقول إنه واثق بالبراءة.

وفي الـ 19 من ديسمبر 2017، قضت محكمة شمال القاهرة العسكرية بحبس العقيد بالقوات المسلّحة، أحمد قنصوة، 6 سنوات مع الشغل والنفاذ؛ على خلفية انتشار فيديو له تناول فيه بعض الآراء السياسية. وكان قنصوة أعلن ترشّحه لانتخابات الرئاسة هو يرتدي زيه العسكري.

قنصوة

وقد أثارت محاكمة قنصوة سخرية وانتقادات كبيرة، لكونه واجه تهمة ممارسة العمل السياسي وهو على قوة الجيش ويرتدي زيه العسكري، بينما لم يحاكم السيسي، الذي أعلن ترشّحه للرئاسة أيضاً وهو يرتدي زيه العسكري، وكان حينها قائداً للجيش وليس ضابطاً صغيراً.