بعد 15 عاماً من سقوط بغداد.. عين العراقيين على تغيير جديد

آخر ظهور لمحمد سعيد الصحاف مدلياً بتصريح لوسائل الإعلام كان قبل يوم واحد من سقوط بغداد بيد الغزو الدولي الذي قادته الولايات المتحدة، وهو يطمئن بسيطرة قوات بلاده على الوضع داخل العاصمة.

الصحاف بسبب كونه المسؤول عن الحديث لوسائل الإعلام في نظام الرئيس الراحل صدام حسين، كان محاطاً باستمرار بالصحفيين من جنسيات مختلفة؛ حيث تحولت بغداد لأهم بقعة في العالم تجتذب وسائل الإعلام العالمية.

وعُرف الوزير الذي كان حتى آخر ظهور له مرتدياً بزة عسكرية، وحوله مجموعة من الصحفيين، بالتقليل من أهمية القوات الغازية، حتى بعد دخولها وسط بغداد، واقترابها من القصر الجمهوري، ومراكز الحكومة.

تصريحات الصحاف التي كانت تناقض الواقع الذي تمر به بغداد، أصبحت ذكرى يستعيدها العراقيون كلما حلت ذكرى غزو بلادهم، وسقوط بغداد.

التاسع من أبريل عام 2003 يوم خلده التاريخ، مثلما خلد مآسي مرت على بغداد منذ عهود طويلة، إذ كثيراً ما عرفت بغداد حروباً وغزوات، أحرقتها تارة ودمرتها تارة أخرى؛ ففيه سقطت العاصمة العراقية بيد القوات الأمريكية.

العراقيون بعد غزو بلادهم، وإعلان القوات الغازية سيطرتها على بغداد، كان الكثيرون منهم يأملون عهداً جديداً؛ فالوعود التي سبقت الغزو كانت تؤملهم بتحويل البلاد إلى واحد من البلدان المتطورة؛ بفضل ما يملكه من ثروة وثراء، لا سيما أنه يملك ثاني احتياط نفطي في العالم؛ وهو ما سيجعل العراقيين شعباً ثرياً.

اقرأ أيضاً :

للحصول على الخدمات.. اعتصامات وقطع طرق في بغداد

لكن ومع مرور الوقت تأكد العراقيون أن رياح الحقيقة تخالف ما كانت تشتهيه سفنهم؛ إذ تسلم السلطة أحزاب وشخصيات تعتمد إدارة البلاد وفق المحاصصة الطائفية، ولأول مرة صار العراقيون يقتسمون مناطق سكناهم وفقاً للطائفة.

وبغداد، ولأول مرة تقسمت مناطقها، وصار سكانها يُهَجّرون من مناطقهم بعد نشوب الحرب الطائفية الداخلية، بين عامي 2005-2009، ليصبح سكان بغداد وللمرة الأولى يسكنون وفق تسميات مناطقية، فتحولت الأحياء إلى "سنية" و"شيعية".

آثار المرحلة الطائفية ما زالت مستمرة حتى اليوم؛ إذ تسببت أعمال خطف وقتل اعتمدها مسلحون من الطائفتين الشيعية والسنية، في ذلك الحينه، إلى كره دفين يعتمل في صدور ذوي الضحايا للطائفة الأخرى، وهو حال كلتا الطائفتين.

التغيير الذي كان يعد به مناصرو غزو العراق، خاصة الأحزاب المعارضة للنظام السابق برئاسة صدام حسين، لم يُنفذ منه على أرض الواقع شيء، خاصة أن من أطلق تلك الوعود هم من يحكمون البلاد اليوم، وذلك ما يُجمع عليه العراقيون، وما تؤكده الأحداث.

فالبلاد تحولت بحسب تقارير عالمية متخصصة إلى واحدة من أكثر بلدان العالم فساداً، وحملت العاصمة بغداد لقب أسوأ مدينة للعيش، وتؤكد تقارير محلية ودولية ارتفاع نسب الفقر والبطالة والأمية والأرامل والأيتام.

وزاد سيطرة تنظيم الدولة على مناطق واسعة من البلاد في 2014 - 2017، من معاناة العراقيين، لتشهد البلاد نزوحاً لملايين السكان فضلاً عن ارتفاع أعداد القتلى والمصابين، بسبب المعارك مع التنظيم، والتفجيرات وعمليات القتل التي كان ينفذها الأخير.

الخلاص من نظام صدام حسين كان أمل شريحة واسعة من الشعب، فقد رفعت معاناة العراقيين من الحصار الذي فرض على البلاد عقب غزو الجيش العراقي للكويت في عام 1991 من نسبة الرفض للنظام الحاكم؛ إذ عانى العراقيون من فقر وفاقة بسببه.

أما اليوم، وبعد 15 عاماً من غزو البلاد والإطاحة بحكم حزب البعث الذي كان يقوده صدام حسين، بدأ من كانوا مؤمنين بالتغيير يرون أن من حكموا العراق بعد عام 2003 هم أكثر سوءاً من نظام صدام، الذي كانوا يأملون الخلاص منه.

وبالاطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، يتوضح جلياً أن العراقيين يسعون إلى تغيير آخر من جراء سخطهم من حكومتهم.

ويتناقل العراقيون عبر مواقع التواصل وثائق مختلفة تؤكد فساد السياسيين والأحزاب الحاكمة، وكبار الشخصيات الحكومية، بينها مقاطع فيديو يعترف فيها سياسيون بقبولهم رِشا.

وكثيراً ما يقارن العراقيون اليوم بين ما كان سائداً قبل 2003؛ من انعدام الفساد وارتفاع مستويات التعليم والخدمات المختلفة، لا سيما في قطاعات الصحة والكهرباء والماء، فضلاً عن الاستقرار الأمني، من جهة، وانهيار كل هذه القطاعات بعد هذا التاريخ من جهة أخرى.

حسين علي، أحد النشطاء المعروفين في مواقع التواصل بالعراق، عَبّر في منشور له على "فيسبوك" في ذكرى غزو البلاد، عن رأيه الذي يؤيده فيه شريحة واسعة من العراقيين، إذ يرى أن الأحداث التي تسبب بها من "حكموا" بعد صدام حسين لمّعت من صورة الأخير بفسادهم.

صالح الحمداني، الكاتب الذي عُرف بمقالاته السياسية الساخرة، كتب بلهجة محلية في حسابه بـ"فيسبوك" يوضح ألم عائلة عراقية سقط أولادها في معارك مختلفة، ويؤكد ربّ هذه العائلة أن حال البلاد بعد 2003 هو الأسوأ، على الرغم من أن ثلاثة من أولاده قتلوا في معارك قبل هذا التاريخ!

صالح الحمداني

وبتصوير الحياة الجميلة التي كانت تحيط بطفولة بريئة، يتساءل إياد الدليمي، الكاتب العراقي، عن موعد شروق شمس بغداد بعد غروب طويل.

الذكرى الـ15 للغزو الأمريكي للبلاد تأتي هذا العام مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في 12 مايو المقبل وهي الرابعة بعد الاحتلال، سبقها ارتفاع بحدة التظاهرات المطالبة بتحسين الواقع الخدمي، ومهاجمة المرشحين وبرامجهم التي تتلاشى بعد وصول قبة البرلمان.