يوم الجمعة في غزة.. "الكاوشوك ورفع العلم" ودلالات التسمية

الإبداع النضالي في غزة لا يتوقف، وكذلك أساليب المقاومة السلمية قبل المسلحة والتي تكاد لا تنقطع، فضلاً عن جماهير غفيرة مؤمنة بحق العودة، تجمعت في أسخن منطقة حدودية لمواجهة "إسرائيل" سلمياً.

يوم الجمعة من كل أسبوع -بدءاً من الإعلان الأمريكي بشأن القدس (6 ديسمبر 2017)، وحتى اقتراب ذكرى يوم النكبة 1948- لم يهدأ، وأصبح موعد لالتقاء الفلسطينيين مع المحتلين، مبتكرين أساليب مقاومة سلمية جديدة.

الفلسطينيون اختاروا أيام الجُمع من كل أسبوع، لتكون موعداً للاشتباك بالحجارة مع جنود الاحتلال الإسرئيلي في المناطق الحدودية شرقي محافظات قطاع غزة الخمس.

ومع انتهاء صلاة الجمعة أسبوعياً وعلى مدار 3 جُمع، يهب الشباب الفلسطيني نحو المناطق التي اعتادوا الذهاب إليها على الحدود مع الأراضي المحتلة؛ للتعبير سلمياً عن تمسكهم بحق العودة، من خلال طرق مختلفة.

- جُمعة مسيرة العودة

في حشد تظاهري لم تشهد له الأراضي الفلسطينية مثيلاً بذكرى "يوم الأرض" الذي يوافق 30 مارس، خرج الفلسطينيون في هبة هي الأكبر من نوعها بهذه المناسبة، بعد حملة شعبية ورسمية واسعة.

وعلى مدار أسابيع، استعد الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل المحتل وبمناطق الشتات، لإطلاق فعاليات "مسيرة العودة الكبرى"، يوم الجمعة (30 مارس 2018)، كأول محاولة لتنفيذ قرار الأمم المتحدة الخاص بحق العودة.

1280x960 (2)

أحمد أبو رتيمة، عضو اللجنة التنسيقية لمسيرات العودة، قال في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، إن مسيرات العودة خرجت من طوق الرسمية والفصائلية، وتحوّلت إلى مبادرة شعبية.

وقال إنها لم تعد حالة مركزية؛ بل إنها أصبحت حالة شعبية، لا سيما أنها استطاعت إعادة الاعتبار للتيار الشعبي الغائب في المشهد الفلسطيني، وكذلك إثبات وجود الإرادة لدى الشعب.

وأشار أبو رتيمة إلى أن هناك تفاعلاً بين قطاعات المجتمع المختلفة وشريحة الشباب تحديداً، والهيئة الوطنية المنظِّمة للمسيرة والتي يقع على عاتقها اتخاذ بعض القرارات المتعلقة بسيرها وتنظيمها.

وكدليل على رمزية المسيرة وسلميتها، نصب الفلسطينيون خياماً في مناطق متفرقة من الأراضي المتاخمة للسلك الحدودي الفاصل بين "إسرائيل" وقطاع غزة، وحملت أسماء مدن وقرى فلسطينية مهجّرة عام 1948.

"جمعة مسيرة العودة الكبرى" كانت الأقوى والأكثر شعبية من حيث المشاركة وعدد الشهداء؛ إذ ارتقى فيها 19 شخصاً (باستثناء حالات الموت السريري)، فضلاً عن إصابة أكثر من ألفٍ آخرين.

1280x960 (1)

- أسباب التسمية

بالنسبة لإطلاق الأسماء على أيام الجُمع، فإن أبو رتيمة رأى أنها نابعة من روح المبادرة لدى الشباب المشارك، الذي يؤكد وجوده كعنصر فعال في هذه الفعاليات من خلال وضع بصمته.

واعتبر في التصريح ذاته، أن مسيرات العودة أصبحت ساحة ومنبراً للإبداع الشبابي، الذي يتضح جلياً في اختيار أسماء الفعاليات، على غرار "جمعة الكاوشوك" و"جمعة رفع العَلم".

وأكد أن التسميات تأتي نتاجاً للحالة الثورية الموجودة لدى الشارع الفلسطيني، وتأكيداً لروح تحدي الاحتلال الإسرائيلي ومقارعته في سبيل نيل الحقوق، وأولها حق العودة.

كل اسم، بحسب أبو رتيمة، يدل على حالة أو توجه عام في الشارع الذي يجمع التفاعل بين روح المبادرة الشبابية والقرارات المركزية الصادرة عن الهيئة الوطنية المنظمة للفعاليات.

اقرأ أيضاً:

"الكاوشوك".. سحابة فلسطينية سوداء تحجب رؤية "إسرائيل"

وفي "جمعة الكاوشوك"، قال إن الشباب بادروا باختيار الاسم؛ لكونه يمثل رمزاً لحالة الغضب والثورة الفلسطينية والتحدي في مواجهة الاحتلال، وهذا الأمر ليس جديداً، إنما استمر سنوات ماضية منذ الانتفاضة الأولى 1987.

أما "جمعة رفع العَلم"، فقد أطلق التسميةَ الهيئة الوطنية، وتنبع دلالتها من حيث تأكيد الهوية الفلسطينية في مقارعة المشاريع الإسرائيلية التي تسعى لطمس حق العودة إلى أراضي 1948.

وعن الجمعة المقبلة، لفت إلى أنها ستحمل اسم "الشهداء والأسرى"، وذلك كوسيلة لإظهار الاهتمام بهذه الشريحة الأسرى وإعطائها حقها؛ نظراً إلى تاريخها النضالي في خدمة القضية.

- جمعة الكاوشوك

بمعيّة وسائل مقاومة أولية، بدءاً بالحجر والسكين، ومروراً بالزجاجات الحارقة، وليس انتهاءً بـ"الكوشوك"، تواصلت سلمية التظاهر على حدود غزة، إيماناً من المتظاهرين بحق العودة ودحر الاحتلال عن أرضهم.

إشعال إطارات السيارات المستعملة، أو "الكاوشوك" بحسب ما يسمّيه الفلسطينيون، سلاح قديم متجدد، استخدمه الثائرون بغزة في الجمعة الثانية من المظاهرات السلمية التي انطلقت تحت اسم "مسيرة العودة الكبرى".

وهذه الجمعة كان لها الزخم الأكبر إعلامياً، محلياً ودولياً، لا سيما بعد أن أطلق شبان ومتطوعون في غزة حملات لجمع إطارات السيارات استعداداً لإحراقها بطريقة سلمية في مواجهة رصاص الاحتلال.

41257154461_2dbe98f7f7_o

وبين الجمعتين الأولى والثانية، شهدت شوارع قطاع غزة استعدادات شبابية وشعبية مكثفة تختلف عن سابقتها من حيث التجهيز والاستعداد؛ إذ قال ناشطون محليون إن شباناً فلسطينيين جمعوا الآلاف من إطارات السيارات لإشعالها.

وأطلق ناشطون آخرون وسم #جمعة_الكاوشوك، في إطار سعيهم لإشعال أكبر عدد ممكن من الإطارات؛ لحجب الرؤية وحماية المتظاهرين السلميين، وهو ما عكس تفاعلاً تُرجم من خلال مساهمات نقدية وعينية.

1280x960 (6)

وفي جمعة "الكاوشوك"، ارتقى 10 شهداء (ارتفع عددهم لاحقاً)، وكان أبرزهم الشهيد الصحفي ياسر مرتجى، الذي شدّ اهتمام العالم بأكمله، وهو ما حقق صدىً واسعاً للحراك الفلسطيني.

وعالمياً وبسبب هذا النشاط التظاهري، أطلقت "إسرائيل" دعوات استغاثة لمنظمة الصحة العالمية، بحجة أن الغازات المنبعثة عن حرق الإطارات ستُحدث ضرراً بيئياً كبيراً، ما سيؤثر في صحة الإنسان، على حد قولها.

- جمعة حرق العَلم

الجمعة الثالثة كانت على موعد مع أسلوب آخر من المقاومة السلمية، تمثّل بحرق العَلم الإسرائيلي ورفع الفلسطيني، وامتد الأمر إلى صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده.

وهنا، أشار أبو رتيمة إلى "إقامة سارية بطول 25 متراً لرفع العَلم الفلسطيني عليها في مخيم العودة شرقي جباليا شمالي القطاع"، فضلاً عن واحدة أخرى في المنطقة الشرقية لمحافظة خانيونس جنوباً.

DaqIUCSX0AAQmL2

هذه السارية وُضعت في مكان مرتفع وأخذت طولاً معيناً؛ لتتيح رؤية العَلم من أي مكان داخل المستوطنات الإسرائيلية في منطقة غلاف غزة (داخل الأراضي المحتلة)، بحسب أبو رتيمة.

وتهدف المسيرة إلى تنفيذ وتطبيق حق العودة للشعب الفلسطيني إلى أرضه التي طُرد منها؛ تماشياً مع القرارات الدولية وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بعودة اللاجئين الفلسطينيين، ومنها القرار الـ194، بحسب القائمين عليها.

وحق العودة يتعلّق بمادة قانونية أُقرّت في القانون الدولي والميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والذي بدوره أُقرّ من الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1948.

1280x960 (3)