أول مفاعل نووي خليجي.. هل ينبغي أن يفزع العالم؟

الطاقة النووية، حسب دراسات عديدة، أثبتت أنها ذات جدوى اقتصادية عالية، ومنافسة للمصادر الأخرى على المدى البعيد.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/98nqVx
الاثنين، 03-08-2020 الساعة 14:18

مع إعلان بدء تشغيل أول مفاعل نووي في دولة الإمارات تزايد الحديث عن المخاطر النووية والتذكير بحوادث تشرنوبل وفوكوشيما، بل وتصاعدت بعض الأصوات الغربية المعارضة لفكرة وجود مفاعلات نووية في منطقة الشرق الأوسط المضطربة جداً! فهل ينبغي أن يفزع العالم من دخول دول الخليج في النادي النووي؟

عند الحديث عن الطاقة النووية لا بد أن نستحضر أننا بصدد موضوع جدلي على مختلف المستويات الشعبية والرسمية، وهذا التباين تغذيه مجموعات ضغط "لوبيات" تعمل لمصلحة الطاقة النووية وأخرى تعمل ضده، وبالتالي فإن الوصول لرؤية واحدة مشتركة أمر في غاية الصعوبة والتعقيد.

ابتداء فإن تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية والتحرر من الاعتماد على الوقود الأحفوري (النفط والغاز ومشتقاتهما) أصبح ضرورة ملحة في منطقة مثل الخليج العربي، والتي تشهد نمواً متسارعاً في المجالات المختلفة وزيادة في مستوى الرفاه تضاعف معه مستوى استهلاك الكهرباء خلال العقود الماضية، وسيستمر هذا النمو في السنوات القادمة، وبالتالي فدول الخليج أمام تحدٍّ حقيقي يحتم عليها العمل بشكل جدي وسريع لتلبية الاحتياجات المتزايدة على الكهرباء، وفي نفس الوقت الحفاظ على شريانها الاقتصادي الرئيسي (النفط والغاز)، وهذا يعني البحث عن مصادر بديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة النووية.

دون الخوص في التفاصيل الفنية المعقدة يكفي أن نشير هنا إلى أن الطاقة النووية، حسب دراسات عديدة، أثبتت أنها ذات جدوى اقتصادية عالية ومنافسة للمصادر الأخرى على المدى البعيد، حيث إن تكلفتها التشغيلية منخفضة، وكفاءتها التشغيلية (capacity factor) مرتفعة جداً، فحسب إحصائيات إدارة الطاقة الأمريكية لسنة 2019، فإن إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية يمكن أن يصل لمستوى كفاءة تفوق 90٪؜، في حين أن كفاءة الطاقة الشمسية تصل في أحسن حالاتها إلى 25%، أما طاقة الرياح فتصل إلى 35%، والسبب باختصار شديد يرجع إلى توفر الطاقة الشمسية خلال ساعات النهار وغيابها في المساء، وهبوب الرياح بالسرعات الكافية في ساعات محددة وفي مناطق محددة، بالإضافة إلى عوامل أخرى لا يسع المجال للتفصيل فيها.

ولا نغفل هنا وجود تقنيات لتخزين الطاقة واستخدامها عند الحاجة كالبطاريات أو الملح المذاب، ولكن هذه التقنيات تزيد من تكاليف الإنتاج.

الهاجس الأكبر لدى عموم الناس هو المخاطر البيئية والإشعاعية التي قد تتسبب في انصهار قبة المفاعل وتسرب المواد المشعة، وهذه مخاوف في محلها ولها مبرراتها المنطقية، وما حادثة مفاعل "فوكوشيما" الياباني عنا ببعيد.

ولكن ينبغي هنا النظر بمنطقية ودون مبالغات لهذه المخاطر، فأولاً خلال مسيرة الطاقة النووية حدثت 99 حادثة معظمها (57%) في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وكالة الطاقة النووية، أي إن الحوادث يمكن أن تحدث في تلك المنطقة من العالم المتقدم وليست حكراً على العالم النامي! وثانياً إذا ما قارنا نسبة الوفيات بين مصادر الطاقة المختلفة نجد أن الطاقة النووية تأتي في المرتبة الرابعة بعد إنتاج الطاقة من الفحم، ثم الطاقة الكهرومائية، ثم الغاز الطبيعي (إحصائيات وكالة الطاقة الدولية: حالات الوفاة لكل 10 مليار كيلوات ساعة)، ويكفي أن نشير هنا إلى أن انهيار أحد سدود الطاقة الكهرومائية في الصين سنة 1975 راح ضحيته 230 ألف شخص، ولكن يبقى في أذهاننا الخوف من مخاطر الطاقة النووية أكبر بكثير من بقية مصادر الطاقة البديلة! ولعل جزءاً من ذلك يرجع إلى عمل مجموعات الضغط التي أشرنا لها سابقاً.

أما المخاوف التي تثار من أن امتلاك دول الشرق الأوسط للطاقة النووية سوف ينتهي بها إلى التسلح النووي فهذه كذلك لا تخلو من المبالغات غير الواقعية؛ أولاً لأنه لا يوجد على الإطلاق أي حالة لدولة بدأت باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية ثم تحولت للسلاح النووي، وإنما كل الحالات هي على العكس تماماً؛ لدول بدأت بالسلاح النووي ثم استخدمت التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وثانياً فإن الوقود النووي المستخدم في المفاعلات السلمية يكون بدرجة تخصيب منخفضة تتراوح بين 0.7% إلى 5% أو 7% في بعض المفاعلات، في حين أن السلاح النووي يحتاج إلى مستوى تخصيب يفوق 70%، ولرفع مستوى تخصيب اليورانيوم تحتاج الدول لامتلاك تكنولوجيا أجهزة الطرد المركزي، وهذه بطبيعة الحال غير موجودة في دول الخليج العربي وليس من السهل امتلاكها أو العمل على تطويرها دون علم أو دراية وكالة الطاقة النووية والمجتمع الدولي.

إذاً فتحدي التنمية المستدامة يفرض على دول الخليج العمل بشكل جدي على تنويع مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية، ومن المنطقي جداً التوجه لاستخدام مصادر ذات كفاءة وتنافسية اقتصادية عالية مثل الطاقة النووية، مع الأخذ بكامل اشتراطات السلامة والأمان، ولكن السؤال الأهم هو كيف يمكن أن يتطور المشروع والحلم النووي ليكون أداة ترابط وتكامل خليجي؟ ورافعة تنمية مستدامة في هذه المنطقة المثخنة بالاضرابات؟

 

* يوسف الملا
باحث في مجال الطاقة والتنمية المستدامة – المعهد الملكي للعلوم والتكنولوجيا/ السويد
Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة