تونس: سياسيون وخبراء يحمّلون الحكومة مسؤولية الاحتجاجات الأخيرة

استبق التونسيون الذكرى السابعة لثورة 2011، وخرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على إجراءات حكومية أخيرة أدّت إلى ارتفاع في الأسعار، وأضرّت بالأساس بالطبقتين الفقيرة والوسطى.

وتأتي المظاهرات في وقت يؤكد فيه مسؤولون أن ميزانية 2018 فيها إجراءات موجعة تستوجب من الجميع تقديم بعض التضحيات.

وخلال الأيام الماضية، شهدت بعض المدن والمناطق التونسية خروج مظاهرات؛ احتجاجاً على قرار الحكومة زيادة أسعار عدد من المواد، مع دخول قانون المالية لسنة 2018 حيّز التنفيذ، في الأول من يناير الجاري.

ورفع المتظاهرون شعارات تندّد بغلاء الأسعار وبقانون المالية، داعين الحكومة إلى التراجع عن قراراتها، ومراجعة السياسات الضريبية، ومحاربة الفساد.

- احتجاجات في العاصمة

ومنذ يوم الاثنين 8 يناير 2018، لم تهدأ الاحتجاجات التي وصلت إلى قلب العاصمة التونسية، بل ازدادت حدّتها؛ على أثر مقتل المواطن خمسي اليفرني، في منطقة طبربة غرب العاصمة، في ظروف غامضة.

وتؤكّد عائلة "اليفرني"، وشهود عيان، أن سيارة أمنية دهسته أثناء خروجه للتظاهر ليلاً، في وقت قالت وزارة الداخلية إن القتيل تُوفّي بسبب مرض مزمن (ضيق التنفس).

وفي مناطق متفرّقة بالبلاد، اندلعت اشتباكات ليلية بين قوات الأمن ومحتجّين عمدوا إلى اقتحام وتهشيم محال تجارية ومنشآت عمومية، حرق المحتجّون بعضها.

وأسفرت الاشتباكات عن إيقاف 237 شخصاً تورّطوا في قضايا تتعلّق بأعمال شغب ونهب وسرقة وحرق وقطع طرقات واعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وفق الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، خليفة الشيباني.

اقرأ أيضاً :

قيادي بالنهضة التونسية: الاحتجاجات لم تفاجئنا ونخشى تضرّر المؤسسات

- التحرّكات بدأت سلمية

وتعليقاً على الأحداث، قال مؤسّس حزب التيار الديمقراطي المعارض، محمد عبّو، إن التحركات في تونس بدأت سلمية بتنظيم من حملة "فاش تستناو" (ماذا تنتظرون)، ولكن أطرافاً أخرى استغلّت الاحتجاجات السلمية لممارسة العنف والنهب، حسب قوله.

و"فاش تستناو" هي حملة نضالية سلمية مرتبطة بالوضع الاقتصادي، تتكوّن من شباب غير متحزّب في المجمل، هدفه المطالبة بإسقاط قانون المالية لسنة 2018.

ورأى السياسي التونسي، في تصريح لـ "الخليج أونلاين"، أن "هناك أطرافاً أخرى استغلّت الاحتجاج السلمي وليس لها فكر مهيكل، اختارت ممارسة العنف والنهب".

وأضاف: "معروف لدى العموم أن هنالك صراعاً داخل حزب حركة نداء تونس؛ حول بقاء يوسف الشاهد على رأس حكومة الوحدة الوطنية".

وتابع: "لا أستبعد أخلاقياً أن يكون النداء (نداء تونس) قد دفع إلى أعمال العنف، وإن كنت أستبعده على أرض الواقع؛ لأن ذلك سيعود عليه بالمضرّة؛ نظراً لموقفه الضعيف أمام الشعب".

وصباح الثلاثاء 9 يناير 2018، قال رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، إن ما حدث في تونس "لا يمكن اعتباره احتجاجاً"، مشيراً إلى تسجيل عمليات نهب وتخريب خلال الأحداث.

واعتبر الشاهد الوضع الاقتصادي في تونس "صعباً"، معبّراً عن أمله بأن ينتهي هذا الوضع قريباً.

- تحريض حكومي

من جهته قال النائب بالبرلمان التونسي عن الجبهة الشعبية (ائتلاف يساري معارض)، عمار عمروسيّة، إن الحكومة حرّضت على أعمال العنف من خلال إقرار قانون المالية لسنة 2018، وهو ما فُهم على أنه تحريض للناس من خلال انتهاج سياسات التجويع والإفقار والغلاء.

ولاحظ عمروسية، في حديث لـ "الخليج أونلاين"، أن إيقاف متورّطين في توزيع أموال للتحريض على الاندساس وسط المحتجّين "يؤكّد هدف بعض الأطراف لتشويه الحراك الشعبي والضغط عليه".

ورأى القيادي بالجبهة الشعبية أن الحزبين الحاكمين لهما سوابق في تشويه التحرّكات الاحتجاجية، مشيراً إلى أن حزب نداء تونس سليل التجمّع (الحزب الحاكم المنحلّ) الذي عمل في مناسبات سابقة بنفس الطريقة.

كما أن حركة النهضة (الإسلامية) سبق أن دعت للقيام بأعمال تخريبية عقب اغتيال القيادي اليساري، شكري بلعيد، سنة 2013؛ من خلال حرق السيارات بهدف الضغط على المحتجّين المنادين بإسقاط حكم الترويكا الحاكمة وقتها.

ومساء الثلاثاء 9 يناير 2018، أعلنت الحركة الشعبية، التي يمثّلها 15 نائباً من بين 217 هم أعضاء البرلمان، مساندتها وانخراطها في الاحتجاجات الاجتماعية التي اندلعت هذا الأسبوع.

وأقرّ البرلمان التونسي موازنة العام 2018، مؤخراً، ويبلغ حجمها 36 مليار دينار (14.55 مليار دولار)، وتتضمّن مجموعة من الإجراءات المالية لخفض العجز.

وتهدف تونس لرفع معدل نمو الناتج المحلي لنحو 2.5% العام الجاري، مقابل توقعات لا تفوق 2% حسب صندوق النقد الدولي.

وتسبّبت الضغوط التضخّمية، خلال الشهرين الأخيرين من سنة 2017، بزيادة الأسعار 3.6% في شهر نوفمبر 2017، وبنسبة 5.2% خلال ديسمبر، مقابل 3.7% في نفس الفترة من العام الماضي.

- الحكومة مطالبة بالإصلاح

وفي هذا السياق، أكد الخبير المالي التونسي، مراد الحطاب، أن على الحكومة إعادة النظر في عدد من الإجراءات الجبائية المنصوص عليها بقانون المالية لسنة 2018، وإعادة إصلاح الأخطاء التي رافقته.

وفي تصريح لـ "الخليج أونلاين"، قال الحطاب إن القانون يحمل بصمة الضغط الجبائي، وشطب الامتيازات الجبائية أمام المستثمرين، ما سينعكس سلباً على النمو الاقتصادي.

واعتبر الخبير المالي التونسي أن الاحتجاجات التي نتجت عن قانون المالية كانت متوقّعة، خاصة بعد الحديث المتكرر عن رفع الدعم، إلى جانب ارتفاع الأسعار الذي لاحظه المواطن خلال الأسابيع الأخيرة، حتى قبل إقرار القانون والتصديق عليه.

وبحسب الحطاب، فإن تونس حالياً "في مأزق" يجب تداركه بمراجعة هذا القانون، الذي وصفه بـ "البعيد عن الواقع"، وقال إن من شأنه المغامرة بمستقبل الشعب التونسي، الذي دعاه إلى التحلّي بالحكمة والحرفية في التعاطي مع الشأن المالي.

كما دعا الحكومة إلى عدم إثقال كاهل المواطن وإرباكه وتهديد السلم الاجتماعي، مؤكداً أنه توجد هوامش مناورة وتحرك أخرى، ومنها معالجة التوريد، الذي يفوق حجم ميزانية الدولة، ووضعية التداين التي أصبحت مُزعجة.

يُذكر أن الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، كان قد اعترف في تصريح إعلامي، الأسبوع الماضي، بأن ميزانية 2018 فيها إجراءات موجعة للجميع، ولكن لا يوجد أمام الحكومة بديل عن هذا.