الحسين عليه السلام بين الإصلاح والثورة (1)

أول ما ينبغي الوقوف عنده أن الحسين عليه السلام لم يخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرج للإصلاح في أمة جده الرسول محمد صلى عليه وسلم.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gvW2xn
الاثنين، 09-09-2019 الساعة 15:04

عند الحديث عن النظام السياسي في الإسلام فإننا لن نرى نموذجاً تفصيلياً لهذا النظام، ولا ينبغي أن ننتظر من رسالة جاءت لتحقق سعادة الناس في الدنيا والآخرة، وعلى امتداد الزمان وسعة المكان، أن تأتي بنموذج ثابت في كل تفاصيله، دون مراعاة لتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات.

لذلك نزل الوحي بقيم وقواعد وموجِّهات عامة تضبط نظام الحكم، وأنزل بعض الأحكام التفصيلية للحكم تعطيه خصوصية عن غيره من نماذج الحكم، ولقد أرسى النموذج النبوي، والراشدي من بعده، أسس النظام السياسي، بما يجعل الاستمرار على هديها ضمانة لاستمرار الحكم الرشيد، اتباعاً لهدي النبي والراشدين من بعده.

من بين تلك القيم التي جذرها الإسلام في نظام الحكم هي تحقيق العدل والإحسان والكرامة الإنسانية وإفشاء المعروف، ومنع إشاعة الفحشاء والمنكر والظلم، واشترطت في الحاكم شروطاً من أهمها الإسلام والعدالة والعقل والحرية.. كما اشترطت شروطاً في العقد بين الحاكم والأمة تجعل أمر الإمارة إلى الأمة لا يستبد به أحد دونها، وتعطيها الحق في الرقابة على الإمام ومن يعاونه، ومن أهم شروط عقد الإمامة بين الأمة والأمير الذي تختاره شرط المشورة والرضا؛ المشورة مع الخاصة من أكابر الناس وعرفائهم، والرضا من قبل عامة الأمة بعدهم.

ومضى العهد الراشدي والناس على ذلك، ومن العبث الظن بأن أحداً من الخلفاء الراشدين استأثر بهذا الأمر دون الأمة؛ فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يستقيل الأمة بيعتها بعد ثلاثة أيام من توليته؛ خشية أن تكون بيعته قد جاءت مستعجلة بسبب الظرف الذي وقعت فيه، وها هو أيضاً يقول، قبل موته، وعند اختياره عمر بن الخطاب: (أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فوالله ما ألوت، ولا تلوت، ولا ألوت عن جهد الرأي، ولا أستخلف عليكم؟ فوالله ما ألوت، ولا تلوت، ولا ألوت عن جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة)، وفي رواية أخرى أنه استشار المهاجرين والأنصار، ثم قال أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به. فأقروا بذلك جميعاً ورضوا به، وبايعوا.

وكان عمر يقول: (إنه لا خلافة إلا عن مشورة (، و) الإمارة شورى..)، ويقول أيضاً: (من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)، ولذلك قال مخاطباً الستة الذين رشحهم من بعده: (.. من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه).

وأما عثمان فقد جاءت بيعته عن رضا كما ذكرنا، وقتل بعد ذلك غدراً وصبراً، ولم يمهله القتلة أن يستخلف، ولكن علياً رضي الله عنه لما طُلب للبيعة بعد استشهاد عثمان لم يقبلها إلا بشروطها، فقال: (إن بيعتي لا تكون إلا عن رضا المسلمين)، وقال بعد أن جاءه المهاجرون والأنصار يريدون بيعته: (لا أفعل إلا عن ملأ وشورى)، ودخل المسجد فدخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس. وقال: (يا أيها الناس إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمّرتم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد). وعندما حضرته الوفاة طلب بعض من عنده أن يوصي، فأبى ذلك، وقال أترككم على ما تركنا عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما أخبروه أنهم سيختارون ابنه الحسن أحال الأمر إلى الأمة في حقها، وقال: (لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر).

وقد سار الحسن عليه السلام على سنة من سبقوه، فلم يتشوّف للحكم، وإنما نصّبه الناس برضاهم واختيارهم، وكان ما كان منه من عقد الصلح مع معاوية رضي الله عنه، وسمي ذلك العام بـ"عام الجماعة".

اشترط الحسن شروطاً للصلح والتسليم بالأمر مع معاوية، وكان أبرز شرط بينها يفيد بأنه (ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين)، وهذا يدلل على أهمية وعظم أمر الشورى في الإمامة لدى الصحابة رضي الله عنهم، ولكن معاوية رأى بعد سنوات من حكمه أن المصلحة تكون في أخذ البيعة لابنه يزيد من بعده، مبرراً ذلك بالخوف من افتراق الكلمة، وكان عدد من الصحابة الكرام يناقشون معاوية في حياته ليردوه عما عزم عليه من أمر؛ لما يرون في الأمر من مخالفة لسيرة من سبقوه، وما سيجرّه على الأمة من سلب لحق أصيل من حقوقها ستتبعه حقوق أخرى. وقد طلبوا من معاوية أن يسير في الإمامة بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام أو بسيرة خلفائه من بعده، ولكنه أصر على رأيه، غير تارك ما اشتهر به من اللين والمسايسة والترفق مع المخالفين، وعدم قطع الأمل عندهم بإمكانية تغيير رأيه.

فلما مات معاوية دون العدول عما عزم عليه انقسم الصحابة والتابعون؛ فمنهم من بايعه ومنهم من توقف في بيعته ليرى ما يفعل الناس فيدخل فيما دخلوا فيه، ومن بين هؤلاء عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ومنهم من امتنع عن البيعة ورآها باطلة لأنها أتت بالإكراه، كعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة)، والحسين بن علي رضي الله عنهم.
سقت كل الكلام أعلاه لأهميته في فهم سياق واقعة كربلاء الأليمة، وقصة مقتل سليل بيت النبوة وريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، الحسين بن علي عليهما السلام، وما نسجله حولها من وقفات ومواقف.
- أول ما ينبغي الوقوف عنده أن الحسين عليه السلام لم يخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرج للإصلاح في أمة جده، كما قال هو، ونحن نصدقه في قوله ونيته. ولم يكن هذا الموقف خاصاً به، بل هو رأي عام مال معه جمع من الصحابة والتابعين كما أسلفنا، على اختلاف في تعاطيهم مع الواقع الذي أفرزه موت معاوية وتوريث الحكم ليزيد بعد ذلك.
- إن الحسين لا يسمى خارجاً على الخلافة؛ لأنه لم يعطِ البيعة ليزيد ليخرج عليه، وقد أوفى بالبيعة التي في عنقه لمعاوية رغم أن الأخير -من وجهة نظره- خالف سيرة من سبقه من الخلفاء وخطا خطوة في تحويل الحكم من المشورة والرضا إلى الحكم الوراثي العائلي.
- إن الحسين عليه السلام لم يخرج طمعاً في الإمارة أو طلباً للحكم، فما كان في بيت علي بن أبي طالب من يرى الحكم مطمعاً أو مغنماً، وهذا أبوه علي رضي الله عنه يقسم على قوله: (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها)، وقد بان من سيرته في الحكم صدقه فيما قال، وزهده وتقواه وورعه. وأما الحسن عليه السلام فيكفيه أنه ترك منصب الخلافة بعد اختيار الناس وبيعتهم، ودخل في صلح معاوية حقناً لدماء الأمة، فذلك يثبت زهده وورعه، مع التذكير بما اشترطه من شروط أهمها شرط الشورى، وهو نفس الأمر الذي نقمه الحسين على معاوية بعد أن خالفه، ورفض الأول بسببه الدخول في بيعة يزيد.
- إن الحسين عليه السلام لم يخرج للقتال والمعركة، ولو كان يريد ذلك لبقي في مكة والمدينة؛ فكلتاهما لم يستتب فيها الأمر ليزيد، وفيهما جمع من الصحابة والتابعين، وظاهر الأمر أن الحسين أراد أن يعيد الأمر إلى الأمة لتختار من يحكمها بلا ضغوط ولا إكراه، وأرى أنه لو كان قد خرج يريد القتال فما كان ليصطحب معه أهل بيته ونساءه وصبيانه مع قلة من رجاله، وهو في طريق طويل محفوف بالمخاطر ومزروع بأتباع الأمويين، بين مكة والكوفة.
- ومما يشهد على ذلك قول ابن الزبير للحسين عندما عزم على الخروج من مكة: (أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟)، فأجابه: (لأن
أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة)، وفي رواية أنه قال لابن عباس مثل ذلك، ونلاحظ هنا بأن الحسين عليه السلام يصرح بأن خروجه من مكة ليس خروجاً لأجل القتال بل لحقن الدماء من أن تسفك عند حرم البيت الحرام، للمصير الذي يتوقعه على يد ولاة وقادة يزيد بعدما رفض البيعة له بالإكراه، وملاحظة أخرى تخص دلالة الألفاظ، فهو قال: (لأن أقتل)، وليس (لأن أقاتل)، والأولى تعبّر عن توقع لمصيره لمجرد رفضه البيعة، ولا تظهر أنه بيّت النية لقتال أتباع يزيد، وهو ما كان يحتمله المعنى لو عبر بقوله: (لأن أقاتل)، فكأنه عليه السلام بيّت في نفسه أن يكون القتيل لا القاتل، وهذا الأمر يدعونا للتعجب من جرأة بعض من ابتلي بالنصب الظاهر أو الخفي في هذا الزمان، فراح يصف فعل الحسين عليه السلام بأنه (أفشل ثورة في التاريخ!)، وتالله فإن هذا الكلام لا يحمل شيئاً من الإنصاف في تحليل الموقف وفهمه، ولا شيئاً من الحياء من رسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام.
- نيته هذه تفسر سبب خروجه بنسائه وصبيانه مع عدد قليل من رجاله، حيث لا يتجاوز العدد ثمانين مرافقاً، ولو كان عازماً على القتال لما برز بضعفائه إلى موطن المبارزة والطعن والرمي. وقد اختار الكوفة دون غيرها لما وصله من رسائل من أهلها تدعوه للقدوم عليهم، وكأنني به رأى أنه سيكون أكثر أماناً في الكوفة، وقدرة على إيصال صوته ومخاطبة أمة جده عليه الصلاة والسلام لتستعيد حقها الأصيل في (المشورة والرضا) في اختيار الحاكم، ولتختر الأمة بعد ذلك من تشاء، وحسب اطلاعي فلم ينقل عن الحسين عليه السلام أنه نادى بالبيعة لنفسه أو لأحد من الناس. غير أنه كان رافضاً الدخول في بيعة يزيد بالإكراه.
- ويؤيد هذا المعنى أن أول من لقيه من أتباع يزيد هو الحر بن يزيد، ولم يكن مأموراً بقتال الحسين، بل بتسليمه إلى والي الكوفة، ولكنه لما التقى به وكلّمه، وتوضحت له نية الحسين عليه السلام، وأنه داعية إصلاح لا سفك دماء، وأنه لن يقاتل إلا مضطراً للدفاع عن النفس والأهل، لذا خيّره بين مخاطبة ابن زياد أو مخاطبة يزيد، أو أن يسلك طريقاً لا يذهب به إلى الكوفة ولا يعود به إلى مكة، وقد رأى أن هذا الحل يجنب الطرفين خيار القتل والقتال، وبالفعل فقد سلك الحسين عليه السلام بمن رافقوه طريقاً آخر، خصوصاً بعدما تيقن أن أهل الكوفة قد غدروا به كما غدروا بأبيه وأخيه من قبل، ولم يوفوه وعودهم التي قطعوها بأنهم لن يسلموه لخصومه. ومما يؤكد هذا الفهم أن الحر بن يزيد هذا قد انتقل -بعد ذلك- إلى طرف الحسين عليه السلام يقاتل دونه ويدافع عنه، لما علم بعزم ابن زياد على مقاتلة الحسين، حيث رأى ذلك تعنتاً بجانب ما ظهر له من نية الحسين القائمة على السلم وتجنب القتال، خصوصاً أنه قد أخبر القائمين على الأمر في الكوفة بذلك.
- ذهب الحسين بعيداً عن الكوفة؛ فأرسل عبيد الله بن زياد، والي الكوفة، بعمر بن سعد لملاقاة الحسين، ودارت بين الرجلين مشاورات ومحاورات، وأرسل رسالة إلى ابن زياد مفادها (فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه وماذا يطلب، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم). فأرسل ابن زياد لعمر بن سعد يقول له: (فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا. والسلام). وأما عمر بن سعد فقد استاء من جواب ابن زياد المتعنت. وقد رفض الحسين عرضهم، وبدأ يشعر بتعقيد الموقف وخطورته، فطلب من عمر بن سعد مقابلته، وعرض عليهم عرضاً آخر يتمثل في إجابته إلى واحدة من ثلاث؛ فإما أن يتركوه فيرجع من حيث أتى، وإما أن يتركوه ليذهب إلى الشام فيضع يده في يد يزيد بن معاوية، أو أن يسيروه إلى أي ثغر من ثغور المسلمين فيكون واحداً منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.

وتشير بعض الروايات إلى أن ابن زياد مال إلى هذا الحل، وربما رأى في حمل الحسين عليه السلام على الذهاب إلى يزيد ما يرفع حظوته لدى سيده، ولكن بعض من كان في مجلس ابن زياد (ويقال إنه الشمر بن ذي الجوشن)، سوّل له أن لا يقبل بهذا العرض، وأن يعرض عليه المثول بين يديه والنزول على حكمه، وهو ما كان. فلما وصل الخبر إلى الحسين عليه السلام رفض ما عرضوه عليه، وقال: (لا والله لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبداً).
- وهنا لا يفوتنا الموقف قبل أن نشير إلى أن الخيارات الثلاثة التي عرضها الحسين عليه السلام على والي الكوفة تحمل إشارات على تغير في موقف الحسين عليه السلام نتيجة لتغير الظروف على أرض الواقع، فإن في قبوله أن يسير إلى يزيد بن معاوية في الشام ما يفيد أنه ربما بدأ يميل للدخول فيما دخل فيه الكثير من الصحابة والتابعين من البيعة ليزيد، أو لمفاوضته ومناقشته في الأمر في أسوأ الاحتمالات، ويرجح اقتراحه الآخر بتسييره إلى ثغر من الثغور الاحتمال الأول؛ لأننا لا نظنه يقاتل تحت راية دون العزم على البيعة لمن عقدها. والله أعلم.
- ويبدو أن الحسين عليه السلام بات يتعرض إلى ضغوط من داخل معسكره، حيث رفض آل عقيل الانسحاب قبل مقاتلة خصومهم بعدما بلغهم خبر مقتل مسلم بن عقيل عليه السلام، يضاف إلى ذلك الضغوط الخارجية المتمثلة بتعنت ابن زياد وصلفه، وما رأى الحسين من إهانة في عرضه الأخير، فعزم على القتال دفاعاً عن أهل بيته وأصحابه، وجعل من كانوا في رفقته في حل من أمرهم، وأظن أن ذلك جاء في مسعى منه لإثبات صدق نيته للمقابل حتى آخر لحظة، ولتقليل الدماء، وهو الذي خرج تجنباً للقتال والدماء، فلما أعطاهم الخيار آثر قلة ممن التحق به الانسحاب، وثبت أكثر أصحابه طالباً الشهادة دفاعاً عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم كان من الأمر ما كان بقدر الله تعالى، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الأمة ستتحول من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض..
والخلاصة مما مر معنا أن الحسين عليه السلام خرج طلباً للإصلاح لا للقتال وسفك الدماء، وأن سبب خروجه الأول هو رفضه لتقويض صيغة الحكم وهدم بعض أهم أركانها، وأقوى الأسس والقيم الناظمة لها، وعلى رأس ذلك أن يكون الأمر للأمة تختار من تراه عبر (المشورة والرضا)، بلا إكراه ولا استبداد بالرأي ولا سلب لواحدة من أخص خصائص الأمة. ولحديث المأساة بقية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة