• العبارة بالضبط

معبر رفح ومعاناة 27 عاماً.. نافذة غزة المغلقة على العالم

حين يفتح معبر رفح أبوابه يتنفّس مليونا فلسطيني في قطاع غزة الصعداء، غير متجاهلين حجم المعاناة التي تنتظر الآلاف منهم، والذين قد يقابَلون بإرجاع مصري أو رفض إسرائيلي.

معاناة معبر رفح قديمة حديثة، بدأت في الوقت الذي كانت تسيطر فيه إسرائيل على قطاع غزة، قبل أن تنسحب منه عام 2005، اشتدّت عقب فوز حركة "حماس" في انتخابات 2006، وتدّرجت الأزمة في قسوتها حتى يومنا هذا.

وبين فتح وإغلاق وتضييق وانفراج، عاش مئات الآلاف من الفلسطينيين على أمل أن تُحلّ أزمة المعبر الذي يشكّل متنفّساً وحيداً للمواطنين في غزة، ونافذتهم على العالم الخارجي.

"الخليج أونلاين" رصد مراحل معاناة الفلسطينيين على معبر رفح منذ عام 2000، مستنداً إلى تقارير وإحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية في غزة (2009-2017)، وتقرير لمركز "مسلك" للدفاع عن حرية الحركة (مارس 2009).

- وجع ما قبل الأزمة (2000 – 2004)

عقب اندلاع انتفاضة الأقصى، في ديسمبر 2000، بدأت إسرائيل بإغلاق معبر رفح، وحظرت أي حركة فيه، وفي الوقت نفسه منعت سكان القطاع من السفر إلى الخارج بالطرق الأخرى، قبل أن تستولي عليه بشكل مطلق، في ديسمبر 2004.

التضييق الحقيقي على الفلسطينيين بغزة لم يكن جديداً، لكنه بدأ بشكل صريح عام 2003؛ حين فرضت إسرائيل حظراً استمرّ 4 أشهر ونصفاً على مرور الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عاماً، ومن ضمنهم المرضى.

وشهد المعبر أيضاً حظراً مماثلاً لمدة 10 أشهر، من نيسان 2004 حتى شباط 2005.

المسافرين بين 2000 و2004

ديسمبر 2004 وحتى يناير 2005، أطول فترة إغلاق للمعبر، بعد عملية أطلقت عليها حماس اسم "براكين الغضب"، فجّرت خلالها نفقاً تحت موقع "جي في تي" القريب من معبر رفح، ما أسفر عن مقتل 5 جنود إسرائيليين.

على أثر ذلك بقي المعبر مغلقاً مدة 40 يوماً من جهة الدخول، و52 يوماً خروجاً، وفرضت إسرائيل قيوداً مشدّدة "لأسباب أمنية" على حركة الفلسطينيين لفترات زمنية مختلفة، وبدأ يشيع مصطلح "مرفوض أمنياً".

- انفراجة محدودة (2004 – 2005)

عقب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة سنة 2005، ازداد عدد المسافرين عبر معبر رفح ليصل إلى 1280 شخصاً في اليوم الواحد، لكن الحال تعثّر عقب إغلاق إسرائيل (التي بقيت مسيطرة على منافذ غزة) ومصر المعبر، في انتظار آلية تشغيل جديدة.

بقي المعبر مغلقاً بالكامل تقريباً لنحو شهرين ونصف، إلى حين توقيع اتفاقية المعابر، في نوفمبر 2005، بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بوساطة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر.

وعلى الرغم من أن الاتفاقية لم تكن منصفة للفلسطينيين، الذين لم يتمتّعوا بسيطرة كاملة على المعبر (وفق نص الاتفاق)، فإن هذه الفترة يمكن وصفها بالذهبية، نظراً لتشابهها مع تلك التي سبقت فرض القيود الإسرائيلية على عمل المعبر.

وخلال الأشهر السبعة الأولى لتطبيق الاتفاقية (25 نوفمبر 2005 - 24 يونيو 2006) عمل المعبر بشكل منظّم ووفقاً للترتيبات التي نصّ الاتفاق عليها، إذ كان يعمل يومياً لأكثر من 9 ساعات ونصف بالمتوسّط، مسجلاً مرور 1320 شخصاً بالاتجاهين.

لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب، وبدأت الأزمة الفعلية التي يعاني منها الفلسطينيون حتى اليوم؛ بعد عملية للمقاومة الفلسطينية في موقع "كرم أبو سالم" العسكري، التي أسفرت عن أسر الجندي جلعاد شاليط، في يونيو 2006.

في اليوم نفسه أغلقت إسرائيل، التي كانت قد انسحبت من غزة قبل أقل من عام، المعبر بشكل كامل، وأوقفت العمل باتفاقية المعابر، في محاولة للضغط على القطاع لتسليم الجندي الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً :

حدثان متلازمان.. ما علاقة معبر رفح مع تفجيرات سيناء؟

- فصل جديد من المعاناة (2006 – 2009)

ومنذ ذلك اليوم بقي المعبر مغلقاً، في واحدة من أقسى الفترات التي عاشها الفلسطينيون؛ إذ كانت إسرائيل لا تفتحه إلا نادراً جداً لحالات محدودة فقط، كعبور الوفيات والمرضى، وبعض الأحداث الاستثنائية.

الإغلاق المتكرّر للمعبر خلق حالة بالغة الصعوبة والخطر، مشحونة بالضغط على أكثر من مليون ونصف مليون قاطن في غزة، كانوا ينتظرون على أحرّ من الجمر فتحه لساعات محدودة ونادرة.

وظل الحال عسيراً، وفي تلك الفترة كانت حماس قد فازت بانتخابات برلمانية جرت في يناير من نفس العام، لكنها قُوبلت برفض داخلي من قبل السلطة، ما أدّى إلى اقتتال مع حركة فتح، سيطرت بموجبه حركة المقاومة الإسلامية على قطاع غزة.

ومنذ أسر شاليط وحتى إدارة حماس لقطاع غزة، بقي المعبر مغلقاً لمدة 265 يوماً من أصل 365، وقد سُجّل عبور أكثر من 163 ألف شخص بالاتجاهين، ما يعني حرمان نحو 850 شخصاً يومياً من السفر، مقارنة بالفترة ما بين 2004 - 2005.

2005-2008

استلام حماس زمام الحكم في غزة، في يونيو 2007، دفع أجهزة السلطة التي كانت تدير معبر رفح إلى الانسحاب، وكذلك الأمر من السلطات المصرية التي أوقفت العمل كلياً، وأبقت بدورها المعبر مغلقاً، في حين علق في الجانب المصري أكثر من 6 آلاف فلسطيني.

استمرّت معاناة هؤلاء أكثر من شهرين، إلى أن توصّلت إسرائيل ومصر والسلطة إلى اتفاق، في نهاية يوليو 2007، سُمح بموجبه للعالقين على الطرف المصري بالوصول إلى قطاع غزة عبر معبر "العوجة"، ثم "بيت حانون/ إيريز" (تسيطر عليهما إسرائيل).

عاد المعبر للإغلاق المتواصل باستثناء فتحه لعبور الحجاج وعودتهم نهاية عام 2007، وبعدها تفاقمت حاجة سكان القطاع الماسّة للخروج من القطاع، ما دفع أهالي قطاع غزة إلى اقتحام السياج الحدودي الفاصل والدخول إلى مصر، مطلع 2008.

وبقرار السلطات المصرية وبمشاركة عناصر من أمن حكومة حماس آنذاك، أُعيد إغلاق الحدود، وفي شهري فبراير ومارس 2008، شهد قطاع غزة عملية عسكرية أدّت لاستشهاد 107 فلسطينيين، وبسببها فتحت مصر المعبر لعبور الحالات الطارئة.

استمرّ عمل المعبر بتذبذب أعداد المغادرين والعائدين منذ مطلع فبراير 2008، إلى حين اندلاع الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة في 27 ديسمبر 2008، والتي بسببها أعادت مصر إغلاق المعبر.

ومنذ يونيو 2007 إلى حين اندلاع حرب 2008، أي لمدة تزيد عن سنة ونصف، فتحت السلطات المصرية معبر رفح 96 يوماً، استطاع آنذاك 11 ألف فلسطيني السفر على فترات متقطّعة، معظمهم من الحجاج والحالات الإنسانية.

خلال 2008

وبعدها ظلّ المعبر مغلقاً ويعمل بشكل متقطّع، وبدأت شيئاً فشيئاً تنعكس الظروف التي تشهدها الساحة المصرية على آليّة عمل المعبر الذي لم يفتح سوى 35 يوماً بسفر 29 ألف شخص، خلال عام 2009.

في تلك الفترة كان يحكم مصر الرئيس المخلوع، حسني مبارك، والذي كان يتحجج بأن إغلاق المعبر يحتاج إلى تنسيق مع إسرائيل من جهة، وعدم وجود سلطة شرعية على الجانب الفلسطيني (في إشارة لحكومة حماس) من جهة أخرى.

وعقب الاعتداء الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، الذي أدّى إلى مقتل 9 متضامنين كانوا على متن السفينة التركية "مرمرة"، قرّر مبارك فتح معبر رفح البري لأجل غير مسمّى، وتم تنفيذ هذا القرار مطلع يونيو.

اقرأ أيضاً :

معبر رفح.. كابوس يبدد أحلام 12 ألف معتمر من غزة للعام الثالث

- الفترة الذهبية (2010 – 2013)

خلال 2010 فتحت مصر متنفّس غزة الوحيد 243 يوماً، مقابل إغلاقه لنحو 4 أشهر (قبل قرار مبارك)، ما سمح بسفر أكثر من 85 ألف فلسطيني في كلا الاتجاهين، وسجّل رقماً قياسياً مقارنة بالسنوات السابقة.

واستمرّ تأثر قطاع غزة بالأحداث على الساحة المصرية، فقد شهدت تلك الفترة واحداً من أبرز الأحداث السياسية، والتي تمثّلت بإسقاط نظام مبارك عبر ثورة شعبية في يناير 2011.

وعلى الرغم من إسقاط النظام بمصر، فإن العمل على المعبر ظل وفق قرار مبارك بنفس الوتيرة، مسجّلاً ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المسافرين؛ إذ إنه فتح أبوابه أمام الغزيّين 269 يوماً، ما سمح بسفر نحو 140 ألف مسافر.

عام 2012 مثّل الفترة الذهبية خلال 8 سنوات، وذلك بعد فوز محمد مرسي، مرشح جماعة "الإخوان المسلمين" التي تلتقي منهجياً بحركة حماس، في الانتخابات الرئاسية، في مايو/ يونيو 2012.

اعتلاء المرشّح الإسلامي سدة الحكم في مصر انعكس إيجاباً على عمل المعبر، الذي فتح بشكل منتظم على مدار 310 أيام (باستثناء الإجازات والإغلاقات لظروف أمنية)، ما سجّل سفر نحو 210 آلاف فلسطيني.

اقرأ أيضاً :

"إن تدفع تعبر".. هل يدخل الغزيُّون مصر آمنين من ضبّاط مخابراتها؟

في عام 2013 وحتى منتصفه، استمرّ عمل المعبر بشكل طبيعي، إذ فتح أبوابه 175 يوماً حتى يوليو، قبل تنفيذ انقلاب عسكري قاده (الفريق آنذاك) عبد الفتاح السيسي (الرئيس المصري الحالي)، انتهى بعزل مرسي.

ووصل عدد أيام فتح المعبر منذ ذلك الوقت إلى 88 يوماً بشكل متفرّق، وأُغلق 102 يوم، في حين بلغ عدد المسافرين أكثر من 150 ألف شخص على مدار العام كله (ومن ضمنها فترة حكم مرسي).

- نكبة المعبر (2014 – 2018)

عام 2014 شكّل آخر أيام الفترة الذهبية، وذلك بفتح المعبر 125 يوماً وإغلاقه 225 يوماً وسفر 5 آلاف شخص، إذ إن هذا الوقت شهد فوز السيسي بانتخابات الرئاسة، بعد فترة انتقالية أدارها الرئيس المؤقّت، عدلي منصور.

وبعد عزل مرسي ومجيء السيسي، بدأت الأوضاع على المعبر تسوء في فترة يمكن تشبيهها بتلك التي شهدها عقب أسر شاليط وحكم حماس، ففي العام الأول من حكم الرجل العسكري أُغلق المعبر 333 يوماً بسفر 14 ألف شخص.

في 2016 استمرّ تراجع عمل المعبر وسط معاناة حقيقية عاشها الفلسطينيون، إذ فتح أبوابه 41 يوماً (مقابل إغلاقه 324 يوماً)، بتسجيل حركة سفر 26 ألف شخص، معظمهم من الحالات الإنسانية.

والعام الماضي كان الأسوأ في تاريخ معبر رفح، فقد فتحته السلطات المصرية 14 يوماً فقط وأغلقته 351 يوماً، في حين لم تعلن وزارة الداخلية في غزة عن إحصائية رسمية حول أعداد المسافرين خلال 2017.

وخلال فترة حكم السيسي لمصر، تحججت السلطات هناك بأن إغلاق المعبر (تديره حالياً حكومة رامي الحمد الله منذ نوفمبر 2017) يأتي لدواعٍ أمنية، وهو ما تكرّر في 2018 بعد أن كان مقرّراً فتحه عقب 37 يوماً من الإغلاق (منذ ديسمبر الماضي).

2007-2017