استعراض القوة بالمناسبات.. فوضى جديدة تودي بأرواح سكان درعا

ما تزال عادة إطلاق الأعيرة النارية في الأعراس والمناسبات الاجتماعية السورية تحصد مزيداً من الأرواح في مختلف مناطق البلاد، ولا سيما في ريف درعا جنوباً؛ وذلك جراء الانفلات الأمني وفوضى انتشار السلاح، المتفاقمين في معظم أنحاء البلاد.

وإزاء تصاعُد الأزمة، رفعت المجالس المحلية وناشطون محليون ومجالس العشائر الصوت عالياً لمحاربة هذه الظاهرة القديمة–الجديدة، وكبح جماحها، والحدّ من أخطارها على حياة الناس.

وإطلاق الأعيرة النارية ظاهرة سلبية كرَّستها الحرب، وشجَّعتها الرغبة في إبراز نزعة التفوق وحب الظهور، كما يقول المحامي محمد السليم.

ويضيف السليم لـ"الخليج أونلاين"، أن إطلاق الأعيرة النارية، خلال المناسبات الاجتماعية، إحدى أهم الظواهر السلبية التي أفرزتها الحرب، لا سيما في المجتمعات ذات الطابع العشائري، والقبلي.

وأوضح أن التعبير عن الفرح لا يكون بالترويع، وجلب المآسي، وتحويل الأفراح إلى أتراح، من خلال تصرفات غير مسؤولة يرتكبها بعض المتهورين.

ولفت السليم إلى أن هذه الظاهرة "كانت محدودة جداً في معظم المناطق السورية"، قبل انطلاق الثورة عام 2011؛ نظراً إلى العقوبات الصارمة التي كانت تطبَّق بحق كل من يحمل السلاح بصورة غير شرعية في ذلك الحين.

اقرأ أيضاً:

النظام يقصف درعا لأول مرة منذ "خفض التصعيد"

- غياب الرقابة

لكنه أكد أن فوضى السلاح، وانتشاره خلال سنوات الثورة السورية؛ وعدم وجود رقابة، أو قوانين تحدُّ من انتشاره، كل هذا فاقم من ظاهرة إطلاق الرصاص "بسبب ومن دون سبب".

وباتت مناسبات الأعراس، وتشييع الشهداء، وإطلاق سراح المعتقلين، تتحول إلى مناسبات لاستعراض القوة والسلاح، وإلحاق الأذى بالآخرين، أو قتلهم.

ومؤخراً، تسبب إطلاق نار من رشاش متوسط، خلال أحد الأعراس في مدينة "طفس" بريف درعا الغربي، في مقتل طفل وإصابة سبعة آخرين.

حادث "طفس" في ريف درعا الغربي، ليس أول الحوادث التي تحصل في درعا، وقد سبقته حوادث مماثلة في بلدتي "المزيريب"، و"المسيفرة" وغيرهما من المناطق، وقد يكون هذا الحادث ليس آخرها ما دام السلاح في أيد غير مسؤولة.

ويشير الناشط أبو محمد الشامي إلى أن عادة إطلاق الأعيرة النارية في الأعراس والمناسبات، أصبحت تهدد أمن المجتمع، وتتسبب كل عام في عشرات الضحايا، غالبيتهم من الأطفال.

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن هذه الظاهرة "ليست حكراً على مناطق سيطرة المعارضة فحسب؛ بل هي منتشرة أيضاً في مناطق سيطرة النظام، الذي يغض الطرف عن بعض ممارسات وخروقات مؤيديه، في الكثير من المناسبات".

وقال الشامي إن حادث "طفس" يعتبر شاهداً حياً على حجم الطيش، والاستهتار، والفوضى، وغياب المسؤولية لدى البعض.

كما أن الحادث الذي تناقلته مواقع الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، الاثنين 2 أبريل 2018، ليس الأول من نوعه في الجنوب السوري؛ بل سبقته عدة حوادث، راح ضحيتها خلال العام الماضي أكثر من عشرة أشخاص، بحسب الشامي.

واعتبر المتحدث إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات "هدراً لمقدرات الثورة "، موضحاً أن "مثل هذا السلاح وُجد للاستخدام في المعارك لرد الطغيان، وليس لاستعراض القوة بين المجاميع البشرية الآمنة".

ولفت إلى أن الاستهتار، وعدم الشعور بالمسؤولية، دفعا بعض المستهترين إلى استخدام أسلحة ذات أصوات انفجار عالية، دون رادع خُلقي، وكأن مواطني المناطق المحررة كان ينقصهم مزيد من الخوف والترويع، بعد كل ما حل بهم من ترويع على أيدي قوات نظام الأسد والمليشيات الحليفة معها.

- دعوات للجم الظاهرة

ورغم الدعوات المتكررة، المنادية بوضع حلول لهذه الظاهرة، فإن هذه الدعوات تصطدم بصعوبات كبيرة، أولاها وجود النظام.

ناشطو درعا، والفعاليات الأهلية والمحلية، ورجال الدين، دعوا في غير مناسبة أصحاب الشأن والقيادات العسكرية في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة، إلى لجم ظاهرة حمل السلاح في غير أوقات المعارك، ووقف إطلاق النار بالمناسبات.

لكن هذه الدعوات لم تلقَ جدية في التعامل معها، وبقيت كلها بإطار الوعود. ويقول عصام عبد القادر، وهو ضابط منشق عن النظام: "من الصعب السيطرة على فوضى السلاح بمناطق سيطرة المعارضة، قبل أن تستتب الأمور في سوريا كلها".

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين"، أشار عبد القادر إلى أن بقاء السلاح في مناطق المعارضة "مرهون ببقاء نظام الأسد وحلفائه"؛ لأن المعركة لم تنتهِ بعدُ، والجنوب السوري مفتوح على كل الاحتمالات، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل المنطقة، كما يقول.

ويضيف الضابط المنشق: "غياب الرؤية يعني استمرار الفوضى والانفلات الأمني وإطلاق النار، والاغتيالات، وتصفية الحسابات".

ولفت إلى أن هناك جهوداً بذلتها بعض المجالس المحلية، بالتعاون مع بعض الفعاليات، للحد من ظاهرة حمل السلاح، لكنها لم تكن كافية، وبقيت في إطار محدود جداً، موضحاً أن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة، ومرجعية ذات قوة تنفيذية على الأرض تفرض سلطتها على الجميع بالقوة.

وأكد أن علاج هذه الظاهرة يحتاج إلى إرادة قوية، وإلى تكاتف جهود جميع الفعاليات، من مجالس محلية، وفصائل عسكرية، ومحاكم شرعية، ووجهاء ورؤساء قبائل وعشائر، إضافة إلى حملات توعية وتثقيف من خلال المنابر والمدارس، للحديث عن أخطار هذه الظاهرة، التي أصبحت تؤرق سكان الجنوب السوري.

يشار إلى أن السلاح بجميع أنواعه وأشكاله، يتفشى في معظم مناطق درعا دون أي ضوابط، وبإمكان أي شخص حيازته، سواء عن طريق الانضمام إلى الفصائل المقاتلة، أو من خلال ابتياعه من محلات بيع الأسلحة، التي باتت تنتشر في كل مدينة وقرية.

وبات الأمر مصدر قلق مضاعف وحالة من عدم الشعور بالأمان لسكان تلك المناطق، كما يقول عبد القادر.