الحسين عليه السلام بين الإصلاح والثورة.. (2)

الحسين عليه السلام لم يبايع يزيد ليوصف بالخروج على الحاكم، وإنما هو رفض البيعة ابتداء.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/G5VEqx
الخميس، 12-09-2019 الساعة 16:48

مر معنا في القسم الأول من المقال أن الحسين عليه السلام خرج طلباً للإصلاح لا للقتال وسفك الدماء، وأن سبب خروجه الأول هو رفضه لتقويض صيغة الحكم، وعلى رأس ذلك أن يكون الأمر للأمة تختار من تراه عبر المشورة والرضا، بلا إكراه ولا استبداد بالرأي ولا سلب لواحدة من أخص خصائصها.

كما مر معنا أن الحسين عليه السلام لم يبايع يزيد ليوصف بالخروج على الحاكم، وإنما هو رفض البيعة ابتداء، وهنا سنتحدث عن القضية التي أجّلناها من قبل، وقد جاء وقتها، فإن الأمة لا ترى الخروج على البيعة متى تحققت بشروطها، ومن تلك الشروط أن تبايعه الأغلبية في الأمة بلا ضغوط ولا إكراه، وهذا هو مقتضى الشورى، وهذا الذي أخذه الصحابة رضي الله عنهم على معاوية عندما أراد أن يعطي العهد من بعده لولده يزيد، دون مشورة ولا رضا من الأمة.

لذلك فعندما طلب من ابن عمر رضي الله عنهما أن يبايع على ذلك أراد الأخير أن يؤكد على هذا الأصل الأصيل، فقال له: (إنما أنا رجل من المسلمين أدخل فيما دخل فيه المسلمون).

وهذا هو الذي يتوافق مع الأدلة الشرعية والآراء الفقهية المعتبرة عند الأمة، حيث جعلت الشريعة الإمام وكيلاً عن الأمة حارساً لها أجيراً عندها، وليس راعياً للأمة متسلطاً عليها، وها هو أبو مسلم الخولاني رضي الله عنه يؤكد ذلك المعنى بوضوح؛ عندما دخل على معاوية فقال: (السلام عليك أيها الأجير، فقيل له: قل الأمير، فقال: بل أنت أجير). بل إن معاوية نفسه ثبّت هذا الحق للأمة يوم أن خطب الناس فقال: (أيها الناس إنكم إنما بايعتموني طائعين، ولو بايعتم عبداً حبشياً مجدعاً لجئت حتى أبايعه معكم!).

هذا، والأمة قد اجتمعت على معاوية بعد صلحه مع الحسن، فكيف بمن لم تجتمع عليه الأمة، وشاب بيعته الضغوط والإكراه؟ فبالتأكيد سيكون مجال الاجتهاد في رفض البيعة له قائماً، وأي محاولة للإصلاح مسوغة، وهذا الذي فعله جمع من الصحابة والتابعين في مسألة البيعة ليزيد بن معاوية.

وقد مضت الأمة وهي تفرق بين خروج البغاة وخروج أهل الحق، وفي ذلك نرى ابن حجر، وهو من هو في تتبع الروايات متناً وسنداً واستدلالاً واستنباطاً، يقول: (وقسم خرجوا غضباً للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل الحق، ومنهم الحسين بن علي، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط، وهم البغاة).

وهذا النص يؤيد ما ذهبنا إليه من سبب خروج الحسين عليه السلام، كما يؤكد نظرة الأمة عامة بأن الحسين لم يخرج طلباً للملك والرياسة، وإنما طلباً للإصلاح، والعودة بالأمة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين، هذا الركن الذي اختلَّ لأول مرة على يد معاوية وبيت الحكم الأموي، وكان بداية لتحول صلاحيات اختيار الحاكم من يد الأمة إلى يد بعض أفرادها، وهو الذي قاد بعد ذلك إلى ما يطلق عليه "فقه المتغلب"، وهو فقه مشوه لا يتناسب مع روح الشريعة ومقاصد الدين، حيث باتت القوة تحتكر الدولة، بينما كانت الدولة تحتكر القوة، التي تستمدها من محصلة قوى الأمة التي خولتها.

إن بيعة المكره تبقى بيعة تشوبها شائبة من جهة الرضا الذي هو شرط مهم من شروط أي عقد من العقود في الشرع الإسلامي، وإذا كان الكثير من فقهاء الأمة يحكم ببطلان عقد بربع دينار إذا لم يكن عن تراضٍ بين الطرفين! وإذا كان الإمام مالك يرى أن طلاق المكره لا يقع، مع أن أثره خاص لا يتعدى شخصين، فكيف تقبل الشريعة بيعة المكره مع ما فيها من افتئات على حق الأمة كلها، وإكراه لجموعها في أهم وأخطر عقد يمس حياة الناس، ألا وهو عقد الإمارة بين الأمة والحاكم؟
لقد ظهرت مواقف عملية على يد أئمة المذاهب الفقهية تفيد بأنهم كانوا ينظرون إلى بيعة المكره على أنها بيعة ناقصة، وأعطوا للأمة الحق في إظهار رفض هذا الواقع، ومحاولة تغييره، من باب تغيير المنكر، وفقاً لحالة الاستطاعة والقدرة، متى تهيأت الظروف ووجدت القيادة المناسبة، فالسكوت على بيعة المكره -إن حصل بذريعة الخوف من الوقوع في مفسدة أكبر- هو سكوت قد تقتضيه الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وتبقى بيعة المكره استثناء وافتئاتاً على حق أصيل من حقوق الأمة، ولا يصح بحال أن تكون هي الأصل في التشريع، كما ظهر في بعض فتاوى "وعاظ السلاطين" في العصور المتأخرة.
لذلك رأينا مواقف أئمة الفقه واضحة في دعم محاولات الإصلاح، فقد وقف أبو حنيفة مع ثورة زيد بن علي على الأمويين، وكان يحمل المال إليه، ويفتي الناس سراً بوجوب نصرته. وأما مالك إمام دار الهجرة ووارث فقه الصحابة الكرام فقد استفتي في مسألة الخروج مع محمد بن عبد الله بن الحسن (ذي النفس الزكية) وقيل له: (إن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد).
في هذا السياق ينبغي أن نفهم حركة الحسين عليه السلام سعياً في الإصلاح، وإصراراً على صيانة حق الأمة في اختيار من يحكمها، ورفضاً لما سيجره منكر البيعة بالإكراه من سوء وأذى وتشويه، وما سيحدثه من صراعات عائلية بعد ذلك، وإذا كان ثَمّ ثورة في الرفض الحسيني فيمكن أن نطلق عليها (ثورة الشورى)، هدفها المحافظة على الخط النبوي الراشدي الأصيل، وذلك على خلاف أهل الغلو من الطرفين؛ الطرف الأول الذي يزعم بأن الحسين عليه السلام خرج لاستعادة حق أهل البيت عليهم السلام المعين لهم بالنص على الإمامة، ولو كانت الإمامة بالنص -كما يزعم الغلاة- فإن علياً والحسن عليهما السلام هما -حاشاهما- أول من فرط بهذا الحق الذي هو حق للشريعة وللأمة، وليس لهما فيه أي خيار، فليس لمؤمن الخيار فيما قضى الله ورسوله من أمر، فكيف سلَّما بهذا الحق لغيرهما؟ وخصوصاً الحسن، الذي بايعه الناس ولكنه ذهب وصالح معاوية.
كيف نتصور الحسين يخرج أشراً أو بطراً، أو راغباً في سفك الدماء، وهو الذي رأى أباه يزهد حتى في قتل الخوارج الذين كفروه! ورأى أخاه يمد يده للصلح مع معاوية وهو يردد كلام معدن النبوة في آذان الأمة: (الحمد لله الذي هدى بنا أولكم، وحقن بنا دماء آخركم)! فهل نتوقع من الحسين بعد ذلك أن يكون قد خرج للقتال وسفك الدماء؟ ولا تستقيم الصورة هنا إلا إذا قررنا أن الحسين عليه السلام لم يخرج على الكفر والضلال وسلب حق الإمامة من علي وبنيه، بل خرج طلباً للإصلاح ودفاعاً عن الشورى، وفي الطرف الآخر هناك من زعم بأن الحسين خارج على دولة المسلمين، وعلى الحقيقة فهو لم يخرج على الإمام العادل المستوفي لكل شروط البيعة والإمامة، بل رفض البيعة بعدما اختل أمر الإمامة قياساً بالنماذج النقية التي كانت سائدة قبل تنازل الحسن بن علي لمعاوية، حيث انتهت بانتهائها حقبة الخلافة الراشدة، وبدأت حقبة الملك العضوض، والملك العضوض في اللغة هو الملك الذي فيه عسف وظلم، وهل أطل العسف برأسه إلا مع سلب الأمة حقها في اختيار ومراقبة حكامها؟ فإن النار تبدأ بالشرارة الصغيرة قبل أن تحرق الأخضر واليابس.
الوقفات التي تتقاطع مع واقعنا اليوم كثيرة، ولكننا سنختار بعض الوقفات السريعة التي تفيدنا في الوصول إلى النتائج والاستنتاجات التي لها أثر في إسقاطها على الواقع، ومن ذلك:
- أولى هذه الوقفات تبدأ مع معاوية رضي الله عنه، فلا ينبغي أن يجرنا نقدنا لخطأ تصرفه في حق الأمة إلى الانتقاص من قدراته الكبيرة في إدارة الدولة وسياسة الأمة، فقد شهدت الأمة في زمنه عشرين عاماً من الاستقرار والتطوير والفتوحات التي توقفت مع كسر باب الفتنة على أيدٍ خبيثة -خفية غالباً- بدأت بمقتل سيدنا عمر واستشرت بمقتل سيدنا عثمان، وامتدت لتخطف خيار الصحابة وأهل البيت يوم الجمل ويوم صفين، وبالتأكيد كانت لهؤلاء بصمات خبيثة في موقعة كربلاء.
ولولا ما أحدثه معاوية من فتح لباب التوريث وتجريد للأمة من حقها المطلق في اختيار الحكام لما تقدمت على إنجازات مدة حكم معاوية إلا إنجازات الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ونحن هنا نقارن الإنجازات لا مسألة التفضيل، فكل من سبق معاوية أعلى منه قدراً ومنزلة عند الأمة.
- لم يظهر على يزيد الرضا بما اقترفته أيدي أتباعه وفقاً لأصح الروايات، حيث ارتكبوا تلك المجزرة بحق أطهر بيوتات الأمة، وقتلوا ثمانية عشر رجلاً من عترة رسول الله عليه وعليهم الصلاة والسلام، ولكن أعوانه لو كانوا في زمن أبيه لما تجرؤوا على القيام بذلك، كان معاوية يعلم برفض الحسين توريث الحكم ليزيد، ومع هذا لم يتعرض له، وأوصى ابنه بالترفق مع الحسين واستمالته للبيعة لما يمثله من وزن لدى عامة الأمة.
- ولا يعفي يزيد قوله إنه لم يأمر بقتل الحسين، فقد كان بوسعه أن يكف ولاته عن ذلك، وقد جاءه خبر نية خروج الحسين إلى الكوفة، وأرسل الرسائل إلى ابن عباس وابن جعفر عليهما السلام وغيرهما، يطلب منهم أن يثنوا الحسين عما عزم عليه، فكان بوسع يزيد أن يرسل رسائل "استباقية" مشابهة إلى الكوفة تحدد لهم سقف التعامل مع الحسين ومن معه من أهل بيت النبوة. ويؤخذ على يزيد كذلك أنه لم يقتص بعد ذلك من قتلة الحسين عليه السلام، بل ولم يأمر بعزلهم عن مناصبهم التي كانوا عليها.
- وهنا لا بد من التفريق بين ما فعله علي مع قتلة عثمان رضي الله عنهما، وما فعله يزيد مع قتلة الحسين عليه السلام، وهو كلام طالما ردده بعض أهل "النصب الخفي"، ورغم أن رزية الأمة بذي النورين لا تقل عن رزيتها بالحسين وأصحابه، وضررها على الأمة أكبر لما فتحته من باب الفتن، إلا أن قتلة عثمان لم يكونوا -يوم قتلوه- تحت إمرة علي، بل حاول علي إنقاذه من أيدي الغوغاء، وأرسل شباب أهل البيت، يتقدمهم الحسن والحسين للدفاع عنه، ولكن عثمان اختار أن يضحي بنفسه لوأد فتنة كانت تطل برأسها وتهدف إلى تمزيق أركان الأمة، وكان شغل علي الشاغل بعده أن يستتب الأمر وتستقر أحوال المدينة (عاصمة الخلافة) بعدما استبيحت على يد الغوغاء، وصار لهم تأثير في مجريات الأحداث داخلها، على العكس من ذلك كان الملك مستتباً للأمويين بعد موت معاوية، والوضع مستقر في مقر سيادة الدولة وعاصمة الخلافة في الشام، وكان أمر الأمة بيد يزيد، وكان بوسعه أن يئد الفتنة بالقصاص من عماله على الكوفة، أو إعفائهم من مناصبهم وحبسهم في أسوأ الأحوال، فلربما كانت خطوة كهذه كفيلة بتخفيف حدة التوتر ورفع منسوب الأمان الذي تزعزع في إثر موقعة كربلاء المروعة.
- ما ذكرته بعض روايات التأريخ من نقل رأس الحسين عليه السلام إلى يزيد وما ارتبط بذلك من أفعال وأقوال وأشعار كله لا يصح، والصحيح أن رأس الحسين قد نقل إلى ابن زياد -عامله الله بما يستحق- في الكوفة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (ولما أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان -أحسبه- جميلاً، فقلت: والله لأَسوءنَّك، إني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلثم حيث يقع قضيبك. قال: فانقبض). وفي صحيح البخاري رواية قريبة من هذا عن أنس أيضاً. والمعروف عن أنس أنه كان يقيم في الكوفة، ولم يثبت أنه انتقل إلى الشام في تلك الأيام، فالأمر ليس كما زعمت بعض الروايات المكذوبة أنه قال ذلك بين يدي يزيد.
- لا توجد رواية تصلح للاستشهاد بها في إثبات أن نساء الحسين قد أخذن سبايا مكشوفات الرؤوس إلى يزيد في الشام، والذي ثبت هو العكس، حيث أقام عمر بن سعد لهن بيتاً منعزلاً، وجهزهن بما احتجنه، ثم سيرهن إلى الشام ومعهن علي بن الحسين عليهم السلام، وفي الشام أحسن يزيد استقبالهن وبالغ في إكرامهن، وأسكنهن مع نسائه، ثم استأذنوه في الرحيل إلى المدينة المنورة، فقدم لهم الهبات والأعطيات، وشيع معهم من يرافقهم إلى المدينة، وأمر بتجهيزهم بكل ما يحتاجونه للعيش في المدينة، وذلك لا يساوي شيئاً في مقابل قطرة دم واحدة سالت ظلماً من جسد الحسين، ولكن التثبت والقسط قيمتان من أرقى قيم التعامل التي حثنا القرآن الكريم على الأخذ بهما مع من نوافقه ومن نخالفه.
- لقد بدأت التحولات في السلوك العام للدولة تتوالى، فبعد أن انخرم أصل الأمر في الشورى، وهو اختيار الإمام، ظهر أثر ذلك في تطبيقات الشورى فيما دون ذلك من شؤون الأمة، ولنضرب على ذلك مثالاً واحداً، فقد مضت السنة في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله، وسنة خلفائه من بعده، أنه (إذا نزل المسلمون على حصن فالتمس العدو مصالحة المسلمين.. لم يصلح ذلك حتى يبعث أمير الجيوش رجلاً، فيدخل الحصن ويجمع أهله ويعلمهم بذلك، فإن رضوا بذلك استنزلهم، وإلا أقرّوا في حصنهم ولم يصالحوا)، وعلى هذا يحمل ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام مع من عقد وصالح من رؤساء نجران وغيرهم، (أن ذلك كان عن ملأ منهم، وأن الأتباع غير خارجين لهم من رأي ولا مستكرهين عليه)، ولكن أئمة الجيوش في زمن بني أمية غيروا هذه السنّة المتبعة، فقد كانوا (قبل عمر بن عبد العزيز، يصالحُ الإمامُ رؤوسَ أهل الحصن وقادتهم على ما تراضوا عليه، دون بقية من في الحصن من الروم)، فلما آل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز عاد به إلى سيرته الأولى، (وأمر أمراء جيوشه ألا يعملوا به، ولا يقبلوه ممن عرضه عليهم، حتى يكتبوا كتاباً ويوجهوا به رسولاً وشهوداً على جماعة أهل الحصن).
ما نقلناه هنا يعطينا مؤشراً على مدى اهتمام الإسلام بمبدأ الشورى، وسعيه لتطبيق الشورى في حياة الناس مسلمهم وكافرهم، فلا تقف الشورى عند كونها مبدأً إسلامياً، وإنما أراد الإسلام أن يجعل الشورى مشتركاً إنسانياً تلتقي عليه الأمم، ومرة أخرى نؤكد هنا على أهمية قراءة فعل الحسين عليه السلام، وثباته على منهج الإصلاح في ضوء هذه المعاني السامية.
- هل الأمة اليوم أقرب إلى مقاصد الشريعة منها لو كانت مساعي سيدنا الحسين عليه السلام قد نجحت في المحافظة على سير خط الخلافة نقياً؟ وهل نحن قريبون اليوم من فقه الصحابة وأهل البيت والأئمة الكرام؟ أم علينا أن نعترف بأننا نبتعد عن هذا الخط كلما سرنا مع خط الزمن إلى الأمام؟ وبعبارة أوضح هل نحن ندور اليوم مع الوحي، وننطلق فعلاً من مقولة إن (النص حاكم والواقع معتبر)، أم نحن نكبل النص بالتراث الفقهي الذي اقتضته ضرورات مرحلة ما أو فرضته ضغوطات سلطة ما، دون مراعاة لاعتبارات الواقع؟ وسؤال أكثر مواجهة مع الذات، هل إن ما اجترحناه من حلول واجتهادات جاء فعلاً طبيعياً ضمن سياقه أم جاء بعضه كرد فعل على الأفكار والدعوات المغالية والمنحرفة، فتكون الفرق الغالية هي التي وجهتنا، من حيث أردنا نحن أن نوجهها ونصحح مساراتها، أو نعصم الأمة من انحرافاتها؟
ولنا مع الشيعة بكافة طوائفهم وقفات، وخصوصاً من وصفهم الدكتور علي شريعتي بأنهم يمثلون خط "التشيع الصفوي" فلنا معهم في هذا الموقف الأليم الوقفات الآتية:
- إن ما ابتدعتموه من طقوس وممارسات ترافقت مع الذكرى السنوية لمقتل الحسين، وما ظهر فيها من حالات غلو ومبالغة لا يقبلها العقل المستقيم، وينفر منها الذوق السليم، ويأباها الشرع القويم، قد أفرغ هذه الذكرى من مضامينها الإنسانية وأهدافها الإصلاحية، وحولها إلى مجرد شعارات فارغة المحتوى يتم استغلالها لأغراض سياسية وأهداف تنافسية.
- لمصلحة من تبقى هذه الروايات والأكاذيب التي تسيء إلى أهل البيت بقدر ما تسيء إلى أصحاب سيد أهل البيت عليه وعليهم الصلاة والسلام؟ وما قصة السبي المكذوبة، والتي لا تليق ببنات محمد عليه الصلاة والسلام، إلا مثالاً على مئات الروايات التي تمتلئ بها كتبكم، مما لا يليق بمقام أهل البيت الكرام، ولا يتسع المقام لذكرها.
- أي القولين أكثر اتساقاً مع سيرة أهل البيت عليهم السلام؛ هل هو القول بالنص على الإمامة، أم القول بأن الإمامة تنعقد بالمشورة والرضا؟ أليس القول بأنها بالنص يجعل تصرفات علي مع الخلفاء من قبله، وقرار الحسن بالصلح مع معاوية، تعطيلاً لنص من نصوص الوحي، واجتهاداً منهما في مقابل النص؟
وعلى هذا، فمن الواضح أن قضية الشورى كانت جامعاً للجيل الأول من أهل البيت والصحابة، حرصوا على الالتزام بها، وجعلوها عاملاً مشتركاً في التعاطي مع مسألة الإمامة، وفي كل ما يستوجب استحضار الشورى من أفعال، وهذا الفهم هو الأجدر والأيسر في تفسير الأحداث التي ثبت وقوعها في التاريخ، بدلاً من التفسيرات المتعسفة التي لا يمكن أن تتعكز إلا على الغلو، ووسم أهل البيت عليهم السلام بالتقية والتهرب من الاستحقاقات.
- من الأقرب إلى دعوة الحسين وأهل البيت عليهم السلام؛ أهم الذين يقولون إن الأمر شورى بين المسلمين لا يستبد به أحد دون الأمة؟ وهذا ما يناسب ويفسر بيعة علي للخلفاء من قبله، وقبوله العمل وزيراً ومستشاراً مقرباً لهم، والتنازل لمعاوية من قبل الحسن، أم هم القائلون بأن الأمر بالنص الإلهي؟ مع كل ما يحمله هذا الرأي من تناقضات، ويُحمِّله لأهل البيت من نقائص لا تليق بمن هو أقل منهم قدراً، كمخالفة النص، وعدم النصح الصادق للأمة، والسماح بانحراف خط سير الرسالة، والضن بالنفس لأجل مصالح دنيوية زائلة! وإن كان ما تدعونه من النص على الإمامة صحيحاً، وأنه هو السبب في خروج الحسين، فلماذا وسع أباه وأخاه السكوت مع من سبقوا يزيد من الخلفاء؟ أترون الحسين أشجع منهما؟ أم أن قلبه أتقى وأنقى من قلبيهما؟ بل لماذا وسع الحسين نفسه عدم الخروج على معاوية في سنوات حكمه الأولى قبل أن تستقر أركان حكمه، ولم يسعه السكوت على يزيد؟ خصوصاً وقد استتب الحكم لبني أمية واشتد عود دولتهم!
- كانت الدولة -ممثلة عن الأمة- تحتكر القوة في زمن خلافة علي والحسن والخلفاء الراشدين، ثم صارت القوة تحتكر الدولة وتستبد بها دون الأمة، فهل الدولة في النموذج الذي نراه أمامنا اليوم هي التي تحتكر القوة فتكون قريبة من علي والحسن عليهما السلام؟ أم أن القوة التي تمثلها المليشيات هي التي تحتكر الدولة وتفرض نفسها على الأمة، فتقترب من نموذج خصومهما؟
وإذا كنا لا زلنا نتحدث عن الإصلاح الحسيني، فلا بد لنا من إرسال رسائل سريعة لعامة الشيعة في زماننا هذا، تحتاج منهم الوقوف عندها للمقارنة بين الحسين المضحي بكل شيء لأجل الدين، وبين بعض من يتاجرون بشعارات الحسين، ومن هذه الرسائل:
- من هم الأقرب لنهج الحسين عليه السلام اليوم، هل هم السراق والمستبدون ومن يدافع عنهم؟ أم هم المنادون بتحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؟ ولو كان الحسين حياً فأي الفريقين سيقود؟ هل سيقف مع الحكام المستبدين، أم مع الشعوب المقهورة؟
- كان العنوان الأبرز لثورة الحسين عليه السلام أن الإمامة هو حق أصيل للأمة، وكان رفضه لمبدأ التوريث واضحا، فهل الذين يسعون لتوارث المناصب اليوم تحت شعار (ما نعطيها)، سواء كان التوارث عبر منظومة العائلة أم منظومة الحزب، يتشبهون بالحسين؟ أم هم أقرب لخصومه؟
- الحسين عليه السلام ضحى بنفسه لأجل نصرة الدين، واليوم هناك من يضحون حتى بمباديء الحسين من أجل تحقيق غاياتهم الدنيئة في التمتع والتربح باسمه وعنوانه الشريف.

- كان عنوان خروج الحسين هو السعي لإصلاح الانحراف واستعادة المنهج النبوي والراشدي الأصيل، فمن ناصر وهادن الانحراف فهل هو من الحسين في شيء؟
- هناك من يدافعون عن السراق والمجرمين أو يحمونهم، ثم يشاركون في عزاء عاشوراء! وكأن المشاركة في عاشوراء ستجعل ما سرقوه وما مارسوه من فظائع إجرامية أمراً مباحاً يبيض ساحاتهم المجللة بالسواد.
- لقد خرج الحسين من مكة حقناً لدماء الأبرياء وحفاظاً على أرواح الناس، في الوقت الذي بيت ابن زياد وأذنابه أمرهم على إراقة الدماء الحرام في الأشهر الحرام، ونرى اليوم من يرفعون بيننا شعارات الحسين ولكنهم يفعلون أفعال الشمر بن ذي الجوشن! حيث يحل القتل والخراب والدمار أينما حلوا أو ارتحلوا، فأين هؤلاء من الحسين عليه السلام؟
الأمة اليوم مدعوة لأن تجدد قراءتها، وتستعيد وعيها، وتبني من النقطة التي توقف عندها الحسين، وعلى النهج الذي بذل الحسين روحه الطاهرة من أجل استعادته، وهو نهج النبوة ومسار الرشَد. نهج آبائه من أهل البيت، وأصحاب جده عليه وعلى آله الصلاة والسلام. والحسين المصلح المناضل من أجل الشورى وحق الأمة هو نقطة الالتقاء التي تجمع المخلصين من كل الطوائف والمذاهب، متى تجرد أبناؤها من الأهواء، وصدقوا في النوايا، وأخلصوا في العمل، وقرروا استعادة دورهم الذي رسمه أهل البيت والصحابة معاً بجهدهم وجهادهم ودمائهم.
فلا مناص من الاعتراف بأن الأمة، بكل طوائفها، وإن كانت تدعي الانتماء إلى الحسين (ومن سبقه من أهل البيت والصحابة) في الفكر، فإنها يزيدية في التطبيق، وهذا خلل يحتاج إلى تعديل في مسار الطريق إلى خلافة راشدة، نحن متيقنون أنها لن تعود إلى رشدها إلا (على منهاج النبوة).
وقبل أن ننهي المقال يطرأ على الأمة كلها سؤال كبير تحتاج الإجابة عليه إلى صراحة كبيرة مع الذات: إذ كيف نستطيع أن نقدم إسلامنا اليوم لشعوب الأرض كطريق هداية وفلاح وخلاص، ونحن نراهم يختارون حكامهم بحرية كاملة دون إكراه، ويراقبون أداء مسؤوليهم دون كلل، وينتقدون تصرفاتهم دون وجل، بينما نحن نكرس بيننا فقه المتغلب، والخضوع لصاحب الذراع الأقوى والسيف الأمضى؟
إن تجديد الدين وتجويد التدين على كل المستويات، بدءاً من الفرد والأسرة صعوداً إلى الحكم والإمارة، مرهون بالاستعادة الكاملة لمبدأ الشورى، وتفعيل قاعدة (المشورة والرضا) في حياة الأمة، انطلاقاً من البيوت وحتى أعلى مستويات المسؤولية فيها.

بهذا فقط تستطيع الأمة أن تستعيد حيويتها ودورها بين الأمم، وتعيد دعوتها ورسالتها في الحياة إلى صورتها المشرقة، وبهذا الدرس العظيم نستفيد من واقعة كربلاء لتكون سبباً للقوة، لا للضعف والفرقة والاقتتال.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة