• العبارة بالضبط

"عرس مصر الانتخابي" وملامح المرحلة المقبلة

"انتهى العُرس الانتخابي" في مصر، كما أراد مخططوه تسميته وإظهاره للعيان، بصور ستظل عالقة في ذاكرة كل من اهتم وتابع مجريات هذا "العُرس"، الذي من المفترض أن يفتح الباب أمام حكم شمولي يمتد عقوداً مقبلة، بعد أن شكلت الأعوام الأربعة السابقة تأسيساً عملياً له.

في بلد مثل مصر شكل منذ البداية التي ربما سبقت عهد الاستعمار الحديث، وضعاً استثنائياً في المنطقة من الناحية الجيوسياسية، كان لا بد لقبطان السفينة الحقيقي أن يتمكن في لحظات العاصفة التي هبت في أواخر العام 2011، وبدأت تهز وبقوة أركان النظام العسكري الحاكم منذ العام 1952؛ كان لا بد له من إدارة مقود السفينة بشكل يستوعب العاصفة، منهياً إياها وفق رؤيته ومخططه الذي صاغه بهدوء وروية على وقع التظاهرات والاعتصامات الصاخبة، بلا أية خسائر من جانبه، معيداً الأمور إلى نصابها ما قبل عاصفة الثورة، وربما إلى ما هو أسوأ منها.

وتأسيساً على ذلك فقد كان كل ما جرى ووقع في مصر، من ساعة تخلي الرئيس الأسبق حسني مبارك عن السلطة (لاستيعاب الثورة)، وصولاً إلى يومنا هذا، من نتاج ذلك التخطيط وتلك الإدارة التي أوصلت مصر إلى وضعها الراهن بكل ما فيه وما عليه من أزمات وتحديات.

على امتداد العالم العربي، وحتى في الغرب، وقبل ذلك كله في مصر ذاتها، تعالت أصوات كثيرة تنتقد "الانتخابات" الرئاسية الأخيرة من ناحية تكاليفها المادية المرتفعة التي كان بالإمكان توفيرها وإنفاقها على متطلبات أخرى ملحة على مستوى الدولة والمجتمع، ولا سيما أن نتيجة هذه "الانتخابات" محسومة نتائجها سلفاً لمرشح بدا أوحد لا ينافسه فيها أحد.

لكن إصرار النظام الحاكم، ومن يكتبون له "مسرحياته" الهزلية التي ما برح يطبقها على أرض الواقع، كان هو الآخر مستمداً من ضرورات الإخراج المسرحي لمرحلة زمنية مقبلة؛ ذلك أن كل ما قام به نظام السيسي على الصعيد الداخلي والإقليمي، وما سيقوم به لاحقاً (من كوارث حقيقية)، يمكن تغطيته "بالتفويض الشعبي" في صوره المختلفة التي تشكل الانتخابات- حتى وإن كانت صورية- إحداها.

هستيريا الرقص والغناء والطبل والزمر التي شهدتها مراكز الاقتراع على مدى الأيام الثلاثة الانتخابية، أريد لها أن تخلق مشهداً يغطي على مشهد آخر، وَهم يغطي على حقيقة، وأداء مسرحي على حساب واقع؛ ففي غياب طوابير الناخبين والإقبال الشعبي للمشاركة في الانتخابات كان لا بد من خلق هذا الصخب الذي يقول لك إن مصر تحتفل وتفرح وتتحدى وتشارك بقوة في انتخابات رئاسية يختار الشعب فيها رئيساً جديداً!!

كان لا بد من القول إن "التفويض الشعبي" المزعوم الذي استند إليه الجنرال السيسي عام 2013 في القضاء على ثورة الشعب المصري وإعادته إلى بيت الطاعة، عبر المجازر في شوارع وساحات وميادين القاهرة، وما تبع ذلك من حملات قتل واعتقال وتكميم أفواه... ها هو يتجدد، حتى وإن كان الشعب (صاحب التفويض) لا يدري ولا يعلم ولم يُستشر بالكثير مما يجري ويرتكب ويوقع باسم هذا التقويض.

وبالاستناد إلى معلومات استمعت إليها شخصياً من مراسل لإحدى وكالات الأنباء العالمية، خدم سنوات عديدة في القاهرة، وله فيها مصادره الموثوقة؛ فإن برامج التأهيل والتدريب على التحدث بشكل سلس ومترابط ومنطقي، وكيفية الظهور اللائق في المناسبات العامة، واستخدام حركات الجسد، التي خضع لها السيسي في العامين الأولين لحكمه، واستهدفت تغيير الصورة (الفضيحة) التي ظهر عليها في بدايات انقلابه على الشرعية، شكلاً ومضموناً، فاقت كلفتها كلفة حملته الدعائية في "الانتخابات" الأخيرة بكثير.

وحسب المصدر ذاته فإن داعمي السيسي الإقليميين والدوليين، وعلى عكس ما يمكن لشخص ما أن يتوقعه، قد استفادوا من جوانب النقص الخطيرة في شخصيته لإبداء قدر كبير من المساعدة له في تخطيها بغية تمكينه لاحقاً من التربع على"عرش" مصر، وهذا كله بالنسبة له كان مجرد حلم لم يكن ليتحقق لولا استعداده الدائم بالمقابل لتلبية ما يُطلب منه، وهو على أية حال قام بالفعل حتى الآن بتلبية الكثير مما طلب منه، والذي كان على ما يبدو شرطاً أساسياً لاستمراريته كرئيس لولاية ثانية، بل ولفتح الباب أمامه كحاكم لمصر لعقود مقبلة.

مع ولوج الجنرال عبد الفتاح السيسي عملياً عامه الخامس على رأس السلطة العسكرية الحاكمة في مصر، لا تبدو أكثر التوقعات تفاؤلاً، من جانب مؤيديه ومن جانب كل من اضطر للرقص والتصفيق والغناء له في عرس إعادة انتخابه، مرضية أو مشجعة كثيراً.

فأكثر من شعار الحفاظ على الأمن والأمان وعدم الانجرار إلى أوضاع شبيهة بأوضاع بلدان مثل سوريا وليبيا، لن يجد السيسي والقيادة العسكرية الحاكمة ما يقدمونه للمصريين، ذلك أن خطط التنمية والتطوير الاقتصادي، وتحسين معيشة المواطن العادي، ومعالجة أكثر المشاكل الاجتماعية والتنموية في البلاد، كل ذلك بقي مجرد شعارات رنانة لكل الحكومات التي شكلتها النخبة العسكرية الحاكمة على مدى 65 عاماً، وحتى تلك الأهداف أو الشعارات التي أخضع بعضها لمحاولة التطبيق خرجت في نهاية الأمر نتائجها بصورة مشوهة وغير مكتملة.

وما يزيد من هذه القناعة هو أن السنوات الأربع الماضية لم يحدث فيها عملياً أي تطوير أو تغيير إيجابي على مستوى الاقتصاد والإدارة والخدمات، كان هناك مجرد جهد لإدارة عجلة الدولة كيفما اتفق فيما الجهد والتركيز الأكبر كان منصبّاً- وسيبقى على ما يبدو- على جوانب حماية النظام الحاكم من السقوط على أيدي معارضيه الذين تتسع قاعدتهم يوماً إثر آخر، لكن القبضة الأمنية غير المسبوقة ما تزال تعيق وتحد كثيراً من حركتهم.

لذلك يبدو ضرورياً في هذا السياق إعادة طرح السؤال القديم المتجدد: "لماذا يطالب البعض من الأنظمة الوظيفية الشمولية الطابع في بلداننا بالقيام بواجباتها المفترض القيام بها؛ من تطوير وتحسين للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتطوير المجتمع والدولة ككل، ما دامت مهامها الرئيسة هي مهام وظيفية تم تحديدها بالأساس من قبل قوى أجنبية عظمى لا تهتم وليست معنية إلا بخدمة مصالحها الخاصة لا المصالح الوطنية لهذا البلد أو ذاك".