• العبارة بالضبط

الليرة التركية تتهاوى أمام الدولار.. الأسباب والتحديات

انخفضت قيمة الليرة التركية في مقابل الدولار خلال الأيام القليلة الماضية مسجلة أدنى سعر رسمي لها منذ عشر سنوات، حيث بلغت ما يقارب 4 مقابل الدولار الأمريكي، في حين كانت 1.7 في العام 2012.

قبل الحديث عن الأسباب وراء هذا الانخفاض الكبير في قيمة العملة التركية، يجب الإشارة إلى أن الاقتصاد التركي يعتبر من الاقتصاديات الناشئة التي تتأثر مؤشراتها سريعاً بالأحداث الخارجية؛ لكونها في مرحلة انتقالية، وتختلف درجة حساسية المؤشرات حسب طبيعة تلك الأحداث.

وفيما يتعلق بالانخفاض غير المسبوق لليرة التركية (منذ عشر سنوات)، ساهمت العديد من الأحداث والمتغيرات، على الصعيدين الخارجي والداخلي، في هذا التراجع الحاد للعملة التركية.

- الأسباب الخارجية

ساهمت سياسة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المتعلقة برفع أسعار الفائدة واستهدافه التركيز على جذب التدفقات النقدية، في التأثير على الاقتصاد التركي، حيث تم خلال الأيام الماضية رفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة مع توقعات برفعها 3 مرات أخرى، وهو ما سيزيد الطلب على الدولار.

في هذه الحالة، يصبح الاستثمار في الأصول المقومة بالدولار الأمريكي أكثر إغراء من الأسواق الناشئة مثل تركيا، وهو ما يدفع المستثمرين إلى تحويل رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة (مثل تركيا، والبرازيل، وماليزيا) وغيرها إلى السوق الأمريكي.

كما أن رفع سعر الفائدة سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار الأمريكي، ومن ثم ارتفاع قيمته مقابل العملات الأخرى، وهو ما ينعكس سلباً على الاقتصاد التركي، خصوصاً في ظل اعتمادها على الاستيراد في قطاع الطاقة، الأمر الذي من شأنه رفع تكاليف الاستيراد وزيادة أعباء الديون التركية المقومة بالدولار الأمريكي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رفع سعر الفائدة يؤدي إلى تفاقم عجز الحساب الجاري نتيجة زيادة التدفقات النقدية الخارجة من تركيا، فضلاً عن انخفاض رصيد الاحتياطات من العملات الأجنبية، فأصبحت مساحة تحرك الحكومة محدودة نوعاً ما.

يضاف إلى ذلك سياسة ترامب المتعلقة بالمعاهدات التجارية، وفرضه قيوداً على الواردات من الصين والأسواق الأخرى، وذلك سوف يؤدي إلى تراجع أداء الأسواق الآسيوية وتعطيل النمو العالمي، لا سيما أن معظم الشركات المدرجة في الأسواق الآسيوية، تعتمد بصورة كبيرة في أرباحها على السوق الأمريكي.

اقرأ أيضاً :

الليرة التركية تهبط إلى مستويات قياسية أمام الدولار

- الأسباب الداخلية

وبعيداً عن الضغوط الخارجية فإن حالة التجاذب الداخلي في وجهات النظر المتعلقة بالسياسات النقدية في الحكومة التركية، لديها وجهة نظر مخالفة عن البنك المركزي التركي وبعض البنوك حول رفع أسعار الفائدة، فالحكومة ترى أن رفع الأسعار سيؤثر سلباً على خطط الحكومة الاستثمارية والتوسعية، وترى أنه لا بئس من ارتفاع الأسعار الآن في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية المستدامة.

وفي المقابل، فإن البنك المركزي التركي يرى ضرورة رفع سعر الفائدة حتى يتم السيطرة على معدلات التضخم التي وصلت إلى 13%، وهي أعلى نسبة منذ عشر سنوات، وهو ما يخدم مصالحهم في رفع حجم الودائع، وخلق فرص استثمارية أكبر في الأسواق الخارجية في الأصول المقومة بالدولار أو اليورو.

كما أن الوضع السياسي غير المستقر فيما يتعلق بالعمليات العسكرية التي تقوم بها أنقرة في سوريا والعراق، والانتخابات التركية المقبلة، وزيادة الحكومة التركية الإنفاق على الشق الاجتماعي والصحي، ساهم في إرهاق الموازنة العامة وزيادة العجز فيها.

- التحديات

وفي ظل هذه الضغوط، فإن استمرار عدم استقرار أسعار الصرف خلال الفترات السابقة، زاد تحديات الحكومة التركية المتعلقة بجذب الاستثمارات الأجنبية والوضع المالي للاستثمارات الأجنبية الحالية، حيث يؤثر عدم استقرار الليرة على قرارات توزيع الأرباح في الشركات الأجنبية، وهو ما يؤدي إلى انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا.

وجدير بالذكر أن تأثير انخفاض الليرة التركية، أو بمعنى آخر عدم استقرارها، على قيمة القوة الشرائية والاستثمارات المحلية ينعكس سلباً على الاستثمارات الأجنبية، وعليه فإن المستثمرين الأجانب يفضلون الاستثمار في الاقتصاديات الأكثر استقراراً التي تعكس قدراً منخفضاً من عدم اليقين.

يشار إلى أن الحكومة لا تزال صامتة عن الحديث حول نزيف الليرة التركية، لكن بالتزامن أعلنت مؤسسة الإحصاء التركية، الخميس 29 مارس، تحقيق الاقتصاد التركي نمواً بنسبة 7.4% خلال عام 2017.

وأشارت المؤسسة إلى نمو الاقتصاد التركي بنسبة 7.4% خلال 2017، وبنسبة 7.3% خلال الربع الأخير من العام ذاته.

وقالت إن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية ازداد بنسبة 19% خلال 2017 مقارنة بالعام الذي قبله، ليصل إلى 3 تريليونات و104 مليارات و907 ملايين ليرة (الدولار الواحد يُعادل 4 ليرات تركية).

ووفقاً للمعطيات ذاتها، ازدادت القيمة المضافة للقطاع الزراعي في البلاد خلال العام الماضي بنسبة 4.7%، وللقطاع الصناعي بـ9.2%، ولقطاع الخدمات بنسبة 10.7%.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالأسعار الجارية 38 ألفاً و660 ليرة تركية خلال 2017، بعد أن كان في العام الذي قبله 32 ألفاً و676 ليرة تركية.

وترجع أسباب تحقيق هذا النمو العالي، بحسب خبراء، مقارنة بالدول الأخرى، إلى نجاح سياسات الحكومة المتعلقة بالانفتاح التجاري والاستثماري، حيث ساهمت المعاهدات والاتفاقيات التجارية والاستثمارية التي وقعتها الحكومة خلال الفترات السابقة في تقليل مخاطر أسعار الصرف، كما ساهم انخفاض الليرة التركية في تشجيع التصدير؛ وهو ما انعكس إيجابياً على الميزان التجاري وحركة الإنتاج والتوظيف في معظم القطاعات.