التطبيع السعودي مع "إسرائيل".. إذلال وهزيمة

كثير من اللبس يشوب حقيقة موقف الحكومة السعودية من قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويذكر بعض المسؤولين الإسرائيليين والسعوديين جملاً من التودد حينما يمر الحديث عن العلاقات السعودية الإسرائيلية.

لن أتعرض لطبيعة الموقف الإسرائيلي من العلاقات مع السعودية، فالرغبة الإسرائيلية لا تدعو للتشكيك أبداً في حلم الكيان الصهيوني بفتح علاقات مع المملكة، لكن ما يهم المواطن السعودي والعربي هو ما يكشف عنه الخطاب السعودي اليوم تجاه الكيان الصهيوني.

فالقضية الفلسطينية التي ظلت في حكم الثابت الذي لا يتزحزح في نهج المملكة، يصيبه اليوم نوع من التراجع والابتعاد عن مربع الموقف الثابت إلى الموقف المتغير، وبكل الأحوال يصب ذلك في مصلحة الكيان الصهيوني، حيث إن التغير الذي أقصده ليس انكفاء الدور السعودي عن أداء دور في القضية الفلسطينية، إنما تماهٍ مع الميول الإسرائيلية لفتح علاقات بين البلدين وتركيع القضية لخيارات السلام والدولة المستقلة خالية الوفاض.

هناك دلالات تبين حقيقة الموقف السعودي من ذلك الثابت الذي يقف مع حقوق الفلسطينيين:

أولاً: التساهل مع دعاة التطبيع في السعودية الذين يكذبون حقيقة أن قضية فلسطين ثابتة لا تقبل النقاش، وأن حقوق الفلسطينيين لا تنتهي عند إقامة دولة أو إتمام عملية السلام من دون استرداد كل الحقوق.

لم يقل أحد إن هذا مقبول في إطار تعدد الآراء، فتعدد الآراء كذبة سعودية، بالإضافة إلى أن الثابت الديني والقومي لا يحتمل مثل هذا التخاذل الحاصل من قبل دعاة التطبيع.

ثانياً: يؤكد تدني مستوى التمثيل في القمم التي دعت إليها تركيا بعد إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتداءات الأخيرة التي جاءت بعد تعدي الكيان الصهيوني على المتظاهرين على الحدود مع غزة، بأن المملكة فضلت التراجع عن تزعم موقف سياسي رافض للعنجهيات التي تقودها الولايات المتحدة والصهاينة، فالإشارة التي تركها عزوف الملك سلمان وابنه عن حضور هذه القمم تعني أن القضية يمكن التعامل معها عبر رسائل استنكار وردود صوتية لا تتعدى جلسة مجلس الوزراء، فأين هذا الثابت الذي جاهدت السعودية في فترات ماضية أن تكون متصدرة المشهد دفاعاً عنه؟

ثالثاً: تشهد العلاقات السعودية الأمريكية نوعاً من التراخي السعودي الذي أصاب الملف الفلسطيني، ففي الوقت الذي أعلن فيه ترامب نقل السفارة إلى القدس وافتتاح السفارة بعد أشهر من الإعلان، خلت كل الحوارات السعودية الأمريكية من أي حديث جاد عن التراجع عن هذه الخطوة، ولم نسمع سوى تصريحات سريعة حول القلق السعودي ولا شيء غير ذلك، فيما ظلت السعودية منكفئة عن اتخاذ خطوة جماعية مع الدول العربية أو تحت مظلة التعاون الاسلامي.

رابعاً: كانت المقاومة الفلسطينية محل احترام من المسؤولين السعوديين على الأقل، وتذكرنا تصريحات الأمير سعود الفيصل في دعمه للمقاومة الفلسطينية بالحدود التي التزمت فيها السعودية مع المقاومة حتى مع الدعم المحدود المقدم لهم، لكن ما يتفوه به المسؤولون السعوديون اليوم؛ من اعتبار حماس حركة إرهابية، يوحي بلا شك أن القضية الفلسطينية طعنت من قبل المملكة في أحد أعمدتها وهي المقاومة، فمن الصعب أن يأتي تصريح عادل الجبير عن حماس باعتباره رأياً، بل هو موقف واضح لا غبار عليه.

ما تخشاه السعودية اليوم من إيران تخوفات مشروعة نشجعها لإيقاف هذا الخطر، لكن استبدال إسرائيل بإيران كمهدد رئيسي للأمن القومي العربي، خطوة تدمر مستقبل الأمة العربية، وفي المركز منها الخليج العربي، لا يمكن أن تصطف السعودية مع إسرائيل لمواجهة إيران ثم الرجوع بعد ذلك لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، إن أي طلب تسترجيه الدول العربية من إسرائيل، حتى لو كان الوقوف ضد إيران، مع كامل اليقين بهزيمة إيران، هو بالفعل إعلان رسمي لتهويد القدس وتسليم كامل للقضية الفلسطينية.