• العبارة بالضبط

"الفراشة" والغاز.. هكذا تقتل "إسرائيل" المتظاهرين على حدود غزة

على حدود قطاع غزة، وخاصة أيام الجُمَع، يرتكب الجيش الإسرائيلي مجازر دامية بحق المتظاهرين العزل والسلميين، ليس بالخفاء كعادته، بل هذه المرة أمام أعين العالم وكاميرات الصحافة والإعلام التي توثق الجرائم لحظة بلحظة وتثبتها في بث حي ومباشر.

مشاهد سقوط الفلسطينيين على الأرض بعد إصابتهم برصاص الاحتلال في الرأس والصدر والقدم، لا تقل بشاعة عن مشاهد أخرى وثقت لقنابل الغاز الساخنة وهي تلصق في وجوه المتظاهرين وتحرقها بالكامل، كسلاح جديد محرم يستخدم لأول مرة من قبل جيش الاحتلال في قمع المتظاهرين على حدود القطاع.

الصور التي التُقطت للشاب هيثم أبو سبلة (24 عاماً) بعد إصابته شرق غزة، الجمعة الماضية، بقنبلة غاز متطورة، واستقرارها داخل أنفه ومحاولته نزعها لكن دون جدوى، وتسببت بحرق وجهه، يكشف عن بشاعة هذا المحتل وخطورة المواد التي يستخدمها في إصابة وقتل المتظاهرين بشكل متعمد.

اقرأ أيضاً :

غزة.. 4 شهداء و618 إصابة في "مليونية القدس"

- السلاح القاتل

ورغم محاولة الأطباء والمسعفين تقديم الإسعافات الأولية له فور إصابته، ومحاولة إخراج القنبلة من أنفه، فإنهم فشلوا، ما تسبب في مضاعفة وضعه الصحي وركوده في داخل غرفة العناية المركزة في مشفى الشفاء بمدينة غزة، ولا يزال وضعه الصحي حرجاً للغاية.

ويقول معين أبو سلبة، أحد أقارب المصاب، لـ "الخليج أونلاين": إن "هيثم كان في المظاهرة السلمية التي خرجت على حدود القطاع، ولم يلقِ القنابل ولا الصواريخ ولا الرصاص على جنود الاحتلال، فقط كان يقول "الله أكبر، الله أكبر"، وكان نصيبه قنبلة صوت غادرة اخترقت وجهه واستقرت داخل أنفه بصورة وحشية وقاسية".

ويشير إلى أن هذا النوع من القنابل الغريب والجديد "لم يسبق أن شاهدناه في ميادين المواجهة مع المحتل، وعند محاولة نزعه من المصاب يتعمق في جسده عند تحريكه ويحرق أكثر، حتى يصل إلى مناطق حساسة يصعب الوصل إليها ويفاقم من حالة المصاب".

وطالب معين المؤسسات الدولية والإنسانية والحقوقية بإرسال لجنة تقصي حقائق عاجلة إلى غزة لفحص هذا الغاز الذي يصيب المتظاهرين بالشلل والقتل، ومحاكمة قادة الاحتلال على الجرائم التي ترتكب على حدود قطاع غزة أمام مرأى ومسمع العالم أجمع.

وخلال المواجهات على حدود قطاع غزة، غالباً ما كان يشاهد تصاعد كثيف لدخان قنابل الغاز التي يُطلقها الاحتلال على المتظاهرين قرب السياج الفاصل، غير أن الفلسطينيين باتوا يعرفون أسلوب التصدي لهذه الممارسات ضدهم، فتجد بعضهم موشحاً بالأقنعة أو بالكوفية الفلسطينية، في حين أن آخرين وجدوا حلولاً بدائية مثل "البصل"؛ للتخفيف من حدة تأثير تلك القنابل.

وكانت دراسة أمريكية صادرة عن جامعة كاليفورنيا بيركلي الأمريكية، حديثاً، كشفت الستار عن أثر استخدام جيش الاحتلال المستمر للغاز المسيل للدموع خلال المواجهات مع الفلسطينيين؛ إذ يدمر الصحتين الجسدية والنفسية للفلسطينيين، ولا سيما النساء والأطفال والمسنين.

وبينت الدراسة أن الآثار الجسدية للغاز المسيل للدموع على الفلسطينيين، صغاراً وكباراً، تمثلت في فقدان الوعي، والإجهاض، وصعوبات في التنفس، ومنها الربو والسعال، والدوار، والطفح الجلدي، والألم الشديد، والتهاب الجلد التحسسي، والصداع، والتهيج العصبي، والصدمة الحادة من إصابات الأوعية، وغيرها، كما تسبب في إجهاض عدد من النساء الحوامل بعد مدة وجيزة من تعرضهن للغازات.

وطالبت الدراسة "إسرائيل" بالكشف عن أنواع المهيجات الكيميائية المستخدمة في القنابل، وكذلك تركيبها الكيميائي، ليتمكن المختصون من تقديم العلاج المناسب للمصابين باختناقات الغاز.

اقرأ أيضاً :

طائرات غزة الورقية تلحق بـ"إسرائيل" خسائر مليونية

- جرائم حرب

إصابة أبو سلبة ليست الأولى ولا الأخيرة التي ستسجل بسجل وزارة الصحة الفلسطينية ضمن قائمة المصابين بحروق وتشويه بفعل قنابل الصوت الحارقة، بل هناك سلاح آخر أكثر فتكاً يصيب الفلسطينيين يؤدي لاستشهادهم أو إصابتهم بإعاقات دائمة، مثل قصة الجريح الشاب فؤاد مقداد، الذي فقد قدمه بطلق واحد من جيش الاحتلال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة، في 1 يونيو الماضي.

مقداد هو الآخر أصيب بنوع جديد من السلاح ويسمى بـ"الفراشة"، وهي رصاصة إسرائيلية تطلق على الجسم وتفتِّت أجزاءها داخله، فإذا لم تؤدِّ للقتل فستكون نتيجتها الإعاقة الدائمة.

ويشير مقداد لـ"الخليج أونلاين" إلى أن هذا النوع من الرصاص المتفجر أصاب المئات من المتظاهرين وسقطوا بين جريح ومعاق وشهيد، مؤكداً أن لهذا الرصاص قدرة غريبة على التغلغل داخل جسم الإنسان وقطع الشرايين وهتك الأنسجة وتفتيت العظام، وهو ما تؤدي لنزيف حاد يصعب السيطرة عليه، بحسب شهادات الأطباء الذين أشرفوا على حالته.

المشاهد المصورة من حدود غزة، تُظهر تعمد الاحتلال قنص الفلسطينيين وإيقاع الشهداء في صفوفهم، كما أنه تمّ استخدام الرصاص الناري المتفجّر ضدهم، وهو ما بدد روايات الاحتلال في سعيه لـ"الدفاع عن النفس" أمام المجتمعات الدولية، والتي باتت تُطالب بفتح تحقيقات حيال جرائم الاحتلال ضد مدنيي غزة.

أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية، أكد لـ"الخليج أونلاين"، أن الاحتلال ارتكب العشرات من المجازر بحق المتظاهرين على حدود قطاع غزة، ضمن سياسة قمعه لمسيرات العودة.

ويضيف القدرة: "هناك حالات وصلت إلى مستشفيات غزة قد أصيبت إصابات مباشرة في الوجه والجسد، سواء بقنابل الغاز أو رصاص "الفراشة"، وصعب على الأطباء التعامل مع تلك الحالات نظراً للخطر الذي تحدثه القنابل والرصاص؛ ما يؤدي لاستشهادهم على الفور.

ويلفت إلى أن السلاح الذي يستخدمه الاحتلال بحق المتظاهرين السلميين محرم دولياً ومخالف لكل القوانين والأعراف الدولية في قتله المتعمد للفلسطينيين، كاشفاً عن وجود تحرك فلسطيني لجمع تلك الأدلة التي تدين جنود الاحتلال بالصور والفيديو لتقديمها في الوقت المناسب للمؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية لفضح ممارسات الاحتلال بحق المتظاهرين وقتلهم بدم بارد.

ويقول استشاري جراحة العظام في مشفى غزة الأوروبي والشفاء، الدكتور جمال أبو هلال، إن الإصابات التي شاهدها كانت صعبة، والرصاص المستخدم (الفراشة) تسبب في تهتك شديد في عظام المصابين وأجسادهم، خاصة مفاصل الأرجل، وهذا تطلب خضوع المصاب لسلسلة عمليات جراحية شارك فيها المتخصصون في العظام والأوعية الدموية.

وأوضح أن الأطباء يبذلون جهوداً كبيرة لإنقاذ المصابين من البتر، وتثبيت العظام بصورة فاعلة، مشيراً إلى أن جل الإصابات حول مفاصل الركب، أو الكاحل أو الكوع، وهي تؤدي إلى تهتك غضروف المفاصل، والتعامل معها صعب، ويحتاج لتدخلات طبية متعددة.

وكان النائب أشرف جمعة، الخبير في مجال المواد الخطرة، أكد استخدام الاحتلال أنواعاً مختلفة من الغازات السامة ضد المشاركين السلميين في مسيرات العودة، موضحاً أنه تم تحديد أحد هذه الأنواع وهو غاز "CN" وأخواته "CA" و"CS"؛ وهي غازات مهيجة وتندرج تحت اسم "الغازات المسيلة للدموع".

والجمعة الماضية (8 يونيو) استشهد 4 فلسطينيين، وأصيب 618 آخرون بجراح واختناق، بينهم 26 طفلاً و14 سيدة، من جراء قمع قوات الاحتلال مسيرة الجمعة الحادية عشرة، تحت اسم "مليونية القدس"، ليرتفع عدد شهداء المسيرات السلمية، التي انطلقت في 30 مارس الماضي، لـ 124 شهيداً إضافة إلى إصابة أكثر من 13 ألفاً و600 آخرين.

وكان مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الأمير زيد بن رعد الحسين، قد طالب سلطات الاحتلال الإسرائيلي بـ"معالجة مسألة القوة المفرطة في قطاع غزة"، وقال: "إن فقد الأرواح أمر يستحق الشجب، وعددُ مصابي غزة صادم"، وهو ما تؤكده أيضاً إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية منذ انطلاق المسيرات.