تحريم الهجرة غير النظامية في الجزائر.. هل يوقف "قوارب الموت"؟

أمام تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية، أو كما يسمّيها الجزائريون "الحرقة"، تحرّكت مؤسّسات دينية رسمية بإصدار فتاوى بتحريمها، ما أثار جدلاً واسعاً بين الجزائريين في مدى قدرة هذه المؤسّسات على إقناع الشباب الجزائري بعدم خوض غمار التجربة نحو المجهول.

ويكشف آخر تقرير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (منظمة غير حكومية)، صدر في 27 من شهر يناير الماضي، عن حجم الظاهرة ومدى تفاقمها.

التقرير الذي حصل "الخليج أونلاين" على نسخة منه، يستند إلى إحصائيات لقيادة حرس السواحل التابعة للقوات البحرية التي تنشرها في موقعها الرسمي يومياً، ويشير إلى أن حرس الشواطئ للقوات البحرية سجّل إحباط محاولات هجرة غير شرعية لـ 3109 مهاجرين، منذ بداية يناير 2017 إلى نهاية ديسمبر من ذات العام، من بينهم 186 امرأة، و840 طفلاً قاصراً.

محمود جنان، الأمين الوطني المكلّف بالجالية والعلاقة الخارجية للرابطة، يؤكّد لــ "الخليج أونلاين" أن "إحصائيات حرس السواحل التابعة للقوات البحرية لا تعكس العدد الحقيقي؛ لأنها لا تضمّ أرقام المهاجرين الذين نجحوا فعلاً في الوصول إلى الضفة الأخرى من أوروبا، والتي قدّرها بنحو 17500 مهاجر غير شرعي".

وحذّرت الرابطة في تقريرها من "تنامي تجارة البشر في البحر الأبيض المتوسط، التي أصبح امتدادها يشكّل خطراً على الدول النامية والفقيرة، وذلك بالانتقال إلى المهرّبين، والذين يجدون من تهريب البشر والاتّجار بهم مكسباً مالياً يضاهي التجارة بالمخدرات".

وكشف التقرير أن "المهرّبين يجنون نحو 6 مليارات و800 مليون دولار سنوياً، ونحو 60 ألف دولار أسبوعياً عبر البحر الأبيض المتوسّط، وأن تذكرة الهجرة غير الشرعيّة يُقدّر سعرها بين ألف إلى 10 آلاف دولار أمريكي، وتختلف الأرقام حسب الدولة المصدّرة للمهاجرين".

اقرأ أيضاً :

الحراكة.. مهاجرون نحو المجهول يبحثون عن "نعيم أوروبا"

- أرقام مقلقة

تنامي الظاهرة -حسب المختصّين- يؤكّد فشل إجراءات الحكومة لاحتواء المشكلة التي تحصد أرواح الشباب الجزائري، فمنذ عام 2009 أقرّت الحكومة حزمة قوانين أهمّها تجريم الهجرة غير النظامية، والحكم على مرتكبها بالسجن ما بين ثلاثة إلى تسعة أشهر، مع تجريم عناصر شبكات الهجرة غير النظامية بالسجن لمدة خمس سنوات.

وتعتقد المنظمة الحقوقية أنه كان من الواجب على الحكومة معالجة أسباب الظاهرة، والتي تتعلّق بـ "فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي اعتُمدت في الجزائر، وانتشار الفساد، مع احتكار الثروة في يد فئة لا تتجاوز 10% من الأشخاص، ما جعل نسبة البطالة تتجاوز 35% بين أوساط الشباب، ما يدفعهم للهجرة".

وأمام فشل الحكومة في مواجهة الظاهرة وتناميها، تحرّكت المؤسّسة الدينية من خلال المجلس الإسلامي الأعلى التابع لرئاسة الجمهورية، وهو أعلى سلطة إفتاء في الجزائر، بإصدار تحريم الهجرة غير النظامية؛ بحجّة التأدية بالنفس إلى التهلكة، وهي الفتوى التي سارع وزير الشؤون الدينية، محمد عيسى، إلى تأييدها.

وأكّد عيسى، في تصريح للصحفيين على هامش لقاء عُقد في البرلمان، ضرورة عدم الاكتفاء بتحريم الظاهرة، بل توعية الشباب بمخاطرها على أرواحهم وأُسرهم، داعياً أئمّة المساجد إلى القيام بهذا الدور بشكل فاعل وموسّع.

اقرأ أيضاً :

ترامب يَعد المهاجرين "الحالمين" بالجنسية

- تحريم الأسباب

فتوى التحريم أثارت ردود فعل رافضة ومنتقدة لها، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي علّق نشطاء ردّاً على المؤسّسات الدينية التي أصدرتها بقولهم إن التحريم يجب أن يطول الأسباب التي تدفع بالشباب اليائس إلى امتطاء قوارب الموت بدل البقاء في بلد لا أمل في أفقه.

وكتب الإعلامي نصر الدين قاسم، عبر صفحته الرسمية في "فيسبوك" معلّقاً: إن "تحريم علماء السلطان للهجرة سيزيد إقبال الشباب عليها".

وتساءل بالمقابل الناشط محمد لويزي بقوله: "كيف تُحرّم الهجرة السرّية ويَنسى من أصدر الفتوى ظلم وفساد وطغيان من أمروه بقوله هذا؟"، ويتابع متسائلاً: "أما هاجر سيد الخلق عليه السلام وطنه مكة هروباً من ظلم قريش وطغيانها؟ لو كانت الحكومة عادلة لما هاجر شبابنا بحثاً عن عدل بلدان النصارى"، بحسب تعبيره.

من جانبه أكّد رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، عبد الرزاق قسوم، أن الأهم في هذا الموضوع ليس تحريم الفعل أو تجريمه، مشدّداً على عدم التدخّل أو التعليق على فتوى المجلس الإسلامي الذي يضمّ برأيه مشايخ وعلماء محترمين.

وشدّد قسوم في حديثه لـ "الخليج أونلاين" على أن السؤال الواجب طرحه في هذا الجانب هو: "هل يجوز شرعاً حرمان هؤلاء الشباب والشابات من حقّهم في الحياة الكريمة من خلال حرمانهم من الحق في فرص العمل وتكوين أسرة؟"، مشدداً على ضرورة "البحث عن الظروف والأسباب التي تدفع بهؤلاء الشباب إلى امتطاء قوارب الموت بدلاً من البقاء في وطنهم وبين أسرهم".