الحوار السعودي الإيراني.. أين المشكلة؟

إن الدولة السعودية بالفعل تمتلك توازناً مختلفاً عن كل دول الخليج العربي، ولا يُقاربها إلا القوة العمانية الهادئة والعميقة دبلوماسياً، لكن حساباتها حذرة جداً مع إيران.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/ZWRyzJ
الثلاثاء، 04-05-2021 الساعة 23:44

توالت الأنباء عن عقد جلسات الحوار غير المعلنة بين طهران والرياض بوساطة مصطفى الكاظمي رئيس الحكومة العراقية، الذي لم ينجح حتى اليوم في أي مساحة تأمين ولو نسبية، لمصلحة العراق العربي الذي يتطلع إلى الاستقلال، وأسوأ من ذلك طابور الضحايا من النشطاء الذين أعدمتهم المليشيات الإيرانية من أبناء الحراك المدني، وغالبيتهم من أسر شيعية.

ومن ثم فانعكاس وساطته لمصلحة العراق مشكوك فيه، وإن كانت فكرة التوجه نحو عزل العراق عن بؤرة الصراع الأمني بين إيران والسعودية هو توجه إيجابي، بحكم أن البعد الأمني لن يُعطي أي مساحة توازن لمصلحة الشعب العراقي، في مواجهة التغول الإيراني الضخم، والفساد الذي يستنزف العراق تحت ضغوطها، وتحت غطائها للعملية السياسية المقننة بمقاييسها.

وإلا فلو أن التداخل السعودي كان ذكياً، وركّز على البعد الاجتماعي والتنموي والثقافي العربي للعراق، والجذور السياسة فيه، لاستطاع أن يخلق معادلة تأثير نسبية تتصاعد، لكن هذا النوع من التفكير غير حاضر في منصة القرار السعودي، الذي يسعى إلى أن يؤمن ما بعد خسارة حرب اليمن في حدوده ومنشآت الشرق النفطية.

بمعنى السعي لتأمين لوجستي لموقف الدولة، يوقف اللعبة مع إيران في توترها الأخير، وهو سياق مبتور تحيطه وساطة أبوظبي بحسب ما تسرب من أخبار، والبناء على حواراتها مع طهران التي تقدمت كثيراً، وهي في الأصل لم تتغير في علاقة أبوظبي ودبي الجيوسياسية والاقتصادية مع الإيرانيين.

إن الدولة السعودية بالفعل تمتلك توازناً مختلفاً عن كل دول الخليج العربي، ولا يُقاربها إلا القوة العمانية الهادئة والعميقة دبلوماسياً، لكن حساباتها حذرة جداً مع إيران، ومن ثم فالرياض تعتقد قديماً أن إمكانية التنسيق مع مسقط غير مفيدة للسعوديين، وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الملفات، لكن ليس في كل الملفات.

وهنا المشكلة الثانية وهي أن الرياض تحتاج بالضرورة إلى تصحيح سياساتها مع دول مجلس التعاون الخليجي والتوتر الضخم الذي أحدثته الأزمة الخليجية، ولم تكن رسائله مؤثرة على قطر وحسب، التي خسرت السعودية مساحة ضخمة من الثقة معها ومع غيرها، لن تُستعاد إلا بخطة تصحيح متوالية.

لكي تكون قيادة الرياض مؤهلة لتكسب قاعدة توافق مهمة من داخل المجلس على مستقبل حوارها مع إيران، لا يُشترط فيه مطلقاً أن تتطابق سياساتهم معها، فمخاوف ما بعد الأزمة أكبر من أن تُستوعب، وإن بقيت روح الخليج العربي العربية، ورغبته في تعايش يضمن وحدته الاجتماعية أمام زحف إيران، هاجساً للجميع، ومن بينهم الشعب العماني.

أما المسار الثالث فهو العمق الداخلي الذي يحتاج أن يسير بخطة وطنية خاصة، تتضمن إصلاحات تستوعب الأطياف الوطنية والاجتماعية بالاندماج التام تشمل مواطني السعودية من أبنائنا من الطائفة الشيعية، تحتوي إشكاليات الصراع الطائفي الذي تم تقاذفه مع إيران طوال هذه الفترة، وتنعكس هذه الروح على دول الخليج العربي، بحكم التأثير السعودي الكبير.

وهذا لا يعني مطلقاً أن إيران ليس لديها مشروع طائفي وظفته أمنياً وسياسياً، بل هذه إحدى كوارثها في المشرق العربي ولا تزال، ولكن خلق منصة قوة داخلية وثقة مع بقية البيت الخليجي، وتصحيح السياسات الخارجية المتصلة بفوضى تلك الفترة، يصنع قوة أفضل للسعوديين في طاولة الحوار، شريطة أن يكون هدفهم وروح مشروعهم، منسجماً مع قوة الإقليم الخليجي والرضى الشعبي الداخلي، وليس موسماً أمنياً عابراً.

ولعل العودة لفكرة الحوار الذي حركته أبوظبي، يُشير إلى هزلية المراهنة على تل أبيب في صراع الخليج الإيراني، وهو يكشف أمام الرياض ذلك التيه الضخم في فانوس "إسرائيل" السحري، فالعودة إلى القوة التضامنية الإصلاحية مع الداخل، وصناعة أفق جديد مع البيت الخليجي يعالج الخوف من الشقيقة الكبرى، هو بوابة التغيير الحقيقي إن كانت الرياض تريد التصحيح بالفعل.

Linkedin
whatsapp
مكة المكرمة