سوق العقارات الإماراتي.. انهيار متدحرج ينذر بـ"كارثة اقتصادية"

بعد قرابة الـ 5 شهور على فرض ضريبتي القيمة المضافة والانتقائية، وأقلّ من عام على إعلان مقاطعة دولة قطر وفرض حصار عليها، بدأت تتكشّف مؤشرات متعاظمة لأزمة حادّة أصابت أحد أهم قطاعات الاقتصاد في الإمارات.

فمنذ بداية العام الجاري، بدأ سوق العقارات الإماراتي يواجه أزمة متدحرجة غير مسبوقة؛ ترتسم معالمها في حالة من الركود والانكماش والتراجع الحادّ في نشاط القطاع عموماً، فمستوى الإقبال على الطلب تراجع بشكل تاريخي، في الوقت الذي تواجه الأسواق حالات إغراق هائلة نتيجة تدافع غالبية المستثمرين للتخلّص من عقاراتهم بأي ثمن.

فقد تراجعت أسهم دبي يوم الخميس (3 مايو) إلى أدنى مستوياتها خلال 27 شهراً، على خلفية تذبذب الأسعار في سوق العقارات بالتزامن مع انخفاض مستويات السيولة النقدية.

وأنهى سوق دبي المالي تعاملاته بانخفاض بنسبة 1.86% عند 2947.99 نقطة، أي أقل من حاجز الثلاثة آلاف نقطة الذي يعتبر محطة رئيسية لقياس التعاملات. بدورها سجّلت بورصة دبي تراجعا بنسبة 3.1% مع نهاية الأسبوع.

وشهد سوق العقارات المباعة في دبي -وهو أحد أعمدة اقتصاد الإمارة- تراجعا بنسبة 46% في الربع الأول من 2018، بينما تراجع سوق العقارات الجاهزة بنسبة 24%.

ولعل من أبرز الأسباب التي تقف خلف كواليس هذه الأزمة الكارثية، التي امتدّت تبعاتها لتتسبب بانحدار أسهم بورصتي أبوظبي ودبي، خلال الأسبوع الماضي، اضطرار كثير من المقيمين والمستثمرين خاصة إلى مغادرة الإمارات تحت وطأة استمرار تراجع الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة.

كما تشمل الأسباب الحصار المفروض على قطر؛ فقد كان سوق العقارات -خاصة في إمارة دبي- يعتمد بشكل رئيسي من أنشطته على المستثمرين والمواطنين القطريين، إضافة إلى أن العديد من الشركات العقارية القطرية كانت تعمل في دبي وتوقّفت بفعل إجراءات المقاطعة التي فرضتها أبوظبي على الدوحة.

اقرأ أيضاً :

كيف تحولت الإمارات لوجهة عالمية لجرائم غسل الأموال؟

ويمكن رصد هذا الانكماش الكبير لسوق العقارات في الإمارات من خلال بعض التقارير والمعطيات الاقتصادية الحديثة.

فبحسب تقرير أصدرته وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف، في فبراير الماضي، فإن إيجارات المساكن انخفضت في دبي بنسبة 10 إلى 15%، ومن غير المحتمل حدوث انتعاش لهذا القطاع قبل العام 2020.

وأشار التقرير الدولي إلى أن أسعار العقارات في دولة الإمارات أيضاً تراجعت إلى ذات النسبة (10-15%) خلال العامين الحالي والمقبل (2018-2019)؛ بسبب كمية العرض الكبيرة وفرض ضريبة القيمة المضافة.

ونقل التقرير عن سابنا جاجتياني، محللة تصنيفات الشركات والعقارات لدى "ستاندرد آند بورز"، قولها: إن "هذا التراجع الذي يواجهه سوق العقارات الإماراتي سيستمرّ خلال العام الحالي والقادم على الأقل، قبل أن تستقرّ الأسعار في 2020، وليس قبل ذلك".

وأضاف: إن "الإيجارات في أسواق السكن والتجزئة ستظل أيضاً تحت ضغوط، والفنادق ستضطرّ لقبول متوسّط أسعار أقل للغرف؛ من أجل الحفاظ على معدلات الإشغال".

كما أن كافة المعاملات الخاصة بالمنازل في الإمارات انخفضت مع نهاية العام الماضي بنسبة 24%، مقارنة بمتوسط أعداد تلك المعاملات في السنوات العشر الماضية، بحسب تقرير لشركة "فيدار" الاستثمارية، صدر في مارس الماضي.

ووفق تقرير حديث أصدرته مؤسسة "كلاتونز" للدراسات والاستشارات العقارية، فإن معدلات أسعار الوحدات السكنية في الإمارات من المتوقّع لها أن تنخفض بنسبة تتراوح ما بين 3 و5% مع نهاية عام 2018.

بيانات أخرى حديثة لشركة "جونز لانج لاسالز" الأمريكية تحدثت عن نموّ المعروض السكني المخطط له بإمارة دبي بنسبة 9% في 2018، و7% في 2019، الأمر الذي يسهم في مزيد من التراجع بأسعار العقارات.

ويقدَّر مخزون الوحدات السكنية في دبي، وفق تقرير أصدرته شركة الاستثمارات والاستشارات العقارية "جي إل إل"، منتصف يناير الماضي، بنحو 491 ألف وحدة سكنية بنهاية عام 2017، وتمثّل الشقق أكثر من 80% من إجمالي المعروض، أي نحو 403 آلاف وحدة، بينما بلغ عدد الفيلات 86 ألف وحدة.

ومن بين المشاريع الرئيسية التي اكتمل العمل بها مشروع برج "دوجة" في المركز التجاري (679 وحدة)، وبولو ريزدنس في ميدان (598 وحدة). ومع بداية العام 2018 دخل نحو 17 ألف شقة فاخرة إلى السوق العقاري.

وعلى صعيد الأراضي، فإنه من المتوقع أن يصل المعروض المستقبلي من المساحات في دبي إلى 9.28 ملايين متر مربع، في نهاية عامي 2018 و2019 على التوالي.

اقرأ أيضاً :

خسائر الأشهر الستة.. صفعات سوداء على وجه الإمارات

وانتقلت تأثيرات تراجع قطاع العقارات إلى معظم الشركات في بورصة دبي، فهبط مؤشر سوق أسهم دبي، على مدار جلستي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع الماضي.

وأغلق مؤشر سوق دبي جلسة الأربعاء على تراجع بنسبة 0.3%، وهبط سهم إعمار العقارية 1.5%، بينما انخفض سهم داماك 2.2%.

ومنذ بداية العام، بلغت نسبة انخفاض سهم إعمار 17.3%، وداماك 18.2%؛ لأسباب كان أبرزها القلق بشأن آفاق سوق العقارات.

كما هوى سهم شركة "دريك آند سكل" بنسبة 9.4%، مسجلاً أدنى مستوى له، منذ مايو من العام 2017.

والشركات الثلاث (إعمار العقارية، وداماك، ودريك آند سكل) أهم شركات مختصة في مجال العقارات والإنشاءات في سوق دبي.

كما تظهر تأثيرات أزمة قطاع العقارات في مؤشر حركة الاقتصاد في دبي الصادر عن بنك الإمارات دبي الوطني.

وأكد المؤشر تراجع حركة الاقتصاد في دبي من 55.8 في فبراير الماضي، إلى 55.3 في مارس الماضي، ليسجل بذلك أدنى مستوى له في 3 شهور.

ومؤشر بنك الإمارات دبي الوطني الذي يصدر شهرياً بهدف مراقبة حركة الاقتصاد بدبي، ومؤشر مركب تم إعداده ليقدم نظرة عامة دقيقة على ظروف التشغيل في اقتصاد القطاع الخاص غير المنتج للنفط.

وحول هذه الأزمة يقول المحلل الاقتصادي عبد الرحمن العساف لـ "الخليج أونلاين": إن "سوق العقارات الإماراتي وخاصة في دبي يواجه أوضاعاً غير مسبوقة من الركود والانكماش، وتراجع زخم المشروعات التي يجري تنفيذها، ومستوى الإقبال على الشراء، إضافة للانخفاض الكبير في الأسعار جراء الارتفاع في حجم المعروض مقابل حجم الطلب".

ويضيف العساف: "هذا التراجع في سوق العقارات وفي قطاعات أخرى وما يرتبط بذلك من تصفية العديد من المستثمرين لأعمالهم في الإمارات يرجع إلى عدة أسباب؛ من أهمها الضرائب والرسوم الحكومية الجديدة التي فرضتها الحكومة في نهاية العام الماضي ومع بداية السنة الحالية، والتي أثقلت كاهل رجال الأعمال والمواطنين".

اقرأ أيضاً :

أوراق اقتصادية خطيرة لم تستخدمها قطر ضد دول الحصار

وأوضح أن ارتفاع تكلفة المعيشة إثر الضرائب الجديدة تسبّب بإغلاق العشرات من المحال التجارية والشركات الصغيرة والمتوسطة أبوابها وتصفية أعمالها ومغادرة البلاد، كما دفع الآلاف من المقيمين الأجانب للهجرة وعرض عقاراتهم للبيع، ما تسبب بوجود فائض من العرض في مقابل تدنّي مستوى الطلب.

وفي نهاية العام الماضي، فرضت الحكومة الإماراتية الضريبة الانتقائية على عدد من السلع، قبل أن تدخل العام الجاري بفرض ضريبة القيمة المضافة على معظم السلع والخدمات في الدولة بنسبة 5%، وهو ما أثر بصورة ملحوظة وسريعة في حجم التضخم وفي الأعمال، كما تدرس وزارة المالية فرض ضرائب أخرى على الشركات.

وكان وكيل وزارة المالية الإماراتي، يونس خوري، قد قال مؤخراً، إن وزارته بدأت بإجراء دراسات أولية لفرض ضرائب على الشركات، وإنها تتابع بشكل مستمرّ الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتّبة على تطبيق تلك الضرائب.

ولا يستبعد المحلل الاقتصادي العساف أن يكون للأزمة الخليجية تأثيرات مباشرة على قطاع العقارات في الإمارات.

ويقول: "منذ منتصف 2017 توقّف القطريون عن شراء العقارات في الإمارات، وهذا بالتأكيد سبب مهمّ لتراجع حركة البيع؛ فشركات الاستثمار العقاري القطرية كانت من أهم المستثمرين بهذا المجال، خاصة في دبي".

ووفقاً لإحصائية صادرة عن الأمانة العامة في مجلس التعاون الخليجي، العام الماضي، فقد بلغ عدد العقارات التي يملكها القطريون في الإمارات 1458 عقاراً.

كما وصل عدد المستثمرين القطريين في السوق العقاري في دبي إلى 1006 مستثمرين عام 2016، ولامست قيمة الاستثمارات العقارية القطرية في دبي وحدها نحو ملياري درهم إماراتي (542.4 مليون دولار)، بحسب تقرير لدائرة الأراضي والأملاك في دبي، صادر في يوليو 2017.

وفي يونيو الماضي، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقتها مع قطر بذريعة دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة وتؤكد أنها محاولة للسيطرة على قرارها السيادي.