التغافر كعلاج نفسي واجتماعي إلهي.. ليلة النصف من شعبان نموذجاً

الحديث عن فضيلة التسامح والتغافر يستلزم توضيح نقطة مهمة وهي خلط البعض بين فضيلة التسامح وبين رذيلة الخضوع للظلم والتنازل عن الحقوق

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/AbjZra
الاثنين، 21-03-2022 الساعة 09:45

قرنت الأحاديث الخاصة بفضل ليلة النصف من شعبان مغفرة الله للبشر بتغافر البشر فيما بينهم والتخلص من الشحناء والبغضاء، وهذا الربط بين المغفرة الربانية وبين أخلاقيات التسامح والصفح والعفو تتكرر كثيراً في كتاب الله وسنة ورسوله، ولو تأمنا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لوجدنا أن الآية الكريمة تربط مغفرة الخالق ورحمته بتراحم المخلوقين وتغافرهم وتسامحهم بعضهم مع بعض، والعفو وكظم الغيظ والإحسان.

وعند التأمل في قصة الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص مع الرجل الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" نجد أن هذا الرجل استحق الجنة بقلبه السليم من المشاحنات والبغضاء والأحقاد، فعندما سأله عبد الله عن عمله قال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق".

بالتأمل في حديث ليلة النصف من شعبان نجده يربط تسامح الخالق مع الخلق بتسامح المخلوقين بعضهم مع بعض؛ فالله يغفر لجميع الخلق إلا لمشرك أو مشاحن، والآيات والأحاديث التي تؤكد ارتباط المغفرة الإلهية للبشر بمغفرة البشر بعضهم لبعض تؤكد بوضوح كيف يعالج الدين أكبر أمراض المجتمعات والأفراد، ويساعدهم على التسامي والتعايش ونبذ ثقافة الحقد والكراهية، والبغي والاستعلاء في الأرض بغير حق، فقد جعل الله الدار الآخرة للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين.

وفضيلة التسامح والتغافر لا تعالج فقط أمراض المجتمعات، ولكنها تعالج أيضاً الشخص المتسامح نفسه؛ فأكثر أمراض العصر، ومنها ارتفاع الضغط والسكر والإجهاد النفسي والبدني، هي نتاج المشاحنات والضغائن والأحقاد والحقد والحسد، والتخلص من هذه الأمراض النفسية ينعكس إيجابياً على صحة الأفراد الجسدية والنفسية أولاً، وينعكس إيجابياً على العلاقات الاجتماعية، ويساعد على ترسيخ أخلاقيات التعايش والسلام الحقيقي والمحبة والأخوة.

الحديث عن فضيلة التسامح والتغافر يستلزم توضيح نقطة مهمة؛ وهي خلط البعض بين فضيلة التسامح وبين رذيلة الخضوع للظلم والتنازل عن الحقوق؛ ولتوضيح خطأ هذا الخلط نشير أولاً إلى أن التسامح والترفع عن الأحقاد والمشاحنات والبغضاء لا يكون بالضرورة في مواجهة العدوان والبغي؛ فالكثير من البغضاء تنشأ لمجرد الاختلاف في الرأي وبسبب الحسد، فالتسامح في هذه الحالة يعني أن تسمح للآخر بالوجود، وتسمح للرأي الآخر بالتعبير عن نفسه، وتسمح بالتعددية، وتقبل الاختلاف بصدر رحب.

وثانياً نؤكد أن التسامح والعفو والمغفرة لا يصدر إلا من جهة قادرة على العفو والمغفرة عند الانتصاف أمام القضاء العادل، أو التنازل من موقع قوة أو بعد الانتصار؛ ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وليس هناك أي سبيل على من يدافع الظلم والعدوان ولكن السبيل على البغاة والمعتدين، ولكن بعد الوصول إلى مرحلة الاقتدار والتمكن من أخذ الحق في هذه الحالة يستحب العفو والتجاوز والمغفرة، والأمور تقدر بقدرها.

ومواطن التسامح المحمود الحقيقية تظهر إذا نالك أذى من أخ أو صديق في لحظة غضب أو نتيجة سوء، فهنا أيضاً تحضر قيمة العفو والمغفرة والدفع بالتي هي أحسن، وكذلك إذا أصابك مكروه مادي أو معنوي من شخص ضعيف تستطيع الانتقام منه وأن ترد عليه الإساءة بالإساءة، فصبرت وتسامحت وغفرت، فهذا هو التسامح والتغافر المقصود، أما الخضوع للظلم وعدم الإنكار عليه فهو تفريط بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفريط بواجب نصرة إخواننا سواء كانوا مظلومين برفع الظلم عنهم أو ظالمين بالأخذ على أيديهم ومنعهم من الظلم حباً لهم وحرصاً على مصلحتهم.

Linkedin
whatsapp