رويترز: "معركة الجثث" تستعر تحت ركام الموصل القديمة

يبدي سكان محليون في الموصل امتعاضهم من تقاعس الحكومة العراقية وسوء إجراءاتها في التعامل مع صعوبة العيش الذي يواجه أهالي المدينة وسط الجثث وركام المباني، بعد حرب شرسة ومعارك عنيفة خاضتها ضد تنظيم "داعش"، ويتهم السكان الحكومة بالتخلي عن وعودها لأهالي المدينة المنكوبة.

وبحسب تقرير لوكالة "رويترز" نشرته الاثنين، يدرك العراقيون الذين عادوا إلى الحي القديم في الموصل أن من الصعب العيش وسط الركام الذي خلفته المعركة مع تنظيم "داعش"، لكن ثمة أمراً واحداً في المنطقة يجدون أنه لا يطاق بعد مرور سبعة أشهر على توقف القتال، ألا وهو العيش وسط جثث الموتى المتروكة تحت الأنقاض ، وهي مشكلة يبدو أن الحكومة عاجزة أمامها.

ويقول سكان ومسؤولون بمدينة الموصل، ذات الغالبية السنية، إن جثث آلاف من المدنيين لم تُنتشل بعد من الأنقاض بسبب رفض الحكومة العراقية لذلك.

عبد الرزاق عبد الله عاد مع زوجته وأطفاله الثلاثة إلى الحي الذي شهد آخر معركة خاضها عناصر التنظيم، في يوليو الماضي، مع القوات العراقية وقوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ويقول: "لا أريد أن يمشي أطفالي بجوار جثث قتلى في الشارع كل يوم".

وأضاف لـ"رويترز": "نقدر على العيش بلا كهرباء لكننا نحتاج لأن ترفع الحكومة الجثث؛ فهي تنشر الأمراض وتذكرنا بالفظائع التي عشناها".

ويقول الدفاع المدني إنه جمع جثث 2585 مدنياً حتى منتصف يناير الماضي، لم يتم التعرف على أصحاب الكثير منها، ويؤكد أنه استكمل عملياته ولا يريد إهدار موارده على جثث عناصر التنظيم.

ويقول العميد محمد محمود، رئيس قوات الدفاع المدني في المدينة: "لا توجد جثث أخرى لمدنيين لانتشالها في الموصل.. لماذا نمنح الإرهابيين (فرصة) الدفن اللائق؟".

وبالرغم من تبريراته فإن الدفاع المدني التابع لوزارة الداخلية هو المكلف برفع الجثث وإصدار شهادات الوفاة.

ويهدد الخلاف على جثث القتلى بزيادة غضب سكان المدينة الذين أرهقتهم حرب صعبة وحكم "داعش" القاسي. كذلك فإن العدد النهائي للقتلى من المدنيين مسألة سياسية لها حساسية كبرى في العراق، بل وخارجه.

وتقول "رويترز" إن مديرية البلدية اضطرت إلى تشكيل فريقها المتخصص لتلقي طلبات سكان المدينة للعثور على أكثر من 9 آلاف مفقود أغلبهم كانت آخر مرة يشاهدون فيها في الحي القديم، ومن المفترض أنهم دفنوا تحت الركام.

اقرأ أيضاً :

نيويورك تايمز: "داعش" لم يُهزم ومقاتلوه بانتظار جولة حرب جديدة

ولم تذكر مديرية البلدية في الموصل العدد المحدد للخسائر البشرية في صفوف المدنيين غير أن رئيسها عبد الستار الحبو، قال إنه يتفق مع تقديرات بمقتل نحو عشرة آلاف مدني خلال المعركة، بناء على تقارير المفقودين ومعلومات عن القتلى من المسؤولين. ويشمل الرقم ضحايا القتال البري وضحايا قصف قوات التحالف.

دريد حازم محمد، رئيس لجنة انتشال الجثث بمديرية البلدية، قال للوكالة: "لا نعرف عدد الجثث الأخرى تحت الركام (...) إذا لم تتصل بنا أسرة أو شاهد رأى الناس يموتون لإبلاغنا على وجه التحديد بعدد الجثث في موقع ما فلا سبيل لنا لمعرفة ما إذا كانت هناك جثة أو خمسة أو 100 مدفونة فيه".

ويقول سكان محليون إنه تم حفر قبور جماعية مع اشتداد حدة المعركة، وما لا يقل عن 100 من جيرانهم دفنوا بشكل جماعي في قبور غير عميقة في باحة مسجد "أم التسعة" بالحي القديم.

ويوضح محمود كريم: "دفنت أنا بنفسي بين 50 و60 شخصاً، بيدي، بينما كانت الطائرات تحلق فوق الرؤوس وتقصف المدينة".

وقال متحدث باسم التحالف الدولي بقيادة واشنطن، إن الجيش الأمريكي يعترف بقتل 321 فرداً ضمن عشرات التقارير عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين بسبب الغارات الجوية لقوات التحالف قرب الموصل. والتحقيق ما زال جارياً في 100 تقرير آخر عن سقوط ضحايا من ضربات التحالف كل منها يشير إلى قتيل أو عدة قتلى.

ويقول صاحب بيت في الحي القديم طلب حجب اسمه، خوفاً من رد فعل المسؤولين، إنه ظل أسابيع يطلب من الدفاع المدني المجيء ورفع جثتين من حجرة النوم الرئيسية في بيته بالطابق السفلي. وقد تحللت الجثتان لكن من الواضح من الملابس أنهما لامرأة وطفل.

وقال الرجل: "الدفاع المدني رفض لأنهم قالوا إن المرأة والطفل من داعش (...) قالوا إنهم يعاقبونني لأنهم يعتقدون أنني أيدت داعش".

ويمر السكان قرب أكثر من 348 جثة تعود لعناصر التنظيم في طريقهم لجلب المياه من المضخات المؤقتة في أحد الشوارع، بينما يلعب أطفال صغار على مسافة غير بعيدة من جثتين على عتبة أحد البيوت.

ويعرقل جهود فريق الانتشال التابع لمديرية البلدية قلة الأموال المخصصة لهم، ففي عدة أيام خلال يناير الماضي اضطر أفراد الفريق لوقف العمليات لنقص القفازات والأقنعة وأكياس الجثث.

في حين لجأت بعض العائلات إلى الحفر بنفسها لاستخراج جثث ذويها، وآخرون أشعلوا النار في الجثث المتفسخة في بيوتهم للتخلص من الروائح والذباب والأمراض، بعد رفض فريق البلدية معالجة مثل هذه الحالات، وسط رعب من انفجار ألغام زرعها التنظيم في المنازل.

ومع حرق بعض الأهالي للجثث بهدف التخلص منها والعودة إلى بيوتهم، ينفق معظم السكان أموالهم لشراء قطع من القماش المشمع لتغطية الفجوات الكبيرة في منازلهم المحطمة بدلاً من النوافذ والأبواب، فضلاً عن شراء مواد للتعقيم؛ في محاولة لإزالة الآثار حتى تتمكن الأسر من العودة إلى البيت رغم وجود رائحة الموت.