إيران وطالبان.. المصالح أم احتلال الإنسان؟

هذا الانقسام زحف علينا في الخليج العربي وخلق بيننا جُدراً لم تكن قائمة لولا ذلك النفس الطائفي القادم من الشرق، والذي نؤكد شراكة أنظمة رسمية في الخليج معه، في مآلات الفتنة المذهبية التي أنهكت البلاد والعباد في الإقليم.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/d3dAWp
الثلاثاء، 12-10-2021 الساعة 22:50

تبعاً لما ذكرناه في مقالنا السابق في "الخليج أونلاين" نؤكد أن مساحة المصالح مفتوحة بالنسبة للطرف الأفغاني، والذي باتت تُمثله حركة طالبان، فطالبان بحاجة إلى بنية تكامل اقتصادي تسهم فيها طهران؛ لمصالحها الاقتصادية التي ستستفيد من سوق أفغانستان في هذه المرحلة، كما أن هناك جسوراً لوجستية جيدة يمكن أن تُخلق بين الطرفين، نضيف إلى ذلك حضور ممثلين للحركة للمجلس الحسيني في شعائر عاشوراء للأفغان الهزارة الشيعة.

وإن كانت قاعدة التحول الفكري لاحتواء الأقليات لا تزال ضعيفة لدى الحركة، بناءً على فقدانها الأرضية التأسيسية للفكر الإسلامي وعلاقته بالحياة المدنية، وسحب أي شواهد صراع يمكن أن تُفجّر البلد، لكن هناك تجاوب تظهره الحركة مع هذه المفاهيم، بناءً على رغبتها في تحييد التدخل الدولي السلبي من جهة، ومن جهة أخرى فتح صفحة جديدة مع العالم اليوم يُجنبها تبعات الحصار الذي تدعو له وتقوده باريس وغيرها.

غير أن الإشكال هنا ليس في موقف طالبان، ولكن في رؤية المشروع الإيراني القديم والجديد لنفوذها في أفغانستان، ونُلاحظ هنا قلق طهران المتصاعد من فقدان نفوذها القديم في كابل حين كانت تحت النفوذ الأمريكي، ومفهوم طرحها للحكومة الشاملة لا تتبناه إيران؛ لكونه ممثلاً لشرائح المجتمع الأفغاني، فهي في تجربتها مارست إقصاءً شرساً وتصفية سياسية، فضلاً عن القمع الأمني والدموي لسُنة إيران وللعرب الشيعة.

ولكن هدف طهران في رسالتها والسؤال المركزي لديها أين حصة الإيرانيين من الحكومة ومن النفوذ السياسي؟ فهنا أمام طالبان تحديات كبيرة لمحدودية أفقها القومي لاحتواء مخالفيها، فهي تحتاج أن تُعزّز مساحات الشراكة مع مجتمعها الوطني، ومن ضمنهم الهزارة الشيعة، لكن طهران لن تكتفي بهذا القدر، فهي بنفوذها كدولة قومية وكمصالح جيوسياسية تعبر عبر الخندق الطائفي، وهو خندق في كل تجارب الجوار العربي معه، بل في رحلته في أفريقيا وآسيا، يعتمد احتلال الإنسان من داخل ذاته. وتحويله كعنصر ولاء، ومن ثم مجتمع وقوة ضغط على الأرض، ولذلك كانت معاناة المناطق والدول التي يخترقها هذا المشروع الطائفي هو الانقسام المجتمعي وتكييفه لصالح طهران مهما كلف، ساعدها في ذلك اللعبة الخبيثة الغبية التي اعتمدتها أطراف خليجية، فأججت الصراع الطائفي لصالح حكمها، وفي الحقيقة كانت تخدم المشروع الإيراني مجاناً.

ويكفي أن نُذكّر بما تم بالفعل تحت ظلال هذا المشروع من تدمير للعلاقات الوطنية الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد الذي زرعته طهران ومشروعها الطائفي؛ في العراق واليمن وفي لبنان، وحوّلت أي تعارض مع مشروعها لأرضٍ محروقة، كما فعلت في سوريا وتفعل بالسنّة والشيعة معاً في العراق، ثم خُلق تحت ظلال ذات المشروع يمن طائفي خرافي محتقن، كان يُضرب به المثل في الفكرة الحضارية ومعنى التآخي والوحدة الوطنية الإسلامية بين الشافعية والزيدية، بل وبين السلفية الأولى التي كانت تنشط بين المذهبين.

وهذا الانقسام زحف علينا في الخليج العربي وخلق بيننا جُدراً لم تكن قائمة لولا ذلك النفس الطائفي القادم من الشرق، والذي نؤكد شراكة أنظمة رسمية في الخليج معه، في مآلات الفتنة المذهبية التي أنهكت البلاد والعباد في الإقليم.

إذن المشكلة هنا هو في سقف النفوذ الإيراني الذي تُصر عليه طهران، وفي طريقة تدخلها وليس في تجاوب طالبان، وما نخشاه أن تتورط طهران من جديد في أخذ زمام المبادرة كما فعلت مع احتلال العراق وأفغانستان، فتهيئ البنية التحتية لحرب أهلية جديدة تسقط الأفغان في أتون الجحيم من جديد.

وهنا تعود المسؤولية التي تستطيع طالبان أن تحقق بها ممانعة مهمة؛ عبر بنية الدولة الوطنية المنفتحة على الأقليات والفكر المدني الإسلامي، وتحافظ على قوة شوكتها العسكرية، وتخلق توازناً ذكياً في علاقاتها بين باكستان وتركيا، توازن يجب أن يكون حذراً من تدخل هؤلاء الأصدقاء في مساحتها الوطنية، ولكن تعزز معهما لدعم الميلاد الجديد بالمصالح المشتركة والقيم الإسلامية الموحدة.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة