• العبارة بالضبط

فرح بالطلاق.. ما الدافع وراء الاحتفال بـ"أبغض الحلال"؟

علاقة حبٍّ جمعتهم شهد عليها متابعوهم على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أعلنوا زواجهم ونشروا صوراً تجمعهم في لحظات قربهم وسعادتهم، حتى تمنّى كثيرون أن يحظوا بعلاقة زوجية متناسقة مثلهم، وفجأة تعلن الزوجة طلاقها بفرح عبر ذات المنصّة، منتظرة "التهاني والتبريكات".

"طلاق موديرن"، أو على الموضة، بهذه الكلمات وصف ناشطون إعلاناً نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أغضب البعض وأفرح آخرين.

"أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، حديث شريف (اختلف العلماء في وصله وإرساله، ومنهم من ضعّفه)، وإن كان معناه أن الطلاق حلال؛ ولكن في حال كانت هناك حاجة مُلحّة له؛ لما فيه من التفرقة بين الرجل وزوجته. ولكن عند إعلان الطلاق والتفريق بين المرء وأهله وانتظار التبريكات، أين يكون الحُب والعشرة؟

الاستشاري الأسري الأردني مراد حبايبه، يقول: إن "القمر الذي تغنّى به العاشقون لا يكون بدراً طوال الوقت، بل ليلة واحدة في الشهر، وله جانب مظلم لا يُرى عن بعد، وكذلك هو حال البشر؛ نرى جوانبهم المشرقة عن بعد، ولكن لهم جوانب أخرى قد تكون مكروهة".

ولأن الزواج رابط معقّد يجمع بين شخصين فكراً وعاطفة وإرادة وطباعاً وميولاً وتربية للأبناء وشراكة في التفاصيل، فإن الميل والتفاهم عن بعد قد لا يتحقق عن قرب، إما لمشكلات وعيوب حقيقية لا تظهر إلا بالعشرة القريبة، أو لمجرد الاختلاف بين الشخصين لدرجة التنافر الشديد بينهما، وذلك علاوة على بعض المشكلات المتعلّقة بأبعاد اجتماعية ومالية أو خاصة جداً، وفق حبايبه.

وبيّن الاستشاري الأسري لـ "الخليج أونلاين" أن "الاختلافات طبيعية، وقد تصل إلى حدّ الطلاق أحياناً، لذلك يمكن تشبيهه بالقتال (كرهٌ لكم)، أي تكرهه النفس البشرية"، موضحاً أنه "لا يوجد طلاقٌ ممتعٌ.. هناك طلاق عادل أو ظالم تكرهه النفس لكن قد يكون فيه الخير".

اقرأ أيضاً :

السعودية.. أكثر من 5000 حالة طلاق خلال شهر

- تخفيف للألم

لكن إذا كان هذا هو الحال وتكرهه النفس السوية إلا لعلّة معتبرة، فلماذا يُظهر البعض عند الطلاق طابعاً احتفالياً؟ ولماذا يتم استقبال "التهاني والتبريكات" في أمر من المفروض أنه يرتبط بألم لا بفرح؟

يمكن تفسير الظاهرة، وفق الاستشاري، من عدة نواحٍ؛ أوّلها أن الإنسان يبحث عن شعور مخفّف للألم، فبدلاً من ترك المشاعر المؤلمة حتى تهدأ تدريجياً قد يلجأ للتخفيف منها بشعور معاكس وهو الفرح.

ومن ناحية أخرى، يقول حبايبه لـ "الخليج أونلاين": إن "الطلاق قد يؤثّر في سمعة الإنسان سلباً. فقد يلجأ أحد الطرفين أو كلاهما لإظهار الطابع الاحتفالي عنده كوسيلة دفاعية يُظهر فيها أنه الطرف البريء والآخر هو المَلُوم أو السيئ".

بمعنى أن "السعيد هو من كسب من الطلاق بتخلّصه من العنصر السيئ، والآخر هو الحزين لكونه الخاسر بخسارته للجيد". ويتابع: "قد يكون السبب في الاحتفال الإمعان في إيذاء الطرف الآخر، أو لاستفزازه وزيادة الطين بلّة".

وفي زمن سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي وتوسّع دائرة العلاقات الاجتماعية يقول الاستشاري الأسري: "من غير المستغرب أن يتم إعلان الطلاق على العلن كما تم من قبلُ الإعلان عن الارتباط على العلن".

ويرى حبايبه أن من آداب الانفصال -عند حصوله لعلّة معتبرة- أن يتم بإحسان كما قال الله تعالى: {فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}، لكنه يبيّن أنه "ليس من الإحسان ولا حسن العشرة التشهير بالطرف الآخر على الملأ".

ويمكن أن يقتصر الأمر في إعلان الطلاق أن يُقال: "الله قدّر ألّا يستمرّ هذا الأمر، دون الخوض في تفاصيل، أما حيّثيات الانفصال فتقتصر على العائلة الضيّقة والقضاء، وعند الرغبة بالارتباط بشخص آخر، وعند الضرورة فقط"، وفق الاستشاري.

اقرأ أيضاً :

خبراء: الحداثة ومواقع التواصل رفعتا نسبة الطلاق بمصر

- دفاع عن النفس

وتتعدّد آراء الفتيات حول الإعلان الاحتفالي للطلاق على "فيسبوك"، وتقول نور أبو غوش: إن "كل إنسان حرٌّ في التعبير عن شعوره، لكن دون كشفه عن أسرار أو عورات العلاقة".

وتتابع لـ "الخليج أونلاين" أنه يحزنها عندما يكون المنشور يشير إلى السبب، مبيّنة أنه "من حق الناس أن تعرف الطلاق، لكن ليس من حقها معرفة الأسباب".

أما فداء حمدان فتقول: إن "طبيعة المجتمع تُحمّل المرأة مسؤولية الطلاق بأنها هي من أوصلت العلاقة إلى هنا، وحتى تدافع عن نفسها إما أن تصبح غير مبالية، أو أن تُظهر نفسها كامرأة قوية متحرّرة جاهزة للتصدّي لأي انتقاد، فقط لتحفظ ما بقي من قلبها بخير".

وبيّنت حمدان لـ "الخليج أونلاين" أنه في الوضع الطبيعي يحتاج الإنسان إلى أن يتعامل بحذر ورُقيّ في اختيار الكلمات، فكيف إذا كانت هذه الكلمات عن الطلاق؟

- انصهار بوسائل التواصل

أما رغدة خليل فطرحت سؤالاً عبر صفحتها على "فيسبوك" لمعرفة آراء البعض حول الإعلان عن الطلاق بهذه الطريقة.

وحول سبب طرحها للسؤال قالت خليل لـ "الخليج أونلاين": إن "ما دفعني أنه من غير المعتاد في المجتمع الإعلان عن الطلاق بنشر منشور مشترك من قبل الطرفين"، وتساءلت: "هل هم متّفقون فعلاً وإلى هذا الحدّ في أن يجعلوا المنشور واحداً ومشتركاً بينهم وعلى العام عبر منصّات التفاعل للإعلان عن انفصالهما بكل سرور، والأسف قليل؟".

وأردفت: "أظن أن أمور الارتباط والانفصال ما زالت تحت لائحة الأمور الشخصية، والتي لا علاقة لأحد بشأنها مهما كانت طريقتها وتفاصيلها".

وبيّنت أن الإعلان بهذه الطريقة يكون "ليكسب كلّ منهما قوّة (مصطنعة)، كل طرف يوهم بها نفسه، ولكن سرعان ما تذوب وتنتهي في أول تفصيل يتم ذكره لاحقاً من التفاصيل والأسباب التي أدّت إلى انفصالهما.. وهذا لا يُعمّم أكيد، لكن شاهدته في بعض الحالات".

وكان التفاعل مع المنشور الذي نشرته خليل على صفحتها كبيراً، وتعدّدت تفسيراته في الردود عليه، فمنهم من أرجع السبب إلى التكنولوجيا التي أصبحت تُسيطر على حياة الناس، ولِهَوسِ المثاليّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ومنهم من قال إن طريقة التعبير عن الانفصال تعود إلى الأشخاص أنفسهم، وهذه حرية شخصية لا أحد يحقّ له التدخّل بها. ومن أكّد أن البيوت أسرار ولا يحقّ نشر هذه الأمور الخاصة على الملأ.