• العبارة بالضبط

تزامناً مع مؤتمر الكويت.. عراقيون يوجهون رسائل تحذير للدول المانحة

مع بداية انطلاق مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار المناطق المحررة من تنظيم "داعش" في العراق، دعا ناشطون عراقيون الدول المانحة إلى عدم تسليم الأموال إلى المسؤولين في حكومة رئيس الوزراء، حيدر العبادي؛ معتبرين أن إقبال البلاد على انتخابات جديدة قد تلحق المليارات الممنوحة بالتي سرقت منذ عام 2003 لحد الآن، وسط غياب للمحاسبة الحقيقية.

ويطرح العراق 157 مشروعاً للاستثمار تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار على الشركات المشاركة في المؤتمر، وعددها 2300 شركة، من نحو 70 دولة. كما يستهدف المؤتمر، الذي يقام بين 12-14 فبراير 2018، جمع منح مالية من الدول والمؤسسات الدولية المشاركة لإعانة العراق في إعادة إعمار البنى التحتية الأساسية، كالكهرباء ومياه الشرب وخدمات الصحة، لإعادة أكثر من 2.5 مليون نازح لمنازلهم في أقرب فرصة ممكنة.

ويناقش المؤتمر في يومه الأول، من خلال ثلاث جلسات، أضرار الحرب والخسائر المترتبة عليها والأزمات الناتجة، مع نقاش لدعم المشاريع الخاصة بالاستقرار والمصالحة المجتمعية والتعايش السلمي، ويشارك في اليوم الأول نحو 70 منظمة إنسانية؛ منها 30 منظمة إقليمية ودولية، و25 منظمة عراقية، و15 منظمة كويتية، تعهدت جميعها بتقديم أكثر من 330 مليون دولار.

وزير التخطيط العراقي، سلمان الجميلي، قدّر حاجة بلاده إلى 88.2 مليار دولار، وقال في كلمة له على هامش أعمال المؤتمر: إن "الظروف باتت مهيأة للشروع بعمليات إعادة الإعمار، في إطار الخطة التي وضعتها الحكومة لهذا الغرض، وتمتد على 10 سنوات من 2018 ولغاية 2027".

الرقم الذي طرحه الجميلي يتعارض مع ما أعلنته الحكومة العراقية، العام الماضي، عن أن تقديرات إعادة إعمار المناطق المحررة تبلغ 100 مليار دولار.

- ناشطون مدنيون يطلقون رسائل للكويت

وقبيل انطلاق فعاليات المؤتمر أطلق نشطاء عراقيون عدداً من الوسوم (هاشتاغات) من خلال مواقع التواصل الاجتماعي طالبوا الدول المانحة بإدارة الأموال التي ستمنح؛ بسبب الفساد المستشري في المؤسسات العراقية، كما قدموا رسائل من واقع أهالي مدينة الموصل المنكوبة.

الصحفي والباحث العراقي أحمد الملاح، وهو أحد المشاركين في الحملة، أكد في حديث لـ"الخليج أونلاين" انعدام الثقة بين الطبقة السياسية والحكومة بشكل عام مع الشعب العراقي، وقال: "لا شك أننا في حالة انعدام ثقة مع المسؤول العراقي والطبقة السياسية الحالية بشكل عام؛ وذلك لما شاهده الشعب العراقي طوال الأعوام الـ15 الماضية من الفساد وانعدام الشفافية".

وذكر الملاح، الذي ينحدر من مدينة الموصل، أن "أبرز الرسائل التي حملناها خلال مطالبتنا أن تكون الأموال التي ترصَد لإعمار العراق والمدن المدمرة بالتحديد خاضعة لآليات عمل تسمح بالمتابعة العلنية والشفافية لتدفق الأموال وآلية صرفها".

وقال: "الجهات الرسمية تطرح مبالغ منطقية ومتوازية مع الحاجة الحقيقية للإعمار، بشرط ألَّا تصل يد الفساد المالي والإداري إلى الأموال، وأن توضع في موقعها الصحيح للتنمية".

وتابع في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الحملات الإعلامية التي أطلقها صحفيون وحقوقيون وكُتّاب وناشطون "هدفها إرسال رسائل مباشرة وواضحة حول الأولويات التي تحتاجها مدننا المدمرة، وكذلك مخاوفنا من حالات الفساد أو الإقصاء تجاه المدن التي وقع عليها الضرر الأكبر نتيجة الحرب. يجب أن يلتفت المانحون للأولويات؛ ومنها القطاعات الخدمية؛ من كهرباء وماء وتعليم وصحة ووحدات سكنية".

وحول إمكانية جمع المبالغ المطلوبة للإعمار، قال الكاتب والباحث الإعلامي: "لن يكفي المؤتمر الحالي لإعادة إعمار مدينة ضخمة مثل الموصل، التي تعتبر أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد، لكن نتمنى أن يشكل المؤتمر بوابة حقيقية للشروع بإعادة الإعمار الذي لم نشاهد منه شيئاً رغم نهاية العمليات العسكرية منذ أشهر".

رغم أن الموصل بحجمها وأيضاً نسبة الدمار فيها، إضافة إلى مدن الرمادي والفلوجة وتكريت وبيجي، هي الأكثر أهمية، لكن واقع المشاريع المقدمة عراقياً للاستثمار لا يولي هذه المدن أي أهمية حقيقية تتناسب مع حجم الظلم والدمار الواقع عليها، "وهذا أحد الأسباب التي دفعتنا إلى التوجه للإعلام لتوصيل رسالتنا للمانحين؛ لتدارك هذا الخلل في أثناء المؤتمر"، بحسب الملاح.

- تشكيك في مصداقية الحكومة

الصحفي العراقي صفوان المدني، أحد النشطاء في مدينة الموصل، ويقود فريقاً تطوعياً يهتم بالجانب الخدمي في المدينة، قال في حديث لـ"الخليج أونلاين": إن "المُجتمع الموصلي بشكل عام يُشكك في مصداقية الحكومة المركزية ونزاهة الحكومة المحلية فيما لو وُضعت الأموال تحت تصرفهم بشكل مُباشر".

ويأمل "المدني" بوصول الرسالة الموصلية إلى الدول المانحة في مؤتمر الكويت عن طريق منصة "تويتر"، وقال: "في الجانب الأيمن، خاصة المنطقة القديمة، لا تزال الجثث بالمئات تحت الأنقاض، وأكثر من 200 ألف نسمة تنتظر إعادة الإعمار للعودة إلى منازلهم. وكذلك من الأولويات الجانب الصحي المُزري، والعملية التعليمية الضعيفة، والقطاع الخدمي الذي يحتاج إلى دعم كبير مثل المياه والكهرباء وغيرها". وأشار إلى أن مؤتمراً واحداً لإعادة إعمار العراق لا يكفي، لكنه قد يكون مقدمة لمؤتمرات لاحقة.

ورغم محدودية الأرقام المعلنة في اليوم الأول من المؤتمر، قياساً بما هو مطلوب، يقول المدني: إنها "كافية لو تم التعامل معها بنزاهة دونما فساد، وكُلِّف خبراء في مجالات حيوية مثل الطاقة والهندسة والإعمار والبناء ومجالات أخرى".

اقرأ أيضاً :

منظمات دولية تتعهد بتقديم 330 مليون دولار لإعمار العراق

ويشير المدني، نقلاً عن مصادر مشاركة في المؤتمر، إلى أن "المؤسسات المانحة لن تمنح الأموال لمجالس المحافظات والمحافظة، وسيتم طرح مشاريع للاستثمار وتستثمر هذه الأموال في مشاريع خدمية"، مشيراً إلى "أهمية أن يكون هناك مجلس تنسيقي بين المؤسسات المانحة يراقب عمليات صرف الأموال وبناء المشاريع، ما يعني التغلب على جزء كبير من الفساد الذي أدّى بنا إلى هذا الحال".

وحول مخاوف العراقيين من سرقة الأموال الممنوحة في مؤتمر الكويت، يقول الصحفي العراقي: إن "هذه المخاوف في محلها بالتأكيد؛ لأن الكثير من ملفات الفساد الكبيرة غير مُعلنة وتتم بين السياسيين والمسؤولين بصفقات كبيرة من تحت الطاولة، ويديرها كبار الرؤوس في الحكومتين المركزية والمحلية"، بحسب تعبيره.

- الموصل.. أزمة مستمرة

وما زالت المئات من جثث المدنيين عالقة تحت الأنقاض في مدينة الموصل القديمة للآن، ولم تصلها بعد جهود الدفاع المدني رغم مرور أكثر من 7 أشهر على نهاية المعركة، وكذلك الحال في مدن مثل الرمادي والفلوجة وبيجي وتكريت، وعدد من المدن الصغيرة في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين، تعرضت لنسب دمار متفاوتة، ويتوقع أن عدد ما تم تدميره من وحدات سكنية تجاوز الـ100 ألف، ما يعني فقدان نصف مليون مواطن عراقي منازلهم.

أما قطاعات الطرق والجسور والزراعة والتعليم فليست أفضل من البقية؛ إذ فقدت المدن العراقية العشرات من الجسور الرئيسية والفرعية، إضافة إلى دمار كامل للمئات من المدارس، مع جهود حكومية شبه معدومة؛ ممَّا يجعل مؤتمر الكويت بصيص أمل لواقع الشعب العراقي، خاصة الذي يقبع في المدن والمناطق التي جرت عليها الحرب.

- الموصل أولاً

وفي غضون ذلك، دعا ناشطون من الموصل من خلال منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً "تويتر"، الدول المانحة إلى أن تكون مدينتهم المنكوبة على رأس الأوليات لأسباب كثيرة؛ أهمها الدمار الذي خلفه داعش، والعمليات العسكرية، وإعادة النازحين من العراء إلى منازلهم.

كرم البارودجي كتب في تغريدة على "تويتر" أهمية تركيز المؤتمر على إعمار الموصل؛ لكونها "نالت النصيب الأكبر من الدمار، ولأن أغلب مسؤوليها سراق ولا يرحمون".

وشاطره في ذلك الباحث والكاتب مجاهد الطائي، الذي أكد أهمية التركيز على المدن المحررة من قبضة "داعش"؛ لأن بناها التحتية مدمرة تماماً.

الصحفي العراقي أحمد سعيد دعا القائمين على مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت إلى استثمار الأموال بشكلها الصحيح، "وليس بجيوب الفاسدين والسراق من المشاركين في العملية السياسية العراقية".

ويشير العديد من الكّتاب والإعلاميين إلى حجم الدمار الذي تعرضت له مدينة الموصل بسبب العمليات العسكرية وسيطرة تنظيم "داعش" طيلة السنوات الأخيرة الماضية.

ومع انتشار الحملات المضادة للمؤتمر، وأغلبها حسابات وهمية من خلال "تويتر"، عبَّر العديد من النشطاء العراقيين عن شكرهم للكويت وأميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح على مبادرته التي تجعل العراقي ينظر إلى الكويت بفخر وإنسانية.

وانتقد الناشط العراقي مهند حبيب السماوي "الأصوات التي تعيش بعقد الماضي، وتحاول فتح الملفات القديمة، وتعتاش على الطائفية والأمراض المزمنة"، في إشارة إلى مغردين كويتيين عارضوا دعم بلادهم الكبير للعراق، داعياً إلى النظر إلى المستقبل، وترك الماضي، والعيش بسلام وأمان مع دول الجوار.

وأشار الباحث محمد طلال السيعد إلى اللفتة الإنسانية من لدن أمير الكويت الشيخ الصباح، لافتاً إلى أن من يسير في شوارع الكويت قبيل المؤتمر يشعر بأنه في مقر الأمم المتحدة، في إشارة إلى أعلام الدول المشاركة في المؤتمر، وتزيين الشوارع والبنايات بالأعلام.

أما الناشط الكويتي أحمد مقيطف، فدعا المتذمرين من مؤتمر إعادة إعمار العراق إلى بعد النظر، واصفاً إعمار العراق بإعمار "جزء من تاريخنا"، وقال: "إنهم إخوة لنا، وكنا على خلاف معهم، ولا بد من المساهمة في إعمار العراق ليكون سوقاً إقليمياً ينهض بالمنطقة"، مذكراً بحضارة سومر وبابل وآشور وأكاد والخلافة العباسية.

- لماذا الكويت؟

ويتساءل كثير من المراقبين والمتابعين للحدث حول سبب اختيار دولة الكويت مكاناً لعقد المؤتمر الخاص بإعادة إعمار العراق، ويقول الملاح في مقال له نشر عشية انطلاق المؤتمر عبر منصة "نون بوست"، إن الكويت بعد نهاية أزمتها مع العراق وتسوية الأمور المتعلقة بالغزو العراقي لها، وموضوع التعويضات، وخروج العراق من البند السابع، وجدت هذا المؤتمر مبادرة طيبة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين البلدين، إضافة إلى أن الكويت دولة إقليمية لها علاقات طيبة مع دول الإقليم مجتمعة، وهي خارج لعبة المحاور.

ويضيف أن الكويت قد طرحت نفسها كوسيط في الأزمة الخليجية بين قطر من جهة ودول الإمارات والبحرين والسعودية من جهة أخرى، وتمتلك كذلك علاقات طيبة مع دول المنطقة المتنافسة؛ السعودية، وإيران، وتركيا، وهو ما جعلها المكان المناسب الذي يمكن أن يجتمع فيه الفرقاء للتباحث في شأن إعادة إعمار العراق، فضلاً عن رصد الكويت مبالغ ضخمة لدعم عملية الإعمار؛ ممَّا جعلها مؤهلة لهذا الحدث الكبير، ولتكون بداية طيبة لعودة العراق إلى عمقه الخليجي.