أخطاء دامية ودور استراتيجي.. هكذا ختم التحالف عملياته في العراق

بعد نحو أربع سنوات على انطلاقه، أسدل الستار على التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "داعش" في العراق، وأنهى بذلك طلعاته الجوية التي غطت سماء البلاد حتى إعلان بغداد القضاء على التنظيم بالكامل.

وجاء في بيان التحالف (في 30 أبريل 2018) أن طبيعة دعمه لقوات الأمن العراقية ستتطوّر "من دعم وتمكين العمليات القتالية إلى التدريب وتطوير القدرات المتعلّقة بتحقيق الاكتفاء الذاتي للأمن العراقي".

وأُغلق مركز قيادة المكوّن البري للقوات المشتركة في احتفالٍ ببغداد، ما يشير إلى نهاية العمليات القتالية الكبرى ضد "داعش" في العراق، والإقرار بتغيير تكوين التحالف ومسؤولياته.

- ولادة استدراكية

ولد التحالف الذي قادته واشنطن في الـ7 من أغسطس 2014، وبعد خطاب متلفز أعلن فيه الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، بدء الضربات الجوية العسكرية الأمريكية، انطلقت عملية "العزم الصلب"، بمشاركة 59 دولة، ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا.

فقد حقق "داعش" في أقل من 60 يوماً مكاسب سريعة صيف العام 2014، وسيطر على الموصل العراقية والرقة السورية، تبع ذلك العديد من الإدانات الدولية لوحشية التنظيم، والانتهاكات المبالغ فيها ضد حقوق الإنسان، والإعدامات التي نفذها، وكانت نقطة الفصل إعدام "داعش" رهائن أمريكيين أسرَهم في سوريا والعراق.

كما جاءت عملية "العزم الصلب" للتحالف، الذي اكتفت دول فيه بتقديم الدعم اللوجستي دون العسكري، رداً على تقارير أكدت أن إيران بدأت في يوليو 2014 بقصف "داعش" بطائرات من دون طيار في العراق؛ لصده عن التقدم نحو الحدود بين البلدين؛ ما قطع الطريق على تفرد طهران بقتاله.

- حصيلة

وعقب 1460 يوماً من القتال المتواصل، أعلن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، أن التحالف شن أكثر من 23 ألف غارة على العراق وسوريا، بكلفة وصلت إلى 13.6 مليار دولار.

وفي تفاصيل الغارات؛ شن التحالف 13 ألف غارة جوية في العراق، و10 آلاف غارة جوية في سوريا، كما نجح مع القوات العراقية في استعادة مناطق من سيطرة "داعش" في العراق، أبرزها مدينة الموصل.

وبحسب بيان المكتب الذي صدر في الذكرى الثالثة لتأسيس التحالف، فإن التكلفة شملت تدريب 100 ألف مقاتل في العراق بعد انهيار الجيش في 2014، وفقدانه 74 ألف عنصر من مجموع 165 ألف عنصر في المحافظات السنية.

اقرأ أيضاً :

وول ستريت جورنال: الطائفية تدفع سنّة العراق للتحالف مع الشيعة

- أهداف غير معلنة

يقول حاتم الفلاحي، الخبير العسكري العراقي، إن التحالف الدولي نجح في تحقيق كثير من أهدافه خلال الفترة الماضية فقد عمل على عدة مسارات؛ منها عسكرية وسياسية وإعلامية، ومارس أدواراً مختلفة لمحاربة التنظيمات "الإسلامية المتشددة"، ومنها تنظيم "داعش"، الذي تمدد في العراق وسوريا وبدأ يهدد الحكومة المركزية العراقية وحكومة كردستان العراق، وهما حليفان للولايات المتحدة.

وأضاف، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن واشنطن أصبحت لديها مخاوف حقيقية من تمدد تنظيم "داعش" خارج العراق وسوريا، وتهديد أنظمة ودول حليفة لها، مثل الأردن والسعودية، وهذه كانت من أهداف التحالف الدولي المعلنة، "ولكن في حقيقة الأمر كان للتحالف أهداف غير معلنة؛ منها عودة القوات الأمريكية للعراق الذي خرجت منه في عام 2011، وكذلك التدخل في سوريا لإيجاد توازن مع الحضور الروسي فيها".

وأشار إلى أن أداء التحالف الدولي كان يبدو منه أنه لن يشترك في مواجهة مباشرة وعمليات برية مع تنظيم "داعش"، وهذا ما أضعف أداءه على الأرض، بحسب الفلاحي، ولكنه عوضاً عن ذلك قدَّم الدعم الاستخباري واللوجستي لحلفائه من القوات الحكومية ومليشيات الحشد، بالإضافة إلى الدعم الجوي الذي كان عاملاً حاسماً في ترجيح كفة المواجهة للقوات العراقية ومليشيات الحشد ضد تنظيم "داعش".

- أضرار ودماء رغم الدور الاستراتيجي

وتعرض التحالف خلال السنوات الأربع الماضية للعديد من الانتقادات، تركزت على قتل المدنيين، والمبالغة في تدمير المدن التي سيطر عليها "داعش"، حتى بدا وكأنه يعاقب سكانها على "إيوائهم عناصر التنظيم"، بحسب المواطنين.

ففي الموصل وحدها، التي حُرِّرت في يوليو الماضي، اعترفت الولايات المتحدة نفسها بوقوع انتهاكات من جراء الضربات "المبالغ بها" على الجانب الغربي للمدينة في مارس 2017، والتي أدت إلى مقتل ما يقارب 300 شخص جلهم مدنيون، واعتبرت الأشد فتكاً بالمدنيين من بين جميع العمليات الجوية التي نفذها الجيش الأمريكي منذ غزو العراق عام 2003.

كما تم تدمير 80% من المدينة، فضلاً عن تشريد سكانها، في أسوأ كارثة إنسانية يعيشها العراق منذ الاحتلال الأمريكي 2003.

وفي يناير الماضي، أكد الناطق باسم القوات العراقية المشتركة، يحيى رسول عبد الله، أن التعاون مع التحالف الدولي سيتواصل على الرغم من الغارات التي أدت إلى مقتل مدنيين في الموصل.

وكان قائد القوات الأمريكية في العراق أقرّ، في ديسمبر الماضي، باحتمال وجود دور للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في انفجارات بالموصل أدت إلى مجزرة، قتل فيها أكثر من 300 مدني عراقي، وقال إن التحقيقات جارية، وإن تنظيم "داعش" قد يكون مسؤولاً أيضاً.

وفي 18 من أبريل 2018 أقر التحالف الدولي بمقتل 28 مدنياً إضافياً، ما يرفع الحصيلة الكاملة لغير المقاتلين الذين لقوا حتفهم من جراء عمليات التحالف إلى 883 على الأقل منذ العام 2014، بحسب الإحصائيات الرسمية للتحالف.

وسبق أن تعرض التحالف لانتقادات كبيرة، ووصف بأنه منذ تشكله يعاني من "خلل بنيوي"؛ لكونه ارتكز على المقاربة العسكرية والأمنية، بالتركيز على إخراج "داعش" دون وجود خطط واضحة لمرحلة ما بعد "داعش".

ويرى مراقبون أن التحالف، منذ نشأته، ليس لديه وجهة نظر سياسية ولا خطة لمرحلة ما بعد "داعش"، وأدت عملياته إلى تدمير المدن وتهجير أهلها دون وجود أي برنامج لإعادة الإعمار أيضاً.

ويخشى كثيرون من أن التدمير الذي لحق بالمدن التي سيطر عليها "داعش" نتيجة غارات التحالف وتهجير أهالي هذه المدن، لم يساعد على تدمير "داعش"، بل سيخلق ردة فعل سلبية في نفوس السكان، ما يمهد الطريق لعودة التنظيم من جديد.

وهنا يعلق الفلاحي بأن كثيراً من العمليات التي قام بها التحالف الدولي "ترتقي لأن تكون جرائم حرب بامتياز، ومن يرى الأوضاع في مدينة الموصل، وخاصة الجانب الأيمن، يتوصل إلى نتيجة مفادها أن القوة المفرطة والقصف العشوائي كانت السمة الغالبة لهذه العمليات، وخاصة عمليات القصف الجوي".

وأشار إلى أن "من يرى مدينة الموصل في الجانب الأيمن يظن أنها تعرضت لزلزال مرعب بسبب التدمير الهائل الماثل للأعيان، بحيث إن كثيراً من الجثث إلى اليوم لم يتم إخراجها من تحت الأنقاض.

وقد أظهرت الإحصائيات الأولية لحجم الدمار الذي شهدتهُ مدينة الموصل؛ من تخريبٍ للبنى التحتية والمعالمِ الأثرية والثقافية والدينية في المدينة، فضلاً عن تدميرِ نسبةٍ هائلة من المنازلِ والفنادق والمصانع والمنشآتِ الحكومية، أظهرت أن نسبة التدمير قد تصل الى أكثر من 90%".

وشدد على أن كثيراً من الخبراء والمتابعين يرون أنه لولا مشاركة التحالف الدولي في المعارك التي دارت ضد تنظيم "داعش" لما استطاعت القوات الحكومية حسم هذه المعارك بهذه السرعة، "فقد أسهمت هذه المشاركة في حسم كثير من المواقف لمصلحة القوات الحكومية ومليشيا الحشد الشعبي، التي عجزت وحدها عن حسم أي معركة لمصلحتها".

ويبرر رأيه بالقول: في معركة تكريت لم تستطع القوات الحكومية دخول المدينة بعد شهر من المواجهات الضارية إلا بعد أن تدخل طيران التحالف الدولي ليحسم المعركة، وكذلك معارك الأنبار والفلوجة وبيجي والموصل، "فقد كان دور التحالف الدولي كبيراً، من خلال تقديم الدعم الاستخباري واللوجيستي والجوي لإدامة زخم المعركة بآلاف الضربات الجوية في مختلف قواطع العمليات، فضلاً عن جهد التدريب والتسليح المميز للقوات الحكومية".