هل أعدمت الرياض وأبوظبي مجلس التعاون الخليجي؟

بعد أن وجّهتا له طعنة أليمة في جسده الذي كان يُنظر له على أنه الأقوى في المنطقة العربية، وقّعت الرياض وأبوظبي قرار إعدام مجلس التعاون بشراكة ثنائية تجعله في حكم الميت سريراً.

وجاء الإعلان عن مجلس تعاون ثنائي بين السعودية والإمارات، يوم الأربعاء السادس من يونيو 2018، في مدينة جدة السعودية، بحضور ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، في وقت تبدو فيه احتمالات استمرار منظومة مجلس التعاون الخليجي محل شكٍّ كبير، خاصة في ظلّ انسداد أفق حل الخلاف الذي بدأ عندما قطعت ثلاث دول خليجية ومصر علاقاتها مع دولة قطر وفرضت عليها حصاراً خانقاً قبل عام من الآن.

وما زاد الشكوك حول نيّة دول الحصار إنهاء مجلس التعاون الخليجي الحضور الباهت الذي ظهرت به أعمال القمة الخليجية الـ38 في الكويت، في ديسمبر الماضي، والتي تجلّى بها غياب "الإرادة السياسية" لقادة دول حصار قطر لحل الأزمة الخليجية.

- صورة طبق الأصل

المجلس الوليد الذي يعدّ بمنزلة بديل واضح لمجلس التعاون يهدف، وفق البيان الرسمي الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس)، الأربعاء 6 يونيو 2018، إلى إبراز مكانة الدولتين في مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية والتكامل السياسي والأمني والعسكـري، وتحقيق رفاه مجتمع البلدين.

كما يهدف أيضاً إلى وضع رؤية مشتركة تعمل على تعميق واستدامة العلاقات بين البلدين بما يتّسق مع أهداف مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لكن هذا الأمر محلّ تساؤل كبير، خاصة أن قطر -العضو الفاعل والمؤسّس- محاصرة من قبل جيرانها، وقد تأثّرت بسبب الحصار آلاف الأسر الخليجية، وانتهت أحلام كبيرة كالاتحاد الخليجي والعملة الموحّدة.

ويهدف المجلس الثنائي، وفق بيان إعلانه، إلى تعزيز التعاون السياسي والأمني والعسكري والمنظومة الاقتصادية المتكاملة بين البلدين، وإيجاد الحلول المبتكرة للاستغلال الأمثل للموارد الحالية، وبناء منظومة تعليمية فعّالة ومتكاملة قائمة على نقاط القوة التي تتميّز بها الدولتان لإعداد أجيال مواطنة ذات كفاءة عالية.

اقرأ أيضاً :

هل وصل مجلس التعاون الخليجي لنهاية مسدودة؟

هذه الأهداف المذكورة صورة طبق الأصل عن النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي، الذي ينصّ على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها التامّة، لذا يتساءل الكثيرون حول جدوى وجود هذا المجلس في ظل مظلّة مجلس التعاون الأكبر والأعرق.

لكن هذا النظام ضُرب بالصميم مع بدء حصار قطر، في يونيو 2017، خصوصاً في مادته العاشرة التي تنصّ على أنه "إذا نشأ خلاف حول تفسير أو تطبيق النظام الأساسي ولم تتمّ تسويته في إطار المجلس الوزاري أو المجلس الأعلى فللمجلس الأعلى إحالته إلى هيئة تسوية المنازعات"، لكن هذه الهيئة لم ترَ النور رغم عظم الأزمة.

وتجلّت هشاشة المجلس أيضاً في الأزمة الخليجية الراهنة؛ إذ بدا وكأنه غير موجود ولم يكن معنيّاً بالأزمة، وبدا أمينه العامّ، عبد اللطيف الزياني، غير مكترث أو غير قادر على التحدّث في هذا الأمر، بل إنه يقف إلى جانب دول الحصار بشكل واضح، هذا فضلاً عن تجاهل وساطة أمير الكويت من قبل دول الحصار، الذي سعى كثيراً ويواصل سعيه لحل الأزمة الخليجية من خلال تحرّكاته ومسؤولين كويتيين كبار.

وكان لافتاً أيضاً غياب البحرين عن هذا المجلس رغم كل ما بذلته في تكريس الحصار والفرقة الخليجية، خاصة "تويترياً"، وخير مثال على ذلك دعوة وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، في أكتوبر الماضي، لـ "تجميد" عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي "لحين تجاوبها" مع مطالب دول المقاطعة الأربع.

- قمم خلف الستار

لكن في المقابل، هذا المجلس قد يكون بداية مخطّط قديم لتحالف جديد كانت الإمارات قد وضعت أسسه في قمة سرية، أواخر عام 2015، حضرها عدد من الزعماء العرب، على متن يخت في البحر الأحمر؛ بهدف وضع مخطّط لإقامة تحالف جديد بديل عن مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية.

ونقل موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، في نوفمبر الماضي، في تقرير حصري عن مصدرين مطّلعين ما دار في الاجتماع؛ أن اللبناني جورج نادر، صاحب فكرة التحالف وترتيب القمة السرية، اقترح على الزعماء الحضور تشكيل تحالف "إقليمي نخبوي" من السعودية والإمارات والبحرين ومصر وليبيا والأردن؛ بهدف نسف الجامعة العربية ومجلس التعاون.

وقال نادر للزعماء الحضور إنهم إذا وافقوا على هذا المقترح "فسأضغط من أجله في واشنطن"، مضيفاً أن الكيان الجديد "يمكن أن يصبح قوة في المنطقة، ويمكن للحكومة الأمريكية الاعتماد عليه" لمواجهة نفوذ تركيا وإيران، وفقاً للمصدرين.

وجورج نادر شخصية مقرّبة من ولي عهد أبوظبي، ورجل أعمال أمريكي من أصل لبناني، ومدان في قضية استغلال أطفال جنسياً، ويتعاون حالياً مع المحقّق الخاص روبرت مولر، في قضيّة التدخّل الروسي بالانتخابات الأمريكية في 2017، وتمويل حملة دونالد ترامب بأموال إماراتية.

وذكر الموقع أن القادة العرب الذين حضروا "قمة اليخت السرية" من دول السعودية، والإمارات، والبحرين، والأردن، ومصر، بهدف التآمر لمواجهة ما أسمته النفوذ التركي والإيراني، واستبدال كيان جديد بمجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية.

وربما تكون خطوة الشراكة الإماراتية- السعودية هذه بداية لضمّ البحرين ومصر لاحقاً، خاصة أنه قبل الإعلان عنه بأسابيع جمعت قمّة سرية قادة دول الحصار الأربع في السعودية بعد عام من بدء الأزمة.

هذا اللقاء الذي لم تتداوله وسائل إعلام أي من دول الحصار يثير كثيراً من التساؤلات حول ما جمع هؤلاء جميعاً سراً في مكان لم يُعرف بعد، ما يشير إلى أنه لم يكن لقاء لتبادل النكات أو لتمضية الوقت في الحديث عن الذكريات، خاصة أن القادة الأربعة لا يضيعون وقتاً، ويتحرّكون بسرعة في سبيل تحقيق خططهم، بغضّ النظر عن تداعياتها المؤلمة التي نعيشها اليوم.