السعودية "تحارب" التحرش بمزيد من الانفتاح

تنفتح عباءة السعودية المحافظة شيئاً فشيئاً مع انفتاح اجتماعي غير مسبوق تشهده المملكة، فتمتد الأيادي إلى جسد المجتمع مُسجلة زيادة في حالات التحرش التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.

السعودية التي تحاول على الدوام ضبط الأمر بإصدار أوامر ملكية للحد من حوادث التحرش، يبدو أنها أمام زيادة الظاهرة في ظل مجموعة القرارات التي شهدتها المملكة، والتي استهدفت النساء بالدرجة الأولى.

عام 2017 كان الأكثر جدلاً في تاريخ المملكة، فقد سمح للمرأة بقيادة السيارة ودخولها إلى الملاعب مشجعة ولاعبة، فضلاً عن إعادة فتح دور السينما، ما يعني أن ذلك قد يفتح الطريق أمام مزيد من حوادث التحرش.

أحدث هذه الحوادث سجلته منطقة "درة العروس" السياحية في مدينة جدة، إذ تناقل ناشطون مقطع فيديو يظهر تحرّش مجموعة من الشباب بفتيات في أحد الأماكن العامة، ما أثار سخطاً شعبياً.

فالمملكة التي تبدي تخوّفها من تصاعد ظاهرة التحرش، قررت إعداد نظام لمكافحته، وإكمال ما يلزم بموجب هذا الشأن، خلال شهرين من صدور قرار بهذا الشأن في سبتمبر الماضي.

هذا التخوف عانت منه السعودية قبل سنوات من الانفتاح الحاصل حالياً عبر منح المرأة مزيداً من الحقوق التي لطالما كانت محل جدل كثير لكونها تعارض قيم مجتمع المملكة المحافظ.

ويتساءل سعوديون حول ما ستؤول إليه الأمور وكيف ستكون الصورة بعد سلسلة القرارات الجديدة، وفي ظل هيئة الترفيه التي همّشت بشكل كبير وحددت مهام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

اقرأ أيضاً :

فتاوى التحريم تختفي.. السينما تعود للسعودية وتشعل جدلاً واسعاً

- تحرّش بالجملة

في عام 2014، كشف المؤشر الإحصائي لوزارة العدل السعودية، أن المحاكم الجزائية استقبلت 3982 قضية تحرش وإيذاء، بمعدل 6 حالات تحرش يومياً، وهي حالات تحرش بالنساء واستدراج أحداث.

وحسب الإحصائية التي نشرتها الصحافة المحلية السعودية، فإن الرياض جاءت في مقدمة مناطق المملكة من حيث قضايا التحرش المسجلة لدى المحاكم بـ1199 قضية، ثم مكة المكرمة فالشرقية فالمدينة المنورة.

وعام 2015، سجّلت وزارة العدل السعودية 2797 قضية بين تحرش واستدراج ومضايقة نساء، تصدرت فيها محاكم منطقة الرياض بواقع 650 قضية، ثم مكة المكرمة بواقع 430، وبعدها محاكم المنطقة الشرقية بـ210 قضايا، فالمدينة بـ170.

وكشفت دراسة ميدانية أجرتها شركة أبحاث عالمية لصالح وكالة "رويترز" أن السعودية تحتل المركز الثالث من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل.

الدراسة التي أجريت على 12 ألف موظفة من دول المسح، أكدت أن 16% من النساء العاملات في السعودية اللواتي تقل أعمارهن عن 35 عاماً، تعرضن للمضايقات والتحرش الجنسي المتعمد من قِبل المسؤولين في العمل.

وأظهرت الدراسة أن نسبة التحرش في السعودية "أعلى بكثير" من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والسويد وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأستراليا وإسبانيا وبقية الدول الأوروبية.

وتعترف جمعية حقوق الإنسان السعودية بتنامي حالات التحرش خلال 2016، إذ كتبت في تقريرها السنوي الصادر للعام ذاته، أنها رصدت أكثر من 4000 حالة تحرش، محذرة من انتشاره داخل الأسرة.

فظاعة هذه الأرقام لم تكن كفيلة بإقرار قانون رسمي يعاقب المتحرشين، طالب به السعوديون وجهات حقوقية على الدوام، لكنه كان يصطدم بآراء بعض رجال الدين ومواقفهم.

اقرأ أيضاً :

عام 2017.. مشاهد حيّة من فيلم الانفتاح السعودي

- تحرّش وانفتاح

وحتى عام 2017 لم تكن هناك قوانين تحمي المرأة المتحرش بها، بل إن مشروع القانون الذي نوقش قبل أعوام في مجلس الشورى، تأثر بمخالفة مفتي عام المملكة عبد العزيز آل الشيخ، وعائض القرني ومحمد العريفي وغيرهم.

هذه المخالفة أدت إلى سحب المشروع بذريعة أنه "يعزز ويهيئ مفهوم الاختلاط بين الجنسين في المجتمع"، ما أثار غضب المنادين بضرورة إقرار قانون لهذا الغرض.

ومنذ 2008، ومشروع القانون حبيس أدراج مجلس الشورى، وقد أُحيلَ إلى لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية في المجلس، بعدما رأى أعضاء في المجلس أن هذا القانون يُعزّز مفهوم الاختلاط.

وفي خطوة غير مسبوقة شهد سبتمبر 2017 إيعاز العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، لوزير داخليته عبد العزيز بن سعود بن نايف، بإعداد مشروع نظام لمكافحة التحرش والرفع عن ذلك خلال ستين يوماً.

هذه الخطوة سبقها قرار ملكي تاريخي أصدره الملك سلمان، يسمح بمقتضاه للمرأة السعودية بقيادة السيارة والحق فى إصدار رخصة سواقة، وهو ما اعتبره البعض سبباً في إمكانية ارتفاع حالات التحرش.

وتسبب ترك فرض العقوبة على المتحرشين للقضاة وتقديراتهم الشخصية، في تباين الأحكام التي يصدرونها، إذ حددت المادة السادسة من النظام السعودي العقوبات المترتبة على التحرش؛ إذ يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تزيد على عام، وبغرامة مالية لا تقل عن 20 ألف ريال ولا تتجاوز 50 ألفاً.