بعد 7 عقود.. مشاريع توثيق فلسطينية تكافح نسيان النكبة

حين هجّرت "إسرائيل" آلاف الفلسطينيين من أراضيهم قبل 70 عاماً، حمّلتهم حفنة من زاد وبعضاً من أوراق الملكية للبلاد، وذكريات لم يكونوا يعلمون أنها ستواكبهم على مدار 7 عقود من تاريخ القضية الفلسطينية.

لكن هذه الذكريات باتت مهددة في ظل حديث عن رحيل جيل النكبة، الذي عايش هجوم العصابات الإسرائيلية على القرى والمدن الفلسطينية وتدميرها عام 1948، قبل إقامة "دولة إسرائيل المزعومة" كما يسميها الفلسطينيون.

و"النكبة" مصطلح يطلقه الفلسطينيون على استيلاء "المجموعات اليهودية المسلحة" على أراضٍ فلسطينية وتهجير أهلها من أراضيهم، والاستيلاء على مساكنهم، حيث توزعوا على بقاع مختلفة من أنحاء العالم.

فالجيل الذي شهد النكبة قبل 70 عاماً، رحل منه جزء كبير، في حين أن قسماً آخر قد يرحل أيضاً بعد 10 أو 20 عاماً، ما يعني فعلاً أن هذه الذكرى ستكون في موضع خطر.

لكن جمعيات فلسطينية وناشطين، حملوا على عاتقهم مهمة حفظ هذا التاريخ من الاندثار، فذهبوا ناحية إعداد أرشفة ودراسات ومشاريع.

اقرأ أيضاً:

دفنتهم أحياء.. 3 شهداء تُخفي "إسرائيل" قصتهم منذ 14 عاماً

- موقع "ذاكرات"

في زوايا موقع "ذاكرات" ستشعر للوهلة الأولى بأنك داخل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها "إسرائيل"، وذلك عبر صور وخرائط صممها القائمون على المشروع، بهدف التعريف بأحداث النكبة وحكايات التهجير القسري.

وتهدف جمعية "ذاكرات" إلى الاعتراف بالمسؤولية والعمل من أجل تحقيق عودة اللاجئين واللاجئات الفلسطينيين إلى أراضيهم ومساكنهم قبل 7 عقود من الزمن.

وعلى موقعها الإلكتروني، تقول الجمعية إنها تأسست لهدف جلب معرفة النكبة إلى الجمهور اليهوديّ في "إسرائيل"، على اعتبار أن ذلك "شرط حتميّ للاعتراف بمسؤولية اليهود عن عمليات الطرد والتخريب ضد الفلسطينيين عام 1948".

وترى أن الاعتراف بمسؤولية اليهود عن النكبة يأتي "تحقيقاً لحقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بلادهم وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194".

152

وتنظم الجمعية، التي تتخذ من مدينة يافا الفلسطينية مقراً لها، جولات إلى القرى الفلسطينية المدمرة بمشاركة وإرشاد السكان الأصليين لهذه القرى، وتعمل على نصب لافتات على أنقاض القرى المدمّرة.

وفي قرارة نفسها، تؤمن "ذاكرات" بأن "كشف تفاصيل النكبة باللغة العبرية وطرحها أمام الشعب اليهودي سيغير الخطاب السياسي في المنطقة برمتها".

وفي إطار سعيها لحفظ الحق الفلسطيني من الضياع، تحاول الجمعية تطوير وسائل تربوية وتعليمية في هذا الشأن، كما تنظم مظاهرات وتشارك في فعاليات وبرامج موازية تنظمها جمعيات اللاجئين الأخرى.

وأطلقت الجمعية، مؤخراً، تطبيقاً حمل اسم "iNakba" بثلاث لغات (العربية، العبرية، والإنـجليزية)، يمكّن مستخدميه من العثور على البلدات الفلسطينية التي هُدمت في النكبة منذ 1948 والتعلّم منه.

ويضمّ التطبيق خرائط تشمل معالم البلدات الفلسطينية التي تمّ هدمها وتغييبها كلياً أو جزئياً، كما يضمّ معلومات تاريخية ولقطات فـيديو وصوراً عن هذه البلدات.

اقرأ أيضاً:

الفلسطينيون يحيون النكبة وعيونهم ترنو للعودة

- كتاب "شهود النكبة"

دائرة شؤون اللاجئين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وانطلاقاً من الهدف الذي أُنشئت من أجله، أخذت على عاتقها أيضاً مهمة توثيق أحداث النكبة، فكان ميلاد كِتاب "شهود النكبة".

الكتاب الذي أصدرته الحركة في مايو 2013، جمع 100 شهادة موثقة لأشخاص عايشوا عملية التهجير القسري التي عاناها مئات الآلاف من الفلسطينيين، وما زالت تبعاتها تلاحق أكثر من 8 ملايين لاجئ حول العالم.

ويستعرض العمل الفريد من نوعه شهادة هؤلاء الأشخاص الذي هُجِّروا من بلادهم في بداية حياتهم، عن أحوالهم وأملاكهم ومشاهداتهم التي احتفظت بها ذاكرتهم، وتكمن أهميته في بُعده التاريخي الذي يوثِّق لمرحلة مضى عليها وقت طويل نسبياً.

الكتاب ضمّ شهادات تناولت الاسم الرباعي للشاهد، وصورة شخصية حديثة له، واسم بلدته الأصلية، ومكان ميلاده وتاريخه، ومكان إقامته الحالي داخل قطاع غزة، وعدد ذريته من دون أحفاده.

-481401981

ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الرواة تُوفوا بعد فترة وجيزة من إجراء المقابلة معهم، ما يؤشر إلى ضيق الوقت المتاح أمام الباحثين في هذا المجال؛ إذ لم يبقَ الكثير من الرواة وشهود العيان على نكبة عام 1948 على قيد الحياة.

ومن باب تدويل القضية، تمت ترجمة الكتاب إلى اللغة التركية بجهود الباحث الفلسطيني علاء أبو ضهير، وأصدرته دار "إز ياينجيليك" للنشر والتوزيع في مدينة إسطنبول.

والكتاب في نسخته التركية مكون من 175 صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن ستاً وثلاثين رواية شفوية للاجئين فلسطينيين، أغلبهم من مدينة يافا وقراها، والذين عاشوا قصة الرحيل الطويلة والمستمرة منذ عشرات السنين.

672-1482811699

- الأرشيف الرقمي

في فبراير 2018، أعلن المتحف الفلسطيني بدء العمل على "الأرشيف الرقمي"، الذي يعدّ المشروع الأكبر والأول من نوعه في فلسطين، وسيمتدّ ذلك 3 سنوات بتمويلٍ مقداره 1.9 مليون دولار من صندوق "أركيديا".

هذا المشروع يأتي كمبادرة استراتيجية بهدف تكوين أرشيف رقمي متاح للجمهور، يضم تسجيلات صوتية وصوراً فوتوغرافية وقطعاً ووثائق وأعمالاً فنية تنتمي إلى مجموعات أرشيفية مهدَّدة توثق تاريخ فلسطين.

وسيهدف المشروع إلى جمع أكبر كمية من الوثائق والصور (الحياة اليومية والشخصية، ووثائق رسمية، والاتفاقات الرسمية، والأعمال الفنية والأدبية)؛ لحفظها إلكترونياً، كنوع من التوثيق للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.

المشروع يكتسب أهمية فريدة واستثنائية، بحسب القائمين عليه؛ نظراً إلى مواجهته واقع التهديد والضياع المتواصل الذي يشهده التراث الفلسطيني جرّاء الاحتلال الإسرائيلي.

والأرشيف يشكل أحد أهم مكوّنات المنصة الرقمية للمتحف الفلسطيني؛ إذ يستكشف 145 ألف مادة أرشيفية مهدَّدة بالمصادرة أو التلف أو الضياع، ويحوِّلها إلى مواد رقمية وينشرها على منصته الإلكترونية باللغتين العربية والإنجليزية.

ويعد أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي من أهم مشاريع المتحف، وإحدى منصاته الرقمية طويلة الأمد، على اعتبار أن سنوات المشروع الثلاث هي فترة تأسيسية لأول أرشيف رقمي من نوعه وحجمه في فلسطين.

ويتصدى المتحف للواقع الذي فرضه الاحتلال، "من خلال حفظ ما يمكن حفظه من مكونات تاريخ فلسطين الحديث؛ من وثائق وصور فوتوغرافية ومواد وأعمال فنية وأفلام وتسجيلات صوتية وغيرها".