الدوحة.. عاصمة السلام العالمي

الاتفاق هو بلا شك الخطوة الأولى نحو السلام وليست الأخيرة، العقبة الأهم أمام الاتفاق ستكون تحقيق توافق أفغاني - أفغاني.

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/4kWMoZ
الاثنين، 02-03-2020 الساعة 11:54

اهتزت أركان الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 مع سقوط البرجين التوءمين في نيويورك، وبعد أشهر قليلة شنت إدارة بوش الابن حرباً شاملة على أفغانستان، انتهت باحتلال البلاد واستمرار العمليات العسكرية ضد حركة طالبان، وفي عام 2019 التحق فوج جديد من المجندين ذوي الـ18 عاماً بالجيش الأمريكي، وغالباً شارك قسم منهم في جولات قتالية في أفغانستان، هؤلاء ولدوا في عام الحرب الأول وكبروا حتى صاروا جنوداً فيها، قرابة العقدين هو عمر أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، أطول من حرب فيتنام التي استمرت سبعة عشر عاماً وأربعة أشهر، وحرب العراق التي استمرت ثمانية أعوام وتسعة أشهر، جيل كامل من الأمريكيين لم يعرف الحياة دون حرب في أفغانستان ولم يعاصر أحداث سبتمبر التي أدت إليها، وفي التاسع والعشرين من فبراير عام 2020 وقع أول اتفاق لإنهاء هذه الحرب، طرفاه هما طرفا الصراع الحقيقيان، الولايات المتحدة من جهة وحركة طالبان من جهة أخرى.

الاتفاق الذي وقع في الدوحة توج جهود الوساطة القطرية التي استمرت في هذه الجولة ثمانية عشر شهراً، وسبقه جولات هدفت للإفراج عمن سموا حينها بخماسي طالبان مقابل أسير أمريكي ونجحت في ذلك، وجرت محاولات متكررة منذ افتتاح مكتب طالبان في الدوحة لبدء حوار أفغاني أفغاني بحضور أمريكي، وعلى الرغم من جهود لأطراف عدة للاستئثار بهذا الدور، مثل سعي السعودية لاستضافة مكتب طالبان ومحاولات إماراتية لسحب البساط التفاوضي من قطر، إلا أن إيمان كلا الطرفين بنزاهة الوسيط القطري وجديته ونجاح قطر في ملف الوساطات والمساعي الحميدة بشكل عام ثبت قطر كوسيط قادر على إنجاز هذا الاتفاق التاريخي.

لماذا هو تاريخي؟ باختصار يضع الاتفاق الطرفين على مسار واضح لإنهاء العمليات العسكرية عبر جدول قصير نسبياً لانسحاب القوات الأمريكية -14 شهراً- وإيقاف فوري للعمليات القتالية على الأرض، ويأتي الاتفاق أولاً بين الولايات المتحدة وحركة "إرهابية" حسب التصنيف الأمريكي، كما ينهي الاتفاق احتلالاً هو الأطول منذ موجة الاستقلال في سبعينيات القرن الماضي، إذا ما استثنينا الاحتلال الإسرائيلي، وتكفي تلك الصورة التي صافح فيها لأول مرة مسؤول أمريكي بارز هو المبعوث الأمريكي لشؤون السلام في أفغانستان، زلماي خليل زاده، قيادياً في حركة طالبان، الملا برادر، لتكون رمزاً لتاريخية الاتفاق وأهميته في تاريخ الصراع في أفغانستان.

ماذا بعد؟ الاتفاق هو بلا شك الخطوة الأولى نحو السلام وليست الأخيرة، العقبة الأهم أمام الاتفاق ستكون تحقيق توافق أفغاني أفغاني، وهو بلا شك تحدٍّ صعب ومركب، أشرف غني رغم مباركته للاتفاق إلا أنه قال إن مسألة الإفراج عن 5000 عنصر من طالبان ليست موافقاً عليها أفغانياً، بينما وضعت طالبان هذا المطلب في إطار الاتفاق ونص عليه بشكل واضح أن ينفذ قبل بداية الحوار الأفغاني الأفغاني، كما أن الخلاف حول من فاز بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في كابل سيلقي بظلاله بلا شك على المسار التفاوضي، ومن الناحية الأخرى هناك خلافات في حركة طالبان بين صقورها في شبكة حقاني، وتلك الأطراف التي تربطها علاقات بتنظيم الدولة وحمائم المكتب السياسي والقيادات التقليدية التي وافقت على قطع الصلات مع شبكات الإرهاب العالمي، ومنع الاعتداء على مصالح أمريكا وحلفائها من الأراضي الأفغانية، والسؤال الأهم سيكون: كيف ستتم إعادة تعريف دور طالبان بعد هذا الاتفاق؟ هل ستقبل أن تندمج كمكون في النظام السياسي القائم هناك أم تطلب نظاماً سياسياً جديداً يحقق لها موقعاً متقدماً في صناعة القرار؟

كل هذه التحديات والتساؤلات ستكون الشغل الشاغل لأطراف الأزمة وفريق الوساطة القطري خلال الشهور القادمة، هذا الفريق الذي عمل بشكل متواصل لعام ونصف ولم يسعه أن يرتاح يوماً واحداً، حيث يبدأ مباشرة الإعداد للخطوة القادمة، جنود الخفاء أولئك هم أصحاب النصر الحقيقي ولهم كل الشكر والتقدير، ولا شك أن هذا الإنجاز التاريخي يثبت بعد 1000 يوم على الحصار أن قطر لم تكتف بصد الاعتداءات الصارخة عليها ولا باستعادة دورها الإقليمي البارز فحسب، بل انطلقت نحو العالم كشريك موثوق به من قبل مختلف الأطراف وعاصمة للسلام العالمي، شاء من شاء وأبى من أبى.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة