أهم الدروس والعبر من نتائج انتخابات الإعادة في إسطنبول

أقول للذين لا يجرؤون على المطالبة بالانتخابات في بلدانهم أو حتى يتمنون ذلك، لو كنتم عبيداً في الدول الديمقراطية لكان يحق لكم التصويت والتعبير عن حرية الرأي.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gnD1Rp
الأربعاء، 26-06-2019 الساعة 10:31

تابع كثيرون سير العملية الانتخابية في إسطنبول، يوم 23 يونيو، ونتائجها التي فاز بها مرشح المعارضة التركية السيد أكرم إمام أوغلو على منافسه بن علي يلدريم مرشح حزب العدالة والتنمية بفارق أكثر من 750 ألف صوت، في حين أن الفارق كان ضئيلاً جداً في الانتخابات الأولى، حيث بلغ نحو 13 ألف صوت.

وبعد إعلان النتائج غير الرسمية سارع بن علي يلدريم إلى القبول بالهزيمة وتهنئة خصمه أكرم إمام أوغلو، ودعا له بالتوفيق والتيسير في عمله، كذلك قابله تصريحات لزعيم حزب الشعب كلجدار أوغلو الذي ينتمي إليه المرشح الفائز بتصريح إيجابي، واعتبر بأن الفوز هو لتركيا عموماً لا للمرشح أو للحزب فقط، ووعد بالعمل من أجل الجميع. وهذا هو حال جميع المرشحين في الدول الديمقراطية؛ الخاسر يعترف بالهزيمة ويهنئ الفائز، وكذلك الفائز يطمئن الجميع ويعتبر منصبه الجديد هو للدولة لا للحزب، ولا بد من العمل لمصلحة الدولة وفق مشروع الحزب الذي صوت عليه الشعب.

لكن ما لم يعرفه بعض مواطني الدول العربية ذات النظم الدكتاتورية، سواء ذات الأنظمة العسكرية الانقلابية أو الأنظمة الملكية المطلقة، التي لم تجر فيها انتخابات منذ تأسيس الدولة أو إذا أجريت فيها انتخابات فإن نتيجتها لا تقل عن 99%! أجد هؤلاء المواطنين المساكين المظلومين المحرومين من حق الترشح والانتخاب، أجدهم يتشفون بالمرشح الخاسر ويمجدون الفائز، ويظهرون كل قبحهم وفجورهم، علماً أنهم لا يعرفون ما هو برنامج المرشح الفائز ولا يعرفون برنامج المرشح الخاسر، بل جاءتهم التعليمات من دوائر الأمن أو من (ولي الأمر) بأن يمجدوا الأول ويشيطنوا الثاني بغض النظر عن الانتماء الفكري أو السياسي، ومعرفة أسباب الفوز للفائز وأسباب الخسارة للخاسر.

أقول لهؤلاء المساكين الذين لا يجرؤون على المطالبة بالانتخابات في بلدانهم، بل لا يتجرأ أحدهم أن يتمنى ذلك في بلده، إنكم لو كنتم عبيداً في الدول الديمقراطية لكان يحق لكم التصويت والتعبير عن حرية الرأي، أقول لهم ليتكم سكتم وكفى؛ لأن ما يصدر منكم على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الإعلامية يعطي صورة نمطية للعالم الحر والديمقراطي بأننا نحن العرب أقل من درجة العبيد في دولهم، وحاشا لله أن نكون- نحن العرب- عبيداً لأحد بعدما شرفنا الله برسالة الإسلام الخالدة.. نعم ليتكم سكتم.

ولكي لا أسترسل كثيراً عن هؤلاء المهمشين فاقدي الإرادة والإنسانية أريد أن أعرج على نتائج الانتخابات، سواء للحزب الحاكم أو للدولة التركية، مع نظرة استشرافية لمرحلة ما بعد الانتخابات، وهنا أعتمد- كعادتي- على أسلوب النقاط المتسلسلة لا على الأسلوب الإنشائي العام.

أهم النتائج المستخلصة من انتخابات إسطنبول هي:

1. يعتبر الفوز الحقيقي لهذه الانتخابات فوزاً للديمقراطية في تركيا وفوزاً للرئيس رجب طيب أردوغان باعتباره حامي الديمقراطية في تركيا، وفوزاً لأكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول، فمبارك للجميع.

2. لا يعتبر فوز السيد أكرم إمام أوغلو فوزاً لحزب الشعب فحسب، بل هو فوز لتحالف الشعب الذي يضم حزب الشعب الذي ينتمي إليه المرشح الفائز  وحزب إيي بزعامة ميرال أكشنر، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الانتخابات أجريت بين تحالفين؛ تحالف الشعب من جهة، وتحالف الأمة من جهة أخرى، الذي يضم حزب العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية بزعامة دولت بهشتلي، وهنا أعتقد لو كان التنافس بين حزب الشعب الجمهوري وبين حزب العدالة والتنمية لرجحت كفة حزب العدالة والتنمية، فإذاً الفائز هو تحالف الشعب على تحالف الأمة، وهذا هو التوصيف الدقيق.

3. رغم فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول فإن أعضاء تحالف الأمة يمتلكون الأغلبية فيه، وهنا بالنسبة للقرارات المصيرية والمهمة لا بد من التصويت عليها في مجلس البلدية، إذ لا بد من التوافق ما بين مجلس البلدية ورئاسة البلدية على آليات العمل وإقرار المشاريع، واتخاذ القرارات، وإلا فسيبقى الأداء مشلولاً، ويكون الخاسر هو الجميع، وسوف يعاقبهم الناخب التركي أو يقصي أحدهم عن المشهد كاملاً.

4. رغم خسارة تحالف الأمة في انتخابات إسطنبول، التي كان مسيطراً عليها منذ 25 عاماً، فإن هناك فائدة في فوز تحالف الأمة  ببلدية إسطنبول وبعض البلديات الأخرى مثل أنقرة وإزمير وغيرها من المدن؛ فهذا يعني مشاركة في الحكومات المحلية وإدارتها، إضافة إلى وجود المعارضة في البرلمان، كل هذا يخفف من حدة المعارضة ومحاولة تشددها اتجاه الحكومة وسلامة الديمقراطية، خصوصاً أن الديمقراطية بدأت تمرض في بعض الدول الغربية، وخاصة بعد صعود اليمين المسيحي المتطرف، أما في العالم العربي فلا توجد ديمقراطية حقيقية إلا في بعض الدول، وهي تحتضر الآن فيها.

أما عن خسارة تحالف الشعب بزعامة حزب العدالة والتنمية الحاكم وأسباب فوز تحالف الأمة بزعامة حزب الشعب فهناك عدة أسباب:

1. اعتمد تحالف الأمة على الشباب وركز عليهم كثيراً، وخاصة الأعمار ما دون 25 سنة، علماً أن هؤلاء الشباب لم يعيشوا فترة حكم حزب الشعب، خصوصاً إذا ما أخذنا بالحسبان فترة سيطرة حزب العدالة على بلدية إسطنبول منذ عام 1994 وعلى دفة الحكم في تركيا منذ 2002، إلى الآن، فقد كانت أعمار هؤلاء الشباب لا تتجاوز 6 سنوات في تللك الفترة.

2. ركز إمام أوغلو على دعاية مفرطة بالوعود، وكانت عامة لكنها صعبة التنفيذ، إلا أنها لم تكن مستحيلة، كذلك  فهو لم يستفز التيارات الإسلامية في إسطنبول، وخاصة غير المؤدلجة وغير المنتظمة في حزب أو جمعية.

3. وعد بالحريات العامة والخاصة، وركز على النساء وعلى الملاهي، وهذا ما يخدم القوى العلمانية وخاصة الشباب، على اعتبار أن حزب العدالة من جذور إسلامية يقيد الحريات.

4. ركز على بعض الأخطاء في حزب العدالة وبعض الشخصيات القيادية التي تركت الحزب، مثل السيد عبد الله غُل رئيس الجمهورية السابق، وبعض الشخصيات الأخرى.

5. استفاد كثيراً من تفرق الأحزاب الإسلامية مثل حزب السعادة وبعض الجمعيات الإسلامية المختلفة مع حزب العدالة والتنمية.

6. استغل بعض المفصولين من الوظيفة، وعددهم كبير، وخاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2105.

7. كان الدعم الخارجي واضحاً جداً، سواء الغربي أو العربي، وكان منحازاً للسيد أكرم إمام أوغلو.

كل هذه الأسباب وأخرى، استغلها مرشح المعارضة واستطاع توظيفها لمشروعه الانتخابي الذي تكلل بالفوز على مرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم.

أما أسباب خسارة تحالف الشعب بزعامة حزب العدالة والتنمية فأعتقد أنه يفترض الاستفادة مما ذكر أعلاه من أسباب فوز مرشح المعارضة، وأعتقد أن الحزب يحتاج إلى إعادة تنظيم صفوفه للمرحلة القادمة، خصوصاً دخول بعض الأشخاص النفعيين والمصلحيين إلى صفوفه، مما أثر سلباً على بنية الحزب التنظيمية، وهذا الكلام ليس من فراغ، بل كان لبعض أعضائه دور سلبي في قضية العد والفرز في الانتخابات الأولى التي جرت في أبريل الماضي.

وأيضاً يحتاج الحزب إلى توسعة تحالفه مع القوى السياسية أو الجمعيات في تركيا، وليس كما يُشاع بأن التحالف مع الحركة القومية قد أضعف الحزب، بل يحتاج إلى توسعة التحالف إضافة للحركة القومية.

أخيراً أعتقد أن الحزب سيدعو لمؤتمر عام لأعضاء الحزب، وتطرح فيه المواضيع والآراء بكل حرية وشفافية.

مبارك لتركيا ديمقراطيتها ولا عزاء للمتصهينين العرب الذين يتربصون بها سوءاً.. حفظ الله تركيا حكومة وشعباً.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة