• العبارة بالضبط

هكذا تكافئ إسرائيل "الخونة".. ماذا تعرف عن "قرية العملاء"؟

في مكان بعيد لا يوجد على خريطة "إسرائيل"، ولا يتبع أي بلدية أو دائرة حكومية، ويفتقر إلى كافة الخدمات الآدمية والإنسانية، تحاول دولة الاحتلال أن تُخفي "ماضيها الأسود" في صناعة العملاء لصالح أجهزة مخابراتها داخل الأراضي الفلسطينية ومصيرهم المجهول.

"قرية العملاء" هو الاسم الوحيد الذي يُطلق على قرية صغيرة مؤقتة، يعيش بداخلها المئات ممّن تورّطوا في عمليات قتل وتجسّس لصالح الاحتلال طوال السنوات الماضية، فكانت شاهداً حياً على المكافأة و"رد الجميل" الذي تقدّمه إسرائيل لعملائها بعد "حرق أوراقهم".

ومنذ العام 2005، وتحديداً بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ونقل القرية من القطاع إلى شمال النقب المحتلّ، تحاول إسرائيل أن تُخفي فضائحها، وأن تُبعد تلك القرية بأسرارها عن وسائل الإعلام، لكن قناة "كان" الإسرائيلية نجحت في اختراق تلك الحصون وكشف المستور.

- أصل الحكاية

أظهر التقرير التلفزيوني، الذي أعاد إحياء القضيّة من جديد، حجم المعاناة الإنسانية الكبيرة التي يعاني منها مئات العملاء وعائلاتهم داخل القرية، ومدى تجاهل سلطات الاحتلال لهم ولمطالبهم، وحتى عدم صرف رواتب لهم "كردّ جميل على خدمتهم لإسرائيل"، وتركهم يعانون الأمرّين في ظروف قاسية داخل الصحراء.

فهؤلاء العملاء واقعون بين نارين؛ نار الخشية من الانتقام منهم فلسطينياً وتنفيذ عقوبة الإعدام بحقهم بسبب عمالتهم، ونار عدم وجود أي بديل لهم للعيش إلا في المكان الذي يفرضه عليهم الاحتلال.

وأجرى معدّ التقرير لقاءات مع العديد من سكان القرية، والتي بدت عليها ملامح الفقر والمرض والتهميش يحيط بها من كل جانب، فعبّر أهالي القرية (العملاء السابقون) عن غضبهم من تجاهل إسرائيل لهم، وتركهم عرضة للموت والهلاك كنوع من "ردّ للجميل الذين قدموه للدولة العبرية".

وأقام جيش الاحتلال "قرية العملاء" قرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، مطلع عقد السبعينيات من القرن العشرين، وأسكن فيها قبيلة ارميلات التي أقام على أراضيها مستوطنة "ياميت" في سيناء.

وبعد الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، تم تفكيك مستوطنة "ياميت"، فقرّرت عائلات من عشيرة ارميلات العودة إلى أراضيها، في حين اختارت عشرات العائلات التي كانت قد تعاونت مع إسرائيل أن تبقى تحت رعايتها، فتم نقلها إلى غزة، ثم بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2005، نُقلوا إلى قرية مؤقّتة شمال النقب المحتل.

وإضافة إلى السكان القادمين من سيناء، فإن القرية تضم أيضاً فلسطينيين عملاء لجيش الاحتلال، هربوا من الضفة الغربية وقطاع غزة إبان الانتفاضة الأولى، بعد اشتداد ملاحقة الفصائل الفلسطينية للعملاء، ومن هنا أصبحت القرية تُعرف في غزة باسم "قرية العملاء"، وقد سلّح جيش الاحتلال سكّانها، وأحاطها بجدار وسياج شائك.

اقرأ أيضاً :

مقدمة لاغتياله.. ما خيارات حماس بعد التصعيد الأمريكي ضد هنية؟

- مكافأة نهاية الخدمة

وبعد إقامة السلطة الفلسطينية، خضعت "قرية العملاء" لإدارة قسم التنسيق في جيش الاحتلال، وأصدر مسؤولون إسرائيليون تصريحات هجومية على سكان القرية، وقالوا إنهم يبالغون بشأن "الخدمات" التي قدموها لإسرائيل، زاعمين أن عداء الفلسطينيين لهم "ناجم عن سلوكهم الإجرامي" وليس بسبب تعاونهم مع الاحتلال.

وأقام جيش الاحتلال منازل مؤقتة من الصفيح لـ 40 أسرة في "تل عراد" في النقب، وقرى بدوية لا تعترف إسرائيل بها، لكن أهالي النقب رفضوا هذه الخطوة، ويقول العملاء إنهم تعرّضوا لإطلاق نار صوب منازلهم، وتم "التحريض" ضدهم في المساجد، ليقرّر الاحتلال نقلهم لشمال النقب، دون إطلاق أي اسم على القرية الجديدة التي يعيش فيها الآن 400 شخص، ويجري هدم أي بيت صفيح يقيمونه بحجة عدم الترخيص.

وهنا يؤكّد حسام الدجني، المختص بالشأن الفلسطيني والشرق أوسطي، أن "العملاء" بالنسبة إلى دولة الاحتلال هم ورقة تُستخدم لمرة واحدة فقط ومن ثم تُلقى في سلة المهملات دون أي حاجة لها، وهذه سياسة إسرائيل منذ سنوات طويلة.

وفي تصريحات خاصة لـ "الخليج أونلاين"، يقول الدجني: "إسرائيل لا تكترث كثيراً لعملائها، ومن يتم القبض عليه منهم من قبل المقاومة تتركه ليواجه مصيره وحده، ومن يفرّ ويلجأ لها تبقيه تحت الذل والإهانة حتى يموت".

ويضيف: "قرية العملاء هي دليل كافٍ على كيفية تعامل إسرائيل مع عملائها بعد أن حُرقت أوراقهم وتم كشفهم من قبل المقاومة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الاحتلال حاول جاهداً إخفاء أسرار القرية، لكن ما كُشف مؤخّراً يفضح ادعاءات الاحتلال بحماية عملائه وتوفير حياة كريمة لهم".

ولفت الدجني إلى أن الاحتلال قدّم الذلّ والإهانة والتشرّد كمكافأة نهاية الخدمة لعملائه، الذين ضحّوا بدينهم ووطنهم وعائلاتهم لأجل إسرائيل، متمنّياً أن تكون تلك النهاية بمنزلة إنذار لكافة العملاء المرتبطين مع الاحتلال، وتسليم أنفسهم قبل أن تكون نهايتهم "الذل والإهانة".

بدوره أكّد محمد شاهين، المختصّ في الشؤون الإسرائيلية، أن العميل يبقى ورقة رابحة لأجهزة المخابرات والجيش الإسرائيلي طالما لم يُكشف أمره، وفي حال كُشفت هويّتُه تصبح تلك الورقة لا فائدة منها ويكون مصيره في "قرية العملاء"، في حال تمكّن من الفرار من المقاومة الفلسطينية.

ويضيف شاهين لـ "الخليج أونلاين"، "قرية العملاء هي شاهد حي على معاملة إسرائيل لعملائها الفلسطينيين والعرب، وطالما كانت تسعى لإخفاء فضائحها بتلك القرية حتى لا يخاف عملاؤها من هذا المصير، إلا أن ذلك تم كشفه، وسيكون لها ردات فعل غاضبة من العملاء المتواصلين مع الاحتلال خلال الفترة المقبلة".

ويتابع حديثه: "يعيش بتلك القرية المئات من العملاء الحقيقيين والذين يقومون بأعمال أمنيّة وأعمال حراسة وتمشيط للحدود وإيقاع بالمقاومين، والبعض منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، وبعضهم يحملون تصاريح إقامة، وآخرون لا يزالون ببطاقة هوية غير إسرائيلية".

ويشير إلى أن نشر صور تلك القرية ومعاناة سكانها يضرّ كثيراً بأجهزة المخابرات الإسرائيلية، ويعطّل مشاريعها في إيقاع الفلسطينيين بوحل العمالة، وستكون ضربة قاسية لها.