• العبارة بالضبط

الرئاسة المصرية والمخابرات.. اختراق أم لعب على المكشوف؟

عادت التسريبات الصوتية المتعلقة بأجهزة الدولة المصرية للواجهة، بعد تسريب جديد لأحد ضباط المخابرات الحربية يتناول الموقف المصري المؤيد لاعتراف واشنطن بالقدس المحتلة عاصمة لـ"إسرائيل"، وذلك قبل شهرين من انتخابات رئاسية تبدو محسومة للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

وكانت تسريبات سابقة ظهرت في العام 2015، وتناولت محادثات بين السيسي ومدير مكتبه اللواء عباس كامل، وأخرى بين كامل والمتحدث العسكري السابق أحمد محمد علي، وقد فضحت آنذاك استخفاف مصر بالدول الخليجية، وتعاملها معهم على أنهم مجرد مصدر للتمويل أو "الأرز"، كما ورد على لسان السيسي.

التسريب الأخير الذي بثته فضائية "مكملين" المعارضة، بعد يوم من نشر صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، مضمونه، وتناول موقفاً مصرياً من أزمة سياسية شديدة الحساسية (قضية القدس)، كما أنه أصاب جهاز المخابرات الحربية هذه المرة، على عكس التسريبات القديمة التي أصابت مؤسسة الرئاسة.

هذه التسريبات، التي تنفي الحكومة المصرية صحتها في كل مرة، وإن كانت تعكس- برأي البعض- حرباً خفية بين أجهزة الدولة المصرية، إذ يبدو كل منها وكأنه يسعى منفرداً لتأمين وضعه عبر ضرب مصداقية الآخر؛ تثير تساؤلات حول من يقوم بتمويل هذه الحرب الصامتة؟

- حضور أمريكي

أحد ضباط الجيش السابقين يرى أن كل هذه التسريبات "صحيحة"، لكنه يجزم بأنها ليست بعيدة عن الولايات المتحدة.

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، يؤكد الضابط، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه لا يمكن لوسيلة إعلام تحصيل مثل هذه التسجيلات بعيداً عن أجهزة المخابرات، مضيفاً: "أجهزة المخابرات لا تعترف بشيء اسمه صداقة أو تحالفات؛ فهي تتعامل مع الجميع بمنطق الحرب وتسعى لتحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات المهمة حتى لو لم تكن بحاجة آنية لهذه المعلومات".

ولفت الضابط السابق إلى أن المخابرات المصرية، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، زرعت أجهزة تصنت في مقر السفارة الأمريكية بالقاهرة، مؤكداً أن هذه الأجهزة لم يتم كشفها إلا في عهد الرئيس أنور السادات، الذي لم يكن هو نفسه يعرف عنها شيئاً قبل وصوله إلى الحكم".

العامل المشترك في هذه التسريبات هو أنها في كل مرة تتناول قضية مسيطرة على الرأي العام، وتنقل وجهة النظر غير المعلنة للقيادة المصرية، ما يعني أنها لا تخرج عبثاً.

في تسريبات 2015، التي كان اللواء عباس كامل بطلها، كان الحديث دائراً عن نظرة السيسي ورجاله للدعم الخليجي (الأرز)، وكيف أنه كان ومدير مكتبه ينظرون إلى دول الخليج على أنها "أنصاف دول".

في تلك الفترة كانت مصر مشغولة بتحصيل أكبر قدر ممكن من أموال الخليج، وقد عبّر مدير مكتب السيسي في أحد التسريبات عن أحقية مصر في تلقي المال من هذه الدول، بقوله: "لقد أخطأنا عندما لم نطلب المقابل الصحيح عندما شاركنا في حرب تحرير الكويت (1991)".

وعقب هذ التسريبات انتشر مصطلح "الأرز"، بعدما قال السيسي في أحدها: "لا بد وأن يدفعوا لنا؛ إنهم يملكون أموالاً كالأرز".

ثمة مشترك آخر في التسريبات، قديمها وجديدها، وهو أن أجهزة الدولة، رئاسة أو مخابرات، توجه الإعلاميين والفنانين لقول ما تريد في كل قضية، وهو ما يضرب مصداقية واستقلالية الإعلام المصري في مقتل.

مصدر أمني رفيع أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن تسريبات عباس كامل (نشرت عام 2015) كان مصدرها هاتفاً محمولاً أهداه أحد الضباط لكامل، مضيفاً: "هذا الهاتف كان يحمل برنامج تجسس غير مرئي، ولم ينتبه له أحد إلا بعد هذه التسريبات".

وأوضح الضابط أنه "بعد هذه التسريبات لم يعد أحد من موظفي الرئاسة، مهما كان منصبه، يدخل اجتماعاً أو حتى القصر الرئاسي، وهو يحمل هاتفاً ذكياً. الجميع صار يستخدم هواتف قديمة غير قابلة للاختراق".

اقرأ أيضاً :

"فضائح" سياسية.. ما قصة اختراق مصر رئاسياً وأمنياً؟

- استخفاف وتخبط

أحد السياسيين المصريين كشف لـ"الخليج أونلاين"، أن السيسي التقى عشرة سياسيين، وكان المتحدث من بينهم، في قصر الاتحادية لمناقشة بعض الآراء التي طرحت في حينها بشأن آلية التصالح مع جماعة الإخوان المسلمين، وأضاف المتحدث: "اللقاء تم في حديقة القصر، وقد بدأ السيسي حديثه قائلاً: دعونا نجتمع بعيداً عن المكاتب حتى لا يتم تسريب الاجتماع".

هذه المزحة- برأي المتحدث- "لم تكن بغرض المزاح، وإنما كانت تحمل إحدى دلالتين، الأولى أن السيسي فعلاً يعاني هاجس التسريبات، ويشعر بأن هناك من يستمع لكل ما يقوله، والثانية أن السيسي أراد تحذير ضيوفه من أن أي تسريب لهذا اللقاء سيكون مصدره أحدكم وليس أحدنا".

وهناك من يعتقد أن اللواء عباس كامل، ذراع السيسي القوي ورجله المخلص، أراد رد الضربة بمثلها، وهو ما يبرر كشف التسريبات الجديدة لتآمر المخابرات الحربية على القضية الفلسطينية.

مسؤول أمني سابق قال لـ"الخليج أونلاين"، إن ما يحدث من تسريبات هو نتيجة حتمية لسيطرة العقلية الأمنية على إدارة الأمور، مشيراً إلى أن هذه الأجهزة باتت تعتمد على التجسس في كل شيء، حتى في تعامل بعضها مع بعض.

وأشار المسؤول إلى أن الأزمة تعاظمت بعد دخول جهاز الأمن الوطني على الخط، قائلاً: "في السابق كان جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني) يعمل تحت مظلة أجهزة أخرى كالمخابرات ولا يستطيع تجاوزها. أما الآن فقد أصبح الجهاز متواصلاً مع دول أخرى بعيداً عن عين الدولة، وهذا ما جعل تسريب أي شيء لأي جهة أمراً وارداً".

وخلص الرجل إلى أن "استخفاف" الأمن الوطني بهذه الأمور من جهة، وتعامل بعض الأجهزة بعضها مع بعض بطريقة "لي الأذرع" من جهة أخرى، يعزز احتمالية خروج ما هو أكثر وأخطر، وفق قوله.

أحمد شناف، مدير قناة مكملين التي أسهمت في نشر التسريبات، عاد بالزمن إلى انقلاب السيسي على الرئيس المعزول مرسي، في يوليو 2013، ليبيّن لنا قصة هذه التسريبات.

وفي تصريح لـ "الخليج أونلاين"، يقول شناف: "هناك حالة من التخبّط الكبير لدى النظام المصري؛ تتمثّل في تمكين سلطة العسكر من جميع أجهزة الدولة، سواء كانوا رجال أعمال، أو مؤسسات صحفية، أو قنوات فضائية، وحتى في القطاعات الخدمية التابعة للقطاع الخاص من مؤسسات ومستشفيات".

وحول صحة هذه التسريبات يقول مدير قناة مكملين: إنه "لم يسبق أن وصل لنا أي تسريب مدسوس، وجميع الأدلة والشواهد تؤكّد صحة هذه التسريبات. الحقائق الموجودة في التسريبات جميعها تمّت".

ويؤكد شناف: "ستظل هناك أسئلة مفخّخة؛ مثل من مصدر التسريب؟ ومن له مصلحة في نشرها؟ بالإضافة للتشكيك في صحة التسريب".