"علمانية" أم "رهبانية"؟.. عائض القرني يكتشف أن مهمته "التبليغ"

بعد سنين طويلة كان فيها يُطلِق من خلال وسائل الإعلام وعبر منصات التواصل الاجتماعي "تويتر" تصريحات سياسية، ويجمع بين الدعوة والإرشاد والسياسة، أعلن الداعية السعودي الشيخ عائض القرني أن لا جمع بين الدين والسياسة.

الشيخ عائض القرني أعلن، الخميس 18 يناير الجاري، عن "توبته" من السياسة، على حدّ تعبيره، مشيراً إلى أنه أدرك بعد سنين طويلة أن مهمته "تبليغ الدين".

وقال لبرنامج "ترند السعودية"، على قناة "إم بي سي" إنه طلّق "السياسة ثلاثاً لا رجعة فيها"، محدداً أن "مهمته تتلّخص في تبليغ الدين من خلال الآية والحديث".

اقرأ أيضاً :

عائض القرني: "تُبت" من السياسة وطلقتها ثلاثاً

وردّ بهذا الشأن على منتقديه بعدم خوضه في الشأن العام وتحويل حسابه في "تويتر" إلى مجرّد أذكار وأدعية، بالقول: "لست محللاً سياسياً وقد تبت من السياسة، والحمد لله أدركت بعد خبرة سنين طويلة في الدعوة أن مهمتي تبليغ الدين؛ التزاماً بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُۚ}، وهذا منهج القرآن والأنبياء".

القرني الذي ما تزال القنوات السعودية تبث أغنية من تأليفه، تتحدث في مضمونها عن الحوثيين وإيران، وتشيد بقوة جيش بلاده، كان لطالما عُرف بتصريحاته التي تدخل في صلب السياسة.

ويأتي اعتزاله السياسة في وقت يقبع داخل سجون المملكة عدد من كبار مشايخ الدين والدعاة البارزين، لا سيما صديقه الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وغيرهم؛ على خلفية اتهامات لهم بالعمل على "زعزعة استقرار السعودية".

- اعتقالات دعاة

وكانت السلطات السعودية شنت، بأوامر من ولي العهد محمد بن سلمان، منذ سبتمبر 2017، حملة اعتقالات وملاحقات استهدفت علماء ومفكرين ودعاة بارزين وأكاديميين وغيرهم.

وجاءت الاعتقالات خصوصاً لمواقف المشايخ من الحصار الذي فرضته السعودية وحليفاتها (الإمارات ومصر والبحرين) على دولة قطر في يونيو 2017.

ومن بين أبرز الدعاة السعوديين المعتقلين الشيخ سلمان العودة، الذي اعتقل في 10 سبتمبر 2017 بعد تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، رحب فيها بأنباء قرب انفراج الأزمة عقب مكالمة هاتفية بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث كتب قائلاً: "ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم".

واعتقل أيضاً كل من الدعاة عوض القرني، وعلي العمري، ومحمد موسى الشريف، وعلي عمر بادحدح، إضافة إلى أحمد بن عبد الرحمن الصويان، وهو رئيس مجلس إدارة مجلة "البيان" ورئيس رابطة الصحافة الإسلامية، والإمام إدريس أبكر الذي يعد من أشهر قراء السعودية.

في حين قال حساب "معتقلي الرأي السعودي" الذي نشط في تسريب الأحداث قبل تأكيد وقوعها، إن الداعية الشيخ عائض القرني وضع على رأس قائمة الممنوعين من السفر هو والشيخ محمد العريفي.

- القرني والهتاف للسلطة

وجاء خبر منع القرني من السفر، بعد أيام قليلة من نشره مقطع فيديو يقرأ فيه قصيدة من تأليفه تتغنى بالملك سلمان بن عبد العزيز ونجله ولي العهد محمد بن سلمان، وأكد فيها أن السعودية ليست بحاجة إلى ثورات حيث إن لديهم البيعة للملك وولي العهد، وأنها شرعية، بحسب تعبيره.

وأضاف القرني في قصيدته التي أداها في وقت لاحق نجم الفلكور فهد القرني: "والله ما يدخل الأوطان مستعمر.. ما دام فينا ملك يفتل أشنابه".

وتصريح الداعية القرني الجديد باعتزال السياسة، بالتزامن مع تغييرات سعودية كبيرة وجذرية، يشير إلى أن سببه يعود إلى الخوف من الرمي في السجون، والاتهام بزعزعة الأمن، وهو ما يؤكد كثيرون بأنه تهمة جاهزة لمن يعارض السياسة السعودية.

وطرح ناشطون تساؤلات بشأن ما دفع القرني إلى ذلك؛ هل هي الرهبانية التي تعني التَّخَلِّي عن أشغال الدنيا وترك ملاذِّها والزُّهد فيها، والعزلة عن أُهلها والمغالاة في التعبد، أم العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة؟

- قالها جمال خاشقجي

والخوف من الاعتقالات واتهامات أخرى طالت عدداً كبيراً من الشخصيات السعودية البارزة، وأجبرت من بقي من الشخصيات المعروفة ممَّن لم يُعتقلوا بعد، وبينهم القرني، على السكوت أو الابتعاد عن السياسة، أمر أكده الكاتب الصحفي المعروف جمال خاشقجي، بعد خروجه من السعودية.

وانتقد خاشقجي في مقال له نُشر في صحيفة "الواشنطن بوست"، في 19 سبتمبر 2017، حملة الاعتقالات التي اعتبر أنها تشير إلى مؤشرات خطيرة على كل الأصعدة تدعو للقلق.

وقال خاشقجي: "اضطررت للخروج لأني كنت سأواجه مصير زملائي الأفاضل المعتقلين إذا أردت أن أعبّر عن رأيي، وهذه ليست السعودية التي أعرفها، السعودية التي أعرفها هي أن نسكت أحياناً عندما نجد أشياء لا نتفق فيها مع الدولة".

وأضاف: "كنت موجوداً في المملكة عندما اعتُقل الأستاذ عبد الله حامد، ولم يتعرّض لحملة تشويه مثلما يحدث مع العودة والقرني والزامل الآن، هذه ممارسة جديدة علينا".

واعتبر الكاتب السعودي، الذي مُنع من النشر في الصحف السعودية لانتقاده الحملة، أنه "من المؤلم أن يكون قدرنا في السعودية أن ننتقل من انغلاق إلى انغلاق".

وتابع: "اشتكينا في الماضي من انغلاق المدرسة السلفية وتحجّرها، والآن ننتقل لانغلاق من نوع آخر، في الوقت الذي يتحوّل فيه العالم كله لمزيد من الحريات ومشاركة الشعوب، وأن يكون لهم رأي وقول في تحديد المصير".