• العبارة بالضبط

الإمارات ودعم الانفصاليين.. فرض واقع جديد ولعب بمقدرات اليمن

صراع الحلفاء.. فصل جديد من فصول الصراع في اليمن، وأحداث قد تكون بعيدة جداً عن أذهان المواطن اليمني حينما أعلنت السعودية وحلفاؤها في التحالف العربي بداية الحرب بحجة استعادة الشرعية من قبضة الحوثيين الموالين لإيران.

إلا أنه مع مرور الوقت بدا المشهد أكثر وضوحاً، ولم يعد خافياً أن دول التحالف، لا سيما السعودية ودولة الإمارات، هي أيضاً تبحث عن أطماعها في أرض الشعب الفقير، كما هو الحال بالنسبة لإيران ومليشيا الحوثي الموالية لها.

وشكلت كل من أبوظبي والرياض قوات موازية أو أشبه بدولة موازية تحت غطاء دعم الشرعية في المناطق التي تسيطر عليها، قاتلت في بداية الأمر مليشيا الحوثي جنباً إلى جنب مع قوات هادي، ورغم وعودها بتحرير العاصمة صنعاء من قوات الحوثي وصالح فإن مطامع دولة الإمارات في استقرار عدن وموانئها وموقعها الاستراتيجي عجَّل في المواجهة مع قوات الشرعية.

ومنذ تدخلها في حرب اليمن عام 2015، سوَّقت السعودية ودولة الإمارات نفسيها على أنهما تهدفان إلى حماية الشعب اليمني من "بعبع" إيران ونفوذها في المنطقة، إلا أن ملامح الصراع الأخير، الذي لا تُشكل إيران ولا مليشيا الحوثي أو قوات الرئيس المخلوع صالح، أحد أقطابه، قد كشف "عورة" الحماية الخليجية، التي دفع ولا يزال يدفع ثمنها الشعب اليمني.

وتسيطر حكومة الرئيس هادي على جزء من الأراضي اليمنية سيطرة شكلية، في حين يخطط الزعماء السياسيون والقادة العسكريون في عدن لإحياء دولة اليمن الجنوبي، التي كانت مستقلة قبل إعلان الجمهورية الموحدة.

- صراع جديد.. الإمارات تغدر بالشرعية

منذ الأحد (28 يناير 2018)، تشهد مدينة عدن اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة، بين قوات الحماية الرئاسية الموالية للحكومة، وقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، الذي يطالب بإقالة حكومة أحمد عبيد بن دغر، مرجعاً سبب ذلك لإخفاقها في توفير الخدمات، والفساد، وتبعية قراراته لدول خارج اليمن (في إشارة إلى السعودية).

وأسفرت الاشتباكات عن سقوط 16 قتيلاً و141 جريحاً، وتعطل الملاحة في مطار عدن الدولي، المنفذ الرئيسي الأول لجميع المحافظات اليمنية، وشلل في الحياة العامة، فيما "غدر" الطيران العسكري الإماراتي، الثلاثاء (30 يناير 2018)، بالقوات الشرعية في عدن وحسم الصراع لحساب الانفصاليين، بحسب العميد مهران القباطي، قائد معسكر اللواء الرابع مدرع حماية رئاسية، الموالي للحكومة اليمنية.

اقرأ أيضاً :

مصدر لـ"الخليج أونلاين": الإمارات تعرقل انعقاد جلسة برلمان عدن

وسقط معسكر اللواء الرابع في عدن بيد القوات الانفصالية بعد قصف مقاتلات إماراتية للمعسكر، حيث سهل القصف دخول المسلحين على متن عربات ومدرعات تابعه للقوات الإماراتية، مستغلة اتفاقاً لوقف إطلاق النار برعاية التحالف العربي.

ورداً على قصف الطيران الإماراتي لمعسكر اللواء الرابع، أكد القباطي أن قواته تعرضت لـ"الغدر"، وهاجم دولة الإمارات "الطرف الداعم للانقلابيين".

وقال في تصريح صحفي: "التزمنا للأشقاء في السعودية بوقف إطلاق النار، والانسحاب من المواقع، ولكن للأسف الطرف الآخر لم يلتزم. وعدم التزام قوات المجلس الانتقالي الجنوبي يعود إلى إصرار الطرف الداعم للانقلابيين (الإمارات) على إسقاط الحكومة الشرعية. وما حصل كان غدراً ونقضاً للاتفاق".

وأكد المسؤول العسكري مواصلة "النضال حتى تثبيت دعائم الشرعية وإسقاط الانقلاب" في عدن. وقال: "سنظل أوفياء للقسم العسكري تحت لواء (...) الرئيس (اليمني عبد ربه منصور) هادي"، وأضاف أن "المجلس الانتقالي" لن يستمر؛ "لأنه لا غطاء لهم غير الانقلاب، ونحن نمتلك غطاءً شرعياً ودستورياً".

وتهدد هذه الاشتباكات الجهود المشتركة للقوات الحكومية مع الانفصالية في قتال مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، التي تسيطر على محافظات، بينها صنعاء، منذ عام 2014.

كذلك يفاقم القتال بين الحليفين من معاناة اليمنيين، وتردي أوضاعهم المعيشية والصحية، حتى إن معظم السكان باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

اقرأ أيضاً :

أسرار السعودية في الحُكم.. فيلم بريطاني يكشف خيوط الفوضى بالعالم

- ما دور هادي؟

تؤكد تقارير وتسريبات أن هادي لم يعُد صاحب القرار في اليمن، وأن السعودية تسيطر على مقاليد الأمور، وسط انكشاف أطماع الإمارات ومشاريعها الخاصة في عدن وسقطرى ومحافظات أخرى، ولا تخفي رغبتها في تقسيم اليمن إلى (جنوبي وشمالي)، لتحقيق مصالحها، وهو ما يجعل خلافها مع حليفتها السعودية واقعاً لا تكهّناً.

وفي تطوُّر يعزز فكرة وجود تضارب بالمصالح بين داعمي الشرعية، دعا كل من الرئيس هادي، ورئيس الوزراء بن دغر، الأحد 28 يناير 2018، جميع الوحدات العسكرية إلى وقف فوري لإطلاق النار في عدن، بعد احتدام الاشتباكات بين قوات موالية للحكومة وفصائل المقاومة الجنوبية. وطالبت الحكومة بإخلاء المواقع التي تم احتلالها من الطرفين، دون قيد أو شرط.

- تنسيق إماراتي حوثي

مصدر يمني قريب من الأحداث أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن أبوظبي تدعم الانفصاليين الجنوبيين بقوة، لكنها ليست معنيَّة في الوقت الراهن بتقسيمٍ فعليٍّ للبلاد بقدر اهتمامها بإبقاء الوضع على ما هو عليه.

وأضاف: "بقاء الوضع بهذا الشكل يعزز سيطرة الإمارات على أغلب المناطق الجنوبية والسواحل اليمنية، وعلى رأسها جزيرة سقطرى، التي تمثل جزءاً مهماً من أطماعها".

ولفت المصدر، الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته، إلى أن هذا التصوّر تعززه قيادة عيدروس الزبيدي الانفصاليين الجنوبيين، وهو الرجل الذي ثبت بالأدلة أنه ينسق بقوة مع الحوثيين في صنعاء.

وتابع المصدر: "ستعمل الإمارات على إبقاء الأوضاع على هذا النحو إلى أن تحين الفرصة المناسبة للانفصال العملي على الأرض. وهناك تصريحات لقيادات حوثية تدعم ما يقوم به الحراك الانفصالي، وخصوصاً دعوته الأخيرة لرحيل الحكومة الشرعية من عدن".

ومع اتهام الانفصاليين لحكومة هادي، الأسبوع الماضي، بالفساد وعدم الكفاءة، ومطالبتها بالاستقالة، أكد بن دغر أن "الإمارات هي صاحبة القرار اليوم في عدن"، داعياً قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، وكل العرب، لإنقاذ الموقف في المدينة.

- خلاف سعودي إماراتي

ثمة خلاف جوهري آخر يختمر في كواليس العلاقات السعودية-الإماراتية، ويتمثل في اختيار حليف جديد بعد مقتل الرئيس المخلوع علي صالح، لدعم الشرعية في مواجهة الحوثيين، ففي حين تبدو الرياض متوجِّهة نحو دعم حزب "الإصلاح" المحسوب على الإخوان المسلمين، فإن أبوظبي تبدو متحمسة لنجل الرئيس المخلوع.

وقبل مقتل صالح، التقى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بممثلين لـ"الإصلاح"؛ لبحث الأوضاع في اليمن. وعقب اللقاء قال قيادي بالحزب لـ"الخليج أونلاين"، إن اللقاء دار حول كيفية تقوية شوكة الشرعية ودعمها؛ لإنهاء المعركة التي أرهقت البلاد.

لكن بعد مقتل صالح بدت سياسة الإمارات، التي تخشى صعود نجم "الإصلاح"، واضحة، وهو ما أكده نائب رئيس الوزراء اليمني، عبد العزيز جباري، في مقابلة مع تلفزيون "يمن شباب"، منتصف ديسمبر 2017، بقوله: "الجيش الوطني باستطاعته حسم المعركة العسكرية، لكن هناك حسابات أخرى، فهناك من يفكر في أنه إذا انتصرت الشرعية على الحوثي فسيسيطر (الإصلاح) على اليمن".

اقرأ أيضاً :

الطيران الإماراتي يدعم تحرّكات الانفصاليين في عدن

وبعد انقلاب الحوثيين عام 2014، استقر أحمد علي صالح في أبوظبي، حيث كان يشغل منصب سفير اليمن لدى الإمارات بعد إبعاده من قيادة قوات الحرس الجمهوري، أكبر وأعظم تشكيلات الجيش اليمني.

- الإمارات تعيد تقسيم اليمن

ويقول المحلل السياسي اليمني، نبيل البكيري، لـ"الخليج أونلاين": إن "الدور الإماراتي في اليمن معروف منذ البداية، وليس جديداً على اليمنيين، وهو استكمال لمسلسل الانقلابات على ثورات الربيع العربي وحمل لواء الثوارت المضادة، وما حدث خلال اليومين الأخيرين ليس غريباً، لأن التدخل الإماراتي في اليمن كان واضحاً منذ البداية أنه بإرادة سعودية".

وأوضح قائلاً: "أجرت أبوظبي تغييرات في هيكلية مؤسسات الدولة اليمنية الأمنية والعسكرية والقبلية، وتأسيس مليشيات مناهضة لمؤسساتها، والآن تقود انقلاباً في الجنوب استكمالاً لإسقاط ثورة 11 فبراير 2011".

ورجح الخبير بالشأن اليمني أن هناك سيناريوهين اثنين؛ أولهما الذهاب إلى التقسيم وفق منظور إماراتي واضح، بحيث تكون الإمارات مسيطرة على كل شيء مع وجود حكومة شكلية ممثلة بالمجلس الانتقالي المدعوم من أبوظبي، ثم مواجهة الانقلاب في الشمال وفق آليات جديدة منها الاستعانة بقوات صالح ونظامه، حيث يتم الآن تشكيل أجهزة أمنية وعسكرية في الجنوب وإعدادهم لحين إعلان المواجهة.

أما الثاني، فيشير البكيري إلى أن "اليمن ستذهب إلى التقسيم وتبقى دولة غير فاعلة في المنظومة الدولية والإقليمية، لكن أيضاً يغفل هذا السيناريو حقيقة تعقيدات المجتمع اليمني، إذ لا يمكن لليمنيين أن يقبلوا بيمن جنوبي وشمالي، وستحصل حركات عصيان كبيرة تهدد مستقبل البلاد".

ورغم دور الإمارات الخفي والمعلن في دعم تقسيم أكثر من 5 بلاد عربية وإسلامية، وتأييد انقلابات فيها، وحملها لواء الثورات المضادة لثورات الربيع العربي، يرى المحلل اليمني أن الحكومة الشرعية قد تواجه انقلاب عدن، بتحويل التحالف العربي إلى "عدوان خارجي"، وأيضاً إعلان مقاومة شعبية للاحتلال، خصوصاً المناطق الجنوبية، التي تسيطر عليها مليشيات يمنية تتبع للإمارات، رغم صعوبة اتخاذ الشرعية للقرار بمواجهة التدخل السعودي - الإماراتي، "لذلك كل الاحتمالات واردة في ظل التعقيدات الحالية".

- تمرد على الشرعية

وتعليقاً على الدور الإماراتي في انقلاب عدن، يرى الإعلامي اليمني، طلال جامل، أن "الصراع الأخير والمواجهات العسكرية ليست وليد اللحظة، وإنما هي امتداد لنوع من الاحتقان من المكونات السياسية في الجنوب، فالبعض يريد الانفصال وآخر يريد الإصلاح، وآخر يرفض كلا الحلين، ويطالب بانفصال شامل بين الشمال والجنوب".

ويؤكد في حديث لـ"الخليج أونلاين": "رغم أن المجلس الانتقالي في الظاهر يدعو إلى إجراء إصلاحات وتغيير الحكومة، ويعترف بشرعية التحالف والشرعية، لكن ميدانياً هو يسعى إلى الاستيلاء على مناطق سيادية تابعة للسلطة الشرعية ومؤسسات حكومية في العاصمة المؤقتة عدن، وخلق مشهد سياسي معقد، مشابه لمشهد دخول قوات صالح والحوثي إلى صنعاء، وتأسيس ما عرف باتفاق السلم والشراكة. رغم الاختلاف بين الطرفين (الحوثي وصالح من جهة والمجلس الانتقالي من جهة أخرى)، لكن يمكن وصفه بأنه تمرد سياسي على الشرعية، وهم ضد الشرعية حالياً".

ويشير إلى أن "البعض ينظر إلى الوضع الحالي بتشاؤم، رغم دعوة الحكومة إلى حل المشاكل عبر الحوار، لكن الإمارات والتحالف العربي بصورة عامة قد جَزَّأ المُجَزَّأ وقسم المقسم".

ودعا الإعلامي اليمني "السعودية (قائدة التحالف) إلى وقف هذه المهزلة، وتوقيف مليشيات الزبيدي، وإلا فستشهد اليمن سقوط العاصمة المؤقتة وانقساماً كبيراً، وتذهب عدن بيد مليشيا المكون الجنوبي، ولاحقاً ستكون للمليشيات مطالب وحكومة، ثم المطالبة بالشراكة، ثم الاستقلال، ثم حكم ذاتي، والسير على سيناريو مليشيا الحوثي، التي لا تزال تسيطر على صنعاء وميناء الحديدة واستخدامه لتهريب السلاح".

وبالإضافة إلى ما ذكر فإن "دول التحالف ما زالت لم تقرر الحسم العسكري لظروف تراها غير مناسبة في هذه اللحظة، فمحافظة تعز وأكثر من 3 ملايين نسمة تحت القصف الحوثي، فالصورة في اليمن بشكل عام قاتمة. أتمنى على المملكة قائدة التحالف أن تحسم الأمر لمصلحة الشرعية، رغم أن الكثير يتهكم على هذه العبارة بالقول إن من جاء لحماية الشرعية هم الآن يقسمون اليمن، ويجزئونها إلى أجزاء".

وحول تضارب الأجندات والمصالح في اليمن، يقول الصحفي والإعلامي اليمني: إن "الأجندات متباينة في معسكر التحالف؛ الإمارات لها تحركاتها في الجنوب، منها الموانئ وسقطرى وباب المندب والمحيط الهندي وبحر العرب، والسعودية أيضاً لها أجندتها الخاصة، والكل يبرر أجندته بالعمل تحت مظلة التحالف، ومن يحاول الحديث عنها يلقى سيلاً من الاتهامات المغرضة".

وختم حديثه قائلاً: "لكن ما نرى على أرض الواقع هو أن الإمارات تنتج مليشيات وجماعات مسلحة مع الأسف، والكثير من المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية باتت بيد المليشيات الموالية لها".