"الكوشوك".. سحابة فلسطينية سوداء تحجب رؤية "إسرائيل"

آمال يرسمها الفلسطينيون بالعودة إلى ديارهم، معلّقة بسُحب سوداء لبّدت سماء قطاع غزة الثائر بنار السلمية وحجارة المقاومة ضد واحد من أقوى جيوش العالم وأطولها احتلالاً لأرض ارتوت بدماء أبنائها على مدار 70 عاماً.

سلمية التظاهر، والإيمان بحق العودة ودحر الاحتلال عن أرض فلسطين، ما زالت متواصلة بمعيّة وسائل مقاومة أولية، بدءاً بالحجر والسكين، مروراً بالزجاجات الحارقة، وليس انتهاءً بالـ"كوشوك".

إشعال إطارات السيارات المستعملة، أو "الكوشوك" بحسب ما يسمّيه الفلسطينيون، سلاح قديم متجدد، استخدمه الثائرون في غزة في مسيراتهم السلمية، التي انطلقت الجمعة الماضية تحت اسم "مسيرة العودة الكبرى".

وعند إحراق إطارات السيارات فإنه ينتج عنها أعمدة سوداء من الدخان، تشكّل حاجباً للرؤية يحول بين الشبان الفلسطينيين وقناصات جنود الاحتلال الإسرائيلي، والمنتشرة في نقاط التجمع على طول الشريط الحدودي للقطاع.

وعلى الرغم من ارتباط اسم "الكوشوك" بانتفاضة الفلسطينيين وثورتهم ضد الاحتلال، فإن تاريخ استخدام إطارات السيارات وحرقها في المظاهرات والاحتاجات سبق أن شهدته دول أخرى، لأهداف مشابهة أو ربما لغايات أخرى.

- انطلاق الشرارة

في محاولة للبحث عن أول من فكر في حرق الإطارات لأهداف تظاهرية واحتجاجية، تعذّر الوصول إلى التاريخ الحقيقي لبدء استخدامها، غير أن معلومات جاءت في تقرير لـ"CNN" قالت إن الشرارة الأولى انطلقت من لبنان.

وكان مشهد إحراق إطارات السيارات من أبرز المشاهد المألوفة إبّان الحرب الأهلية التي طحنت البلاد، بين عامي 1975 و1990، عندما اشتعلت "انتفاضة دموية طائفية"، خلفت أكثر من 48 ألف قتيل، وأزيد من 100 ألف جريح.

وترافق المشهد مع العقود التي تلت فترة النزاع المسلح الذي استمر نحو 15 سنة؛ ليتجدد إشعالها عند أي توتر طائفي بين أي من طوائف المجتمع، أو للتذمر من الحكومة أو الجيش.

501

0_683101627

قبيل انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية انتقل استخدام الإطارات المشتعلة إلى الأراضي الفلسطينية، وتحديداً خلال الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1987، ومنذ ذلك الحين ارتبط "الكوشوك" بالنضال الفلسطيني.

هذه الانتفاضة كانت نقطة تحول أولية في تاريخ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إذ برز فيها استخدام وسائل مقاومة بدائية، إلى جانب إشعال الإطارات، تمثّلت باستخدام السكين و"المولوتوف" (الزجاجات الحارقة)، دون إغفال أهمية الحجارة.

وعلى الرغم من التطور الذي شهدته أساليب المقاومة الفلسطينية، فإن "الكوشوك" لم يغب عن ساحة المواجهة مع جنود الاحتلال؛ فظلت سحب الدخان الأسود ملبّدة في سماء فلسطين خلال انتفاضة الأقصى (الثانية) عام 2000.

344

thumb

ومع هدوء الأوضاع نسبياً في الأراضي الفلسطينية، واشتعال "ثورات الربيع العربي" في 2010، برز مشهد حرق الإطارات خلال الاحتجاجات التي شهدتها دول تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.

وفي الوقت الذي انطفأت فيه شرارة الثورات في بعض الدول المذكورة، بقيت الحرب السورية مشتعلة، وقد شهدت في إحدى مراحلها استخدام "الدواليب المحروقة"؛ ليس لغرض الاحتجاجات، وإنما لأغراض المقاومة وحجب الرؤية.

فقد شهدت أحياء مدينة درعا (جنوب) إشعال الإطارات لتضليل الطيران الحربي الروسي الذي يقاتل إلى جانب نظام الأسد، في محاولة لضرب خطط استهداف المنازل والتقليل من حدة القصف المكثف.

إشعال-إطارات-في-مدينة-درعا-لتضليل-الطيران-الحربي-الروسي-6

إشعال-إطارات-في-مدينة-درعا-لتضليل-الطيران-الحربي-الروسي-1

وفي حلب شمالي سوريا، أشعل الأطفال مئات الإطارات المطاطية، في مناطق المدينة والريف الجنوبي، ما شكّل سحابة سوداء كثيفة مثّلت غطاءً جوّياً لتحركات المعارضة المسلحة، مانعة الطيران الحربي من رصدها.

Untitled-8

- "جمعة الكوشوك"

وعلى مدار 31 عاماً منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى فالثانية، مروراً بالاحتجاجات والمظاهرات التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة، يظهر "الكوشوك" على الساحة مجدداً.

الإنتفاضة-الثانية-في-الضفة-الغربية3

فبعد أن قتلت "إسرائيل" 17 فلسطينياً على حدود قطاع غزة في الجمعة الأولى من "مسيرة العودة الكبرى"، خطط الثائرون هناك لاستخدام أساليب مقاومة بسيطة تحول دون وصول قناصات الاحتلال للمتظاهرين السلميين.

وفي الجمعة الثانية، ينطلق أكبر نشاط يشهده تاريخ الاحتجاجات الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بإشعال إطارات السيارات على الشريط الحدودي الفاصل بين القطاع والأراضي المحتلة، ضمن مسيرات العودة.

06644124

ومنذ الأحد الماضي، بدأت استعدادات شبابية وشعبية مكثفة تختلف عن سابقتها من حيث التجهيز والاستعداد، إذ يقول ناشطون محليون إن شباناً فلسطينيين جمعوا آلاف إطارات السيارات لإشعالها.

هذا العدد ما كان ليكون لولا حملات شبابية تطوعية في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، عبر جمع التبرعات لشراء الإطارات المستعملة ونقلها إلى مناطق المواجهات مع جنود الاحتلال باستخدام عربات صغيرة.

DZ3KqG8WAAAt6QG

وأطلق ناشطون آخرون وسم #جمعة_الكوشوك، في إطار سعيهم لإشعال أكبر عدد ممكن من الإطارات لحجب الرؤية وحماية المتظاهرين السلميين، وهو ما عكس تفاعلاً تُرجم من خلال مساهمات نقدية وعينية.

ولاقت دعوات الشباب ترحيباً كبيراً في أوساط الفلسطينيين، الذين أكدوا أن "الإطارات البالية قادرة على مواجهة (سلاح) كلاشينكوف ومدافع الاحتلال وقناصاته المنتشرة على حدود القطاع.

وتوافد مئات الفلسطينيين، الجمعة الماضية، إلى المناطق الشرقية لقطاع غزة على بُعد مئات الأمتار من السياج الفاصل مع الاحتلال؛ للمشاركة في خيام الاعتصام المقامة فيها ضمن "مسيرات العودة الكبرى"، والتي تستمر إلى 15 مايو (ذكرى النكبة).