• العبارة بالضبط

الأحياء المدمرة.. استوديوهات "تشبيح" للدراما السورية هذا العام

استغل منتجو الدراما والبرامج السورية هذا العام الأحياء المدمرة والأنقاض المتراكمة كاستوديوهات جاهزة للتصوير بشكل ملحوظ، في ظاهرة تبدو وكأنها ترويج لأفكار سياسة النظام السوري المتسبب الأول في كل هذا الدمار.

مشاهد تلك المسلسلات المستخدمة لتلك الأمكنة كـ "لوكيشن" للتصوير، والذي يضاهي ما لا يمكن أن يجدوه حتى في هوليوود، يرى الاتجاه السياسي السائد فيها، والأفكار التي تنفث في كل حلقة ومشهد، والتي تؤكد روايات النظام، أن "الإرهاب وأصحابه وتفجيراته هم السبب في تدمير المدن"، وأن الجيش السوري تحت قيادته الحكيمة– على حد قولهم- هو المنقذ الوحيد للبلاد والعباد فيها.

يقول الدكتور في العلاقات العامة والتسويق السياسي، علاء تباب، في حديث خاص لـ"الخليج أونلاين": "لا شكّ أنه في سوريا تسيست كلّ مرافق الحياة المدنية، أو بعبارة أدق تعسكرت كلّ تلك المرافق؛ فتحوّلت المراكز الإعلامية إلى أفرع أمنية وثكنات عسكرية تسعى لاغتصاب فكر المواطن بواسطة الصورة والمشهد والدراما السورية، مستغلةً حالة الهذيان والرهاب الفكري والصدمة الاجتماعية التي خلفتها الممارسات القمعية للنظام تجاه الرأي العام السوري والشرائح المدنية في المجتمع".

وعليه؛ أصبح عقل الرأي العام مستعداً لتقبل كل الأفكار دون مقاومة فكرية عكسية، بسبب حالة الانفصام الاجتماعي التي يكابدها، بحسب تباب، فتقبله للأفكار المراد فرضها على عقله، ليس دافعه القناعة مطلقاً؛ بل تبنيه لها يكون بدافع الخوف من السلطة وسعياً منه ليتطابق مع أفكار تنهي حالة الصراع الداخلي التي يعيشها مع ذاته حتى ولو كانت كاذبة.

وهذا ما سماه تباب في حديثه بعملية "غسل الدماغ المجتمعي"؛ والذي يشبه عملية غسل الدماغ الفردي التي يخضع لها المعتقل بعد ضربه وتعذيبه وتهديده ومن ثم إخضاعه لحقن أفكار معينة يراد لها أن تترسب في عقله.

ومن ذلك نفهم التكثيف الدرامي "المخابراتي" لمشاهد المدن المدمرة بهذا التوقيت بالذات؛ حيث يراد من خلالها إعادة هيكلة المفاهيم والأفكار بعقل الرأي العام السوري وفق المشهد المخابراتي المراد صناعته في المرحلة التالية لحقبة ما أسماه النظام بالتطهير، وفق قوله.

وأضاف تباب أنه "خوفاً من تفسير الرأي العام العربي والشريحة الاجتماعية الخاضعة لسيطرة النظام واقع المناطق المدمرة بأنه سياسة تهجير وتغيير ديمغرافي؛ يحاول الإعلام الدرامي استيعاب الواقع الاجتماعي وإظهار الخراب الحالي على أنه نتاج الجماعات المتطرفة المدعومة من الاحتلال الإسرائيلي".

ومن هنا نلاحظ أنّ إعلام النظام يحاول إيصال هذه الرسالة بقالب بسيط وهزلي بهدف التنفيس الاجتماعي، ويتجنب القالب المنطقي والسياسي الجاد؛ لعجزه عن إقناع الرأي العام بمصداقية الكذبة المراد تسويقها.

ويرى تباب أنّ "واقع الهذيان الاجتماعي الذي يسيطر على الحالة السورية يجعل المجتمع متأهباً لقبول اللامنطق المطلق في السياسة والدين والمجتمع، ولن يتوقف الأمر عند تحديد مفهوم المدن والحضارة المدمرة فحسب".

وأضاف تباب أن "الفئة المهجرة لم تكن هي المستهدفة من تلك الأعمال، بل الشريحة الرمادية خوفاً من انفجارها، والشريحة المؤيدة تعزيزاً لموقفها، والرأي العام العربي سعياً لتضليله ومحاولة كسبه كمؤيد لسلوك النظام تجاه الحراك السوري".

أمّا بالنسبة لإمكانية تأثير الرسائل المذكورة على الحراك الثوري، فالأمر بغاية الصعوبة، بحسب تباب؛ "لأن شريحة الحراك عايشت الواقع وعاينته عن قرب ولا تقع تحت وطأة الخوف والتهديد الذي يعانيه القابعون تحت سلطة النظام".

ويتابع: "لكن بذات الوقت حتى الشرائح الثورية قابلة لأن تكون عرضة لعملية غسل الدماغ الجماعي وتقبل أفكار خارجة عن سياق المنطق الثوري، لأنّ هذه الشريحة أيضاً تعاني من صدمة مجتمعية تجعلها مستعدة لقبول أمور مجتمعية وسياسية وثقافية وإعلامية خارجة عن سياق متطلباتها، وإنّ غياب البديل الفكري المنظّم والمدعوم دولياً وسياسياً يشكل متغيراً إضافياً في استعداد الحراك الثوري لقبول ما لا يريده".

- تدبير مخابراتيّ منسق

أما الصحفي المعارض عبادة كوجان فرأى، في حديثه مع "الخليج أونلاين"، أن استخدام الأحياء والمناطق المدمرة في الأعمال الدرامية هو بهدف إظهار سيطرة وسطوة النظام، لتظهر قوته وقوة جيشه التدميرية، وأنه قادر على استعادة المناطق التي سيطرت عليها المعارضة مهما طال الزمن من جهة، ومن جهة أخرى استخدمها كتسويق له بأنه المحرر للأراضي التي عاث فيها الإرهابيون فساداً، على حد قولهم، محاولاً أن يوهم الجمهور بأنه "المخلص"، كما حدث في حمص وريف دمشق وحلب الشرقية من قبلها.

وأضاف كوجان أن "هذه الأفكار لا يمكن أن تكون من بنات أفكار الكتاب والمخرجين والمنتجين، بل هي سياسات ممنهجة رسمت في أقبية المخابرات وهؤلاء الإعلاميون ما هم إلا أداة لتنفيذها، كما رأينا مع نجدت أنزور الذي يعتبر المسوق لسياسة النظام الإعلامية، ومن هنا نتأكد أن كل ما يخرج ويوافق على عرضه على الشاشة ما هو إلا تدبير مخابراتيّ منسق".

كما أكد كوجان أن هذه السياسة ليست وليدة الثورة، أو طريقة حديثة، "بل هي منهاج النظام السوري منذ عهد حافظ الأسد ومن بعده بشار، أن كل ما يعرض على الإعلام هو جزء من النظام ويصب في مصلحته بطريقة أو بأخرى".

ويرى كوجان أن الدراما وصناعتها هي أحد الأسلحة التي تؤثر في الشعوب، وهي أفضل ما يستطيع به نظام حاكم أن يسيطر على عقول الشعب وأفكارهم.

يذكر أن أبرز تلك الأعمال كان مسلسل "روزنا"، الذي يصور انتصار النظام في مناطق حلب الشرقية بعد دخوله لها، ومسلسل "الهيبة" الذي يجمل ويروج لنظرية ما يطلق عليه "التشبيح"، و"فوضى" الذي يحاول تصوير النظام بأنه المخلص الوحيد من "إرهابيي" ريف دمشق بعد تدميرهم للمناطق هناك وتفجيراتهم فيها.

كذلك نجد مسلسل "وحدن"، الذي يتحدث عن تعرض إحدى القرى السورية لهجوم من قبل الجماعات المسلحة – كما يقولون – فيقتلون عدداً من رجالها، بينما ينضم العدد القليل المتبقي للجيش النظامي لمحاربة الإرهاب، وغيرها.