• العبارة بالضبط

أوراق مبعثرة.. بعد قرار ترامب

ربما تكون الأحداث القادمة أشد وطأة من الحدث نفسه، وأكثر ما يميز هذا الحدث هو انعكاساته الدولية قبل انعكاساته الإقليمية، فأوروبا الآن تعرّت حتى من ورقة التوت؛ بسبب التعليمات الاستعلائية التي تلقّتها من ترامب، والتي لن تستطيع إلا أن تنفّذ ما طلبه منهم سيد البيت الأبيض.

أوروبا تدرك تماماً أنها أمام حالتين لا ثالث لهما؛ فإما أن تخضع للتعليمات الأمريكية، وبهذا تكون قد هدمت كل ما بنته من آمال بغية الاستيلاء على قطعة كبيرة من الكعك الإيراني، أو تعارض وربما تناور جاهدة في سبيل تقليص حجم الضرر المترتّب على الانسحاب من الساحة الإيرانية، وبكلا الحالتين فإنها أمام امتحان عسير أمام شعوبها التي تعاني أصلاً من ضائقة اقتصادية، إذا استثنينا ألمانيا وإنجلترا، وبنفس الوقت فإنها تشعر أنه لا مجال أمامها بعد الآن لاتخاذ خطوة استقلالية خارج المظلّة الأمريكية.

لو فرضنا جدلاً أن باستطاعة الروس تقويض القرار الأمريكي بتنفيذ اتفاقيات عسكرية أو اقتصادية تنمّي الشعور الاستقلالي بأوروبا عموماً؛ وخصوصاً فيما إذا اتّخذت الصين نفس خطوات روسيا، وهي -أي الصين- التي أنقذت كوريا الجنوبية من أتون الابتزاز الأمريكي بعد فرضها لقاء الصلح بين الكوريتين، فهل ستبادر الصين وروسيا ومعها المتردّدون من الأوروبيين لقلب المعادلة الأمريكية؟ الجواب سيكون حتماً تقديراً لما تناله هذه الدول من امتيازات من دول الخليج، وخصوصاً من السعودية، في سبيل تمرير قرار البيت الأبيض ضد إيران.

إن الفرصة الآن مواتية جداً للسعودية، وهذا القرار بمنزلة أولى الخطوات التي سعى إليها الأمير محمد بن سلمان مع إدارة البيت الأبيض لتقويض الدور العسكري والسياسي لإيران في المنطقة عموماً، وهي الآن تحاول جاهدة استمالة الروس أولاً، وهم الذين يعانون من التدهور الاقتصادي بسبب العقوبات الأمريكية، وكذلك تدهور سعر صرف العملة الروسية أمام العملات العالمية كالدولار واليورو، ويدركون تماماً أن أي تحرّك نحو تقويض القرار الأمريكي سيكلّفهم الكثير من الخسائر الاقتصادية، وربما الانهيار البطيء لاقتصادها، ولكن لكل شيء ثمن، فهي لن تترك المسألة تمرّ مرور الكرام، بل ستحاول جاهدة عدم إظهار أي علامة تدلّ على نيّاتها المستقبلية طمعاً في المزيد من المال الخليجي والسعودي، إضافة إلى استعدادها إلى ترتيب أوراقها من جديد في المنطقة كبديل للإيرانيين، وخصوصاً في سوريا واليمن، وهي التي تحلم دوماً بالوصول إلى المياه الدافئة.

وبمعنى آخر فإن السعودية ودول الخليج مقبلة بعد الآن على فتح خزائنها من جديد أمام الابتزازات الروسية، مثلما اصطيدت من قبل إدارة ترامب وإيفانكا، بل إن عليها أن تعرف أنها كلما زادت من عطاءاتها للروس وبعض الدول الأخرى عليها أيضاً أن لا تنسى الفم الأمريكي، والذي يسيل منه اللعاب دوماً طمعاً في المال البترولي.

الدلائل تشير إلى أن إيران ستواجه مشاكل لا حصر لها، وربما مفاجآت غير متوقّعة جراء قرار ترامب، ويقيناً أن بعض الدول تترقّب بجدية انهيار إيران من كافة النواحي، أو على الأقل انهيار النظام الإيراني وكما يتوقعونه، لأن إيران تعاني من مشاكل سياسية داخلياً جراء الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى إثارة بعض الأقلّيات الإثنية في البلاد لبعض المطالب المشروعة، وهذا ما سيزيد من تفاقم الأوضاع بعد قرار البيت الابيض.

السؤال الذي يُطرح الآن هل فعلاً إيران باستطاعتها صنع سلاح نووي؟ وهل هي من السذاجة غير المقنعة بأن تطوّر أسلحتها وصواريخها في وقت تدرك تماماً أنها لو خطت خطوة أخرى في اتجاه تطوير أسلحتها فسيهدم سقف البناء فوق رأسها، ثم هل هناك دولة أو شركة أو جهة استطاعت أو تستطيع تزويد إيران بمعدّات فنية؟ وإن استطاعت تزويدها فرضاً فهل سيكون هذا خافياً على الموساد الإسرائيلي أو السي آي أيه الأمريكي؟ إذن من غير المعقول أبداً أن تتورّط إيران باللعب بالنار التي تستعر بقوة، وأيضاً تتذكّر أن احتلال العراق حصل بكذبة أطلقها كذّاب الخارجية الأمريكية، باول، أمام مجلس الأمن.

هناك قضيتان لا بد من الإشارة إليها بسبب توقيت القرار الذي تزامن مع نتائج الانتخابات اللبنانية التي كسحت فيها قوائم حزب الله كل التكتّلات والكيانات الأخرى، ويأتي القرار أيضاً قبل ساعات من بداية الانتخابات العراقية، والتي توحي مقدّماً بفوز كاسح للأحزاب والكيانات الموالية لإيران.

السؤال الآن: مَن بعد إيران؟ ومن الجهة التي تفتح خزائنها للابتزازات الأمريكية؟ لن تقف أمريكا في تنفيذ مخطّطاتها الاستفزازية أبداً، فإيران التي كانت متعاونة مع أمريكا في احتلال العراق، وحسب ادّعاءات قادتها، ستنال ما فرحت به ضد العراق.. والبقية في الدولة القادمة؛ عفواً في العدد القادم وفي أوراق مبعثرة جديدة.