المعابر في سوريا.. مصادر لتمويل الحرب وثراء فاحش للنظام

لم يدخر نظام الأسد جهداً إلا وبذله، في سبيل التضييق على أبناء شعبه، ضمن حربه المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات.

ويبدو أن عمليات القتل، والتدمير، والتهجير، والاعتقال، التي ارتكبها طيلة السنوات الماضية بحق هذا الشعب، لم تشفِ غليله، ولم تُشبع رغبة الانتقام لديه.

فنظام الأسد عمد فوق كل ذلك إلى السعي، بكل ما أُوتي من قوة، لحصار السوريين اقتصادياً وأمنياً، من خلال نشر الحواجز والنقاط الجمركية، بين مناطق سيطرته ومناطق سيطرة فصائل المعارضة.

- إقرار بعجز النظام

الناشط الحقوقي عبد الفتاح الناصر، يرى أن "إنشاء النظام النقاط الجمركية، بين مناطق سيطرته وتلك التي تسيطر عليها المعارضة، هو إقرار من النظام بأن الأخيرة لم تعُد تابعة له".

وقال الناصر في تصريح لـ"الخليج أونلاين": "إن هذا الإجراء أحاديُّ الجانب، ويقع في إطار الاعتراف الضمني بعمليات التقسيم الجغرافي، التي يسعى إليها النظام، بالتعاون مع بعض الأطراف الدولية الحليفة".

ولفت إلى أن بعض النقاط الجمركية، خاصة في مناطق الجنوب السوري، "ترقى إلى أن تكون نقاطاً حدودية بين الدول المستقلة، وليس ضمن الدولة الواحدة".

وأكد الناصر أن "انتشارها يشير إلى فقدان سيطرة النظام على معظم مقومات الدولة السورية"، وسط التقسيم الذي باتت تعانيه سوريا بفعل الحرب والتدخلات الخارجية".

اقرأ أيضاً:

استعراض القوة بالمناسبات.. فوضى جديدة تودي بأرواح سكان درعا

- تمويل للحرب وثراء فاحش

الناشط السوري أبو قيس الحوراني أكد أن إقامة النقاط الجمركية في درعا وغيرها من المحافظات "دليل على إفلاس النظام، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبَّدها في حربه على الشعب السوري".

ولفت الحوراني في حديث لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن الهدف منها هو "البحث عن مصادر دخل لتمويل عمليات النظام العسكرية، كما أنها تدخل في إطار وسائل الابتزاز التي يعمل النظام عليها".

ويسعى النظام من خلالها أيضاً، والحديث للحوراني، "للضغط على سكان المناطق المحررة؛ لإجبارهم على القبول بما يسمى المصالحات الوطنية، التي يسعى من خلالها لتركيع المناطق الثائرة".

وأضاف أنها "أصبحت وسائل للثراء الفاحش للضباط ورؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة (لفظ يطلق على عساكر مؤيدين للنظام)، وخاصة قيادة الفرقة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري".

وقال الحوراني: "إن مئات السيارات المحمَّلة بمختلف أنواع البضائع، تعبر يومياً إلى المناطق المحررة ومناطق سيطرة النظام"، موضحاً أن الرسوم والضرائب والرِّشا التي يحصلون عليها، تبلغ مئات الملايين من الليرة السورية".

- أهم المعابر

مصدر خاص قال لـ"الخليج أونلاين"، إن معبر جمارك "خربة غزالة" على الأوتستراد الدولي (دمشق-درعا-عمان)، يعد من أبرز هذه المعابر، التي بدأ العمل عبرها منذ أواخر أبريل 2017.

والمعبر المذكور، الذي تم تجهيزه على مساحة تقدَّر بنحو 20 دونماً، بغرف مسبقة الصنع وسواتر ترابية عالية، يقع إلى الشمال الشرقي من مدينة درعا، ويبعد عنها نحو 19 كيلومتراً، بحسب المصدر.

وأوضح أنه يتحكم في طريقين نظاميَّين يربطان بين مناطق النظام والمعارضة؛ الأول باتجاه مدينة "داعل" الواقعة على طريق درعا–دمشق القديم غرباً، ومنها إلى غربي المحافظة والقنيطرة.

أما الطريق الثاني، فيتحرك باتجاه بلدة "الغارية الغربية" شرقاً، ومنها إلى شرقي المحافظة وجنوبيها، على حد معلومات المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه؛ لأسباب أمنية.

وأضاف: "تمر عبر المعبر إلى مناطق المعارضة، الشاحنات المحمَّلة بالمواد الغذائية، والأدوات المنزلية والكهربائية، ومواد البناء، والمواد الزراعية، وقطع الغيار والألبسة، عدا المحروقات".

اقرأ أيضاً :

درعا السورية تعود لواجهة المعارك وتفتح جبهة مساندة للغوطة

أما باتجاه مناطق سيطرة النظام، وبحسب المصدر، فتمر من خلاله السيارات المحمَّلة بالمنتجات الزراعية والمواشي.

ولفت إلى أن "كل واحدة من هذه السيارات تدفع ما يترتب عليها من ضرائب ورسوم، حسب نوعية الحمولة، بجداول أصدرها النظام وعمَّمها على السائقين، وبمواقع التواصل الاجتماعي".

وأوضح أن "قيمة الضريبة، لا تقل عن مئة دولار أمريكي، وتتجاوز في أحيان كثيرة 2000 دولار، وذلك حسب نوع البضاعة وقيمتها المالية"، مشيراً إلى أن المعبر يسلِّم دافع الرسوم أو الضريبة وصلاً مختوماً نظامياً.

وقال إن المعبر الثاني هو "كفر شمس" في شمال غربي المحافظة، والذي يربط مدينة "الصنمين"، الواقعة تحت سيطرة النظام في ريف درعا الشمالي، مع المدن والبلدات الواقعة تحت سلطة المعارضة في شمال غرب.

وهذا المعبر مخصَّص لعبور المواطنين والمواد الإغاثية ومواد البناء إلى مناطق المعارضة.

- معابر تهريب المحروقات

ويقول قاسم العبد الله (50 عاماً)، أحد تجار المحروقات في درعا، إن هناك عدة معابر أخرى للتهريب وإدخال المواد بين محافظتي درعا والسويداء، لكنَّ أشهرها معبر "المليحة-خربا" الذي يربط شرقي درعا بغربي السويداء.

وأوضح في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "هذا المعبر يعد أحد أهم طرق التهريب الرئيسة، والذي تسيطر عليه من جهةِ محافظة السويداء مليشيات خليطة من الأمن والشبيحة".

وأضاف: "يعتبر الشريان الرئيس لتغذية درعا بالمشتقات النفطية والغاز المنزلي والمواد الطبية"، مشيراً إلى أنه يمارس أنشطته تحت حماية قوات النظام في السويداء، التي تحصل هي الأخرى على حصة من ريعه.

اقرأ أيضاً:

حرب سوريا تسلب الحياة.. فقر يدفع للعمل الشاق وبيع المدخرات

- استنكار وردود غاضبة

مصدر عسكري في محافظة "درعا الحرة"، أشار إلى أن الجهات الثورية والمحلية استنكرت إقامة مثل هذه المعابر، واعتبرتها خطوة على طريق تقسيم البلاد.

ولفت إلى أن "البدء بتجهيزها والترويج لها، تزامن مع مفاوضات (أستانة 4) وإعلان مناطق خفض التوتر، التي اعتُبرت المنطقة الجنوبية، التي تضم محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، واحدة منها".

وأضاف المصدر في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن إقامتها أثّرت سلباً على الواقع الاقتصادي والمعيشي للسكان في مناطق درعا المحررة، وتسببت في رفع أسعار المواد أضعافاً مضاعفة مقارنة بأسعارها الأصلية.

ولفت إلى أن المبالغ والرسوم التي تُدفع لقوات النظام على المعابر تُستوفى من جيوب السكان، من خلال رفع أسعار السلع بشكل وصفه بـ"الجنوني".

يشار إلى أن المعابر التي أقامها النظام، لم تكن حكراً على محافظة درعا في الجنوب السوري؛ بل شملت الكثير من المناطق الفاصلة بين طرفي الصراع.

ففي شمالي حمص، هناك معبري "الغاصبية" و"السمعليل"، ومعبر"أبو دالي" و"مورك" في ريفي حماة الشمالي والشرقي، كما أن هناك العشرات من طرق التهريب المتفق عليها وفقاً لمصالح الجانبين.