التربية على احترام التاريخ الهجري

لم يكن هذا التاريخ مجرد آلية للتحديد الزمني للأحداث والمناسبات مع أهمية ذلك ولكنه أيضاً سجل حضاري يتضمن في طياته هوية الأمة ومناسباتها الخالدة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/aD4Abp
الأربعاء، 13-10-2021 الساعة 21:15

في مثل هذا الشهر شهر ربيع الأول من السنة السادسة عشرة للهجرة النبوية بدأ العمل بالتاريخ الهجري في حقبة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد تشاور بين الصحابة، واستقر فيه رأيهم على أن يكون حدث الهجرة النبوية هو أول سنة للتاريخ الإسلامي؛ لأن حدث الهجرة كان بداية تأسيس الدولة الإسلامية وبداية التمايز الحضاري بين الحق والباطل، فأول سنة هجرية بداية تاريخ جديد لأمة جديدة لها منهجها المستقل وطابعها الحضاري المتميز.

ولم يكن هذا التاريخ مجرد آلية للتحديد الزمني للأحداث والمناسبات مع أهمية ذلك، ولكنه أيضاً سجل حضاري يتضمن في طياته هوية الأمة ومناسباتها الخالدة، ومنها مولد نبي الإنسانية صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك، ومنها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، ومنها موسم الحج، والأشهر الحرم، وعاشوراء، وعشر ذي الحجة، والأيام البيض، وغيرها من المناسبات التاريخية العظيمة التي تخلد ذكرى الانتصارات العظيمة في تاريخ الأمة.

وللسنة الهجرية أهمية كونية إلهية فضلاً عن الأهمية التشريعية والتاريخية، فقد أكد القرآن الكريم أن حساب الأشهر والسنين يرتبط بدورة القمر الذي تعتمد عليه الأشهر الهجرية، قال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ"، وقال في موضع آخر: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"، فقد بينت الآية الغاية من تقدير القمر إلى منازل؛ وهي معرفة عدد السنين والحساب، واعتماد التاريخ الهجري القائم على الأشهر القمرية هو الذي يحقق هذا المقصد، والأشهر الهجرية القمرية هي الأشهر التي قال الله عز وجل إن عدتها عنده اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ"، وهكذا تتكامل أهمية وفضل الأشهر الهجرية وتتأكد أهمية تربية الأجيال على احترام التاريخ الهجري.

إذا كان التاريخ الهجري هو الحاضن لهوية الأمة، وهو سجل مجدها وعنوان انتصاراتها، وهو المحور الذي تدور في فلكه العبادات الإسلامية الكبرى؛ ومنها الصيام والحج والأشهر الحرم، وإذا كانت الأشهر القمرية الهجرية هي الأشهر المعتمدة في حساب خالق الأكوان، فإن تربية الأجيال على احترام هذا التاريخ تسهم في صناعة هويتهم وتقوية شخصيتهم الإيمانية واستقلاليتهم الثقافية، وهذا ما أدركه الاستعمار قديماً حين حرص بكل السبل على إحلال التاريخ الميلادي بديلاً للتاريخ الهجري؛ في محاولة لمحو الشخصية الإسلامية وتشويه معالمها وإضعاف صلتها بتاريخها ومنابع عزتها وقوتها الثقافية.

والتربية على إعادة الاعتبار للتاريخ الهجري في نفوس الأبناء تبعث فيهم روح الشعور بالعزة والقوة والافتخار بالخصوصية الثقافية، ويجعل التاريخ الإسلامي المشرق حاضراً في وجدان الأجيال، وباعثاً على استئناف الدورة الحضارية من جديد.

لقد تم تأسيس بنيان هذا التاريخ على التقوى وذكرى إقامة أول دولة للمسلمين، كما تأسس المسجد النبوي بعد الهجرة: "لمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ"، ولأن تأسيس المسجد النبوي مرتبط بالهجرة فإن التاريخ الهجري هو الذي يوثق لهذا اليوم الذي يجب الاعتزاز به كما يجب الاعتزاز بتاريخه.

التربية على احترام التاريخ الهجري فضلاً عن كونها تربية على احترام شعيرة دينية من شعائر الإسلام، وتربية على احترام الهوية وتجسيد قوة الشخصية المؤمنة المعتزة بثقافتها الخاصة، فإن هذه التربية نافذة معرفية متجددة على الحضارة الإسلامية العربية، وتعميق للشعور بالانتماء لهذه الحضارة العظيمة، وتحقيق للتواصل بين الأجيال عبر قراءة التاريخ:
ومن وعى التاريخ في صدره .. أضاف أعماراً إلى عمره
لقد ارتبط التاريخ الهجري بالأحداث الكبرى في تاريخ الأمة، وارتبط بعصور الحضارة الإسلامية الزاهية والمشرقة، وإعادة الاعتبار لهذا التاريخ استنهاض للذات الحضارية لاستئناف دورتها وأخذ مكانتها في ريادة الحضارة الإنسانية من جديد.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة