أكبر الخاسرين

إنْ بقي الفلسطينيون منقسمين ومتنازعين. وإن بقي العرب منقسمين ومستنزَفين، فالوقت أنسب ما يكون لنشهد المزيد من تمدد المشروع الصهيوني في المنطقة.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/kZay7v
الثلاثاء، 26-11-2019 الساعة 13:19

انعقدت جلسة وزراء الخارجية العرب في القاهرة، 25 الشهر الجاري، لمناقشة الموقف الأمريكي المُعْلَن على لسان وزير الخارجية، مايك بومبيو، بأن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يخالف القانون الدولي. وهو الموقف الذي حَمَل الكثير من الاستخفاف وعدم الاكتراث بالمجتمع الدولي والعرب والفلسطينيين؛ فالأمر لا يحتاج الكثير من العناء حتى نعلم بأن الاستيطان غير شرعي ومخالف صراحة لمبادئ القانون الدولي، ولنظام المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبره جريمة حرب.

لكن الملامَة ليست على واشنطن، التي لطالما وقفت مع الاحتلال الإسرائيلي ودعمته، وغطّت على جرائمه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فمسألة الاستيطان لا تقل أهمية عن اعترافها بالقدس عاصمة للكيان المحتل، فماذا فعل العرب والفلسطينيون حينها ليمنعوا واشنطن من التمادي في غيّها وغطرستها، ودعمها الاستثنائي للاحتلال في ظل إدارة ترامب اليمينية المتطرفة، التي ترى في إسرائيل "أرض الكتاب المقدّس"، وآية "الخلاص" المسيحي؟!

لطالما تهيّب الأمريكان قرارهم الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني خشية ردة فعل الفلسطينيين والعرب والمسلمين في العالم، ولكن تواضُع ردة الفعل على الجريمة العظيمة لواشنطن جعل الأخيرة تسارع وتيرة قراراتها الداعمة لنتنياهو وحكومته المتطرفة، وصَدَق فينا قول سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة آنذاك، نيكي هالي، في لقائها مع شبكة "CNN" الأمريكية: إنه "مرّ الخميس والجمعة والسبت والأحد، ولا تزال السماء في مكانها، ولم تسقط.. ما نقوله أمر حقيقي، القدس عاصمة إسرائيل".

اليوم يُعيد المشهد ذاته؛ فالفلسطينيون والعرب يُعربون عن غضبهم واستنكارهم بأشد العبارات الدبلوماسية دون أن يغيّر ذلك من الواقع شيئاً، فالاستيطان يتقدّم حتى إنه تضاعف أكثر من ثلاث مرّات ونصف المرّة، منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 وحتى العام 2018، مقارنة بالفترة من 1967 وحتى 1993؛ فالإحصائيات تشير إلى أن عدد المستوطنات قبل توقيع اتفاقية أوسلو وصل إلى 144 مستوطنة، ووصل بعدها لنحو 515 مستوطنة. وفي نفس الفترة المقارنة وصلت مساحة الأراضي المصادرة لصالح الاستيطان قبل أوسلو إلى 136 ألف دونم، أما بعدها فوصل لنحو 500 ألف دونم. أمّا عدد المستوطنين فقد بلغ قبل توقيع اتفاقية أوسلو نحو 252 ألف مستوطن، ووصل بعدها إلى 834 ألف مستوطن. ما يشير بوضوح إلى كذبة السلام، ويؤكد بأن واشنطن راعٍ قوي للمشروع الصهيوني، وبأنها لن تتراجع عن انحيازها وشراكتها للاحتلال، طالما أنها لا تدفع ثمناً أو تخسر شيئاً من مصالحها، ولا يُشكل دعمها للمشروع الصهيوني عبئاً عليها.

إن حالة اللافعل التي تعتري السلطة الفلسطينية لا يبررها  منطق أو مصلحة وطنية؛ فما عاد مقبولاً المراوحة في معركة الخطابات الناريّة، فأقل الواجب أخذ إجراءات سياسية قوية؛ كتفعيل قرارات اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، الذي يُعدّ علامة فارقة في حماية المستوطنين والمستوطنات، إضافة إلى أهمية التوجّه بإصرار، ودون مناورة، إلى محكمة الجنايات الدولية لملاحقة قادة الاحتلال قضائياً، ناهيك عن سحب الاعتراف بدولة الاحتلال التي تنكرت لاتفاقيات أوسلو، ودفنت خيار الدولة الفلسطينية المستقلة تحت تراب المستوطنات.

من نافلة القول إننا لا نَرقُب تغيّراً حقيقياً في المواقف الرسمية العربية، طالما أن الموقف الفلسطيني يتحرك موسمياً وفي سياق ردة الفعل الباهتة على إجراءات الاحتلال النوعية. فكيف لنا أن نتفاءل ووزير خارجية السلطة الفلسطينية السيد رياض المالكي، يطالب وزراء الخارجية العرب بأهمية تنسيق المواقف للرد على الإعلان الأمريكي بقانونية الاستيطان، وهو ذاته أو قيادة السلطة في رام الله لا تنسّق مع الأشقاء في الوطن وفي منظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث الخلاف يكاد يكون سمة كل شيء بين الفصائل الفلسطينية وحركة فتح أو مع الرئيس محمود عباس..!

اليوم ومع نجاح الاحتلال الإسرائيلي في ضم القدس، والجولان، وأغلب أراضي الضفة الغربية بدعم وغطاء أمريكي فاضح، يمكن القول بأن الفلسطينيين هم الخاسر الأكبر؛ لا سيّما بعدما تعمّقت حالة الانقسام والخصومة بينهم، وأصبحوا نهباً للنزاعات الداخلية، عاجزين عن تشكيل حالة وطنية في مواجهة الاحتلال الذي لا يستثني أحداً منهم. وهم الخاسر الأكبر عندما راهنت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية على عدالة أمريكا كوسيط نزيه، وعندما راهنت على لعبة اليسار واليمين داخل الكيان الإسرائيلي ظناً بأن اليسار الصهيوني يمثل خشبة إنقاذ لخيار الدولة الفلسطينية المستقلة، وعندما حشرت نفسها في خيار التسوية السياسية كخيار يتيم أوحد، وحاربت خيار المقاومة، مستبعدة في ذلك سياسة توزيع الأدوار في مواجهة كيان لا يفهم إلا لغة القوة أو لغة الربح والخسارة.

إنْ بقي الفلسطينيون منقسمين ومتنازعين. وإن بقي العرب منقسمين ومستنزَفين، فالوقت أنسب ما يكون لنشهد المزيد من تمدد المشروع الصهيوني في المنطقة. ولن يوقفه إلا نهوض الحالة الفلسطينية القاطرة للحالة العربية، ودون ذلك فالمرحلة لا تُبشر بخير، وميزان الخسائر سيزداد عربياً وفلسطينياً، خاصة أن المنطقة مرشّحة لمزيد من الاضطراب، بأدوات محلية ودولية لا تخفى على عين مراقب.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة